آخر المستبدّين

بقلم:نور الدين بوكروح

ترجمة :عبد الحميد بن حسان

اقترح مالك بن نبي في كتاب” مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي “، نظرية مفادها أنّ المجتمعات في نموّها، مثلها مثل الأطفال، تمرّ بثلاثة أعمار متتالية هي: “سنّ الأشياء”، و “سنّ الأشخاص “، و” سنّ الأفكار “. وإذْ ذاك كانت المجتمعات الإسلامية تبدو له من حيث تطورها النفسي الاجتماعي في مرحلة الأشياء بالنظر إلى السياسات الاقتصادية التي كانت تنتهجها والمتمثلة في النزعة الاقتصادية الصرفة (économisme)، وهي في سن الأشخاص بالنظر إلى أنظمة الحكم الأحادية التي تحكمها.

وكان العالم lhgmالعربي الإسلامي آنذاك يظنّ أنّ مشكلته الكبرى تكمن في التأخر الماديّ وأنّ تأخره عن الغرب سيتمّ استدراكه في بعض العشرات من السنين بفضل البترول ومخططات التنمية التي بدأ تنفيذها. كانوا يظنون أن تلك المخططات ستُوفر للعالم العربي ” أشياء ” الحضارة الغربية دون أن تُلزِمه بتبنّي أفكاره. فالمجتمع الإسلامي كان يظن أنه مزوّد بقيم أحسن من القيم الغربية. أما في المجال السياسي فقد أوكل أمره لزعماء ورؤساء ومُحرِّرين وقادة وملوك أتقياء لم تأت شرعية سلطتهم من سيادة شعوبهم، بل من السّنة الدينية بالنسبة للأنظمة الملكية والإمارات، أو من المشاركة في الحرب التحريرية ضد الاستعمار، أو بواسطة انقلاب في الأنظمة الجمهورية.  وهكذا كان العرب يحيون، حسب تعبير بن نبي: ” تحت وطأة مزدوجة: وطأة الأشياء ووطأة الأشخاص “.

وكثيرا ما تكون مرحلة ” الأشياء” في عمر المجتمع مصطبغة بكون المظاهرات بعيدة عن المطالب السياسية. وهذا ما عرفته كل من الجزائر وتونس ومصر في فترات متقطّعة. ولا بدّ من التّأمل في دلالة الاستجابة السريعة من الحكام لمثل هذه المظاهرات، وذلك بـ تخفيض الأسعار، السكن، القروض… وذلك من أجل إيقافها أو خنقها داخل البيضة، وكأنّ البطون وحدها هي القادرة على الانتفاضة في هذه البلدان للمطالبة بلقمة العيش التي كان الأجدر أنْ تُوفّر منذ البدء. أما في مرحلة ” الأشخاص “، فكثيرا ما يحدث انقلاب من أجل تحرير ” المستضعفين في الأرض “. و الواقع أنّ التغييرات التي حدثت في سدة الحكم عند العرب منذ الأزل إمّا أن تكون آتية من الخارج، أو عن طريق التوريث، أو عن طريق الانقلابات العسكرية التي ظهرت في العصر الحديث.

وهناك عرب جرى لهم ما جرى لأهل الكهف الذين استيقظوا بعد نوم دام عدة قرون ليجدوا كل شيء كما تركوه قبل النوم، وظنوا أنهم لم يناموا إلاّ ليلة واحدة. والواقع أن نمط الحكم الذي يتحكم في شؤون العرب اليوم هو نفس النمط الذي كان يتحكم فيهم منذ عشرة قرون. فهم آخر من تحرر على وجه الكرة الأرضية، إذْ أن العبيد أنفسهم قد سبقوهم إلى التحرّر. وكلّ ما قاموا به في العصور الحديثة عبارة عن تحيينٍ لمظاهر استعبادهم.

ولم يستيقظ العرب من سباتهم، ولم يشرعوا في الارتقاء إلى عالم ” الأفكار ” إلاّ بعد دفع ثمن باهظ. فقد تتابعت هزائمهم في مواجهة إسرائيل، وشاهدوا بأم أعينهم كيف انهار جدار برلين، وكيف تفتت الاتحاد السوفياتي، وكانوا شهودا على إفلاس التيار البعثي وإيديولوجيات العالم الثالث. شاهدوا كذلك كل الثورات الديمقراطية التي حدثت في أوروبا الشرقية، وشاهدوا قصّة مانديلا(Mandela)، وراحوا يرمقون تطوّر الشبكات الفضائية، وظهور جيل الأنترنيت وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي.

هذا بالإضافة إلى تجربة الإسلاموية التي أثبتت أنها عبارة عن مأزق بسبب المجازر التي ارتكبتها في الجزائر ومصر وفي باقي أصقاع العالم. ثمّ إنّ انتخاب رجل أسود على رأس الولايات المتحدة، مرفوقا بشعار “yes we can” كان حدثا يحمل رسالة إلى الشعوب المضطهدة. لم تنفتح عيون العرب إذاً إلاّ وقد بلغ الاستبداد حداً غير معقول، وصار الفساد في وضح النهار، وصارت الجمهوريات وراثية. لم يكن ينقص في هذا المشهد إلاّ بروز صورة الله في الأفق لدعوة العرب للتحرر. وإذا تأملنا كل هذه الأحداث وهذه العلامات أصبح من السهل علينا أن نفهم لماذا كانت الثورات الأخيرة مفاجئة.

ليس الاستبداد إلاّ تمثّلاً للسيادة الشعبية والدولة في شخص واحد. إذا اتفقنا على هذا التعريف أصبح لزاما علينا أن نلاحظ أن الثقافة الإسلامية والاستبداد متلازمان تلازما تاماًّ في المخيّلة العربية. وقد عمل العلماء والفقهاء على تقديم هذا النمط من الحكم على أنه عادي وطبيعي وشرعي. فألقاب: الخليفة، الإمام، الأمير، السلطان، الملك، الزعيم، الرئيس، القائد، كلّها تحيل على فكرة الحكم الانفراديّ دون وجود أي حق لمراقبته أو نقده أو معارضته بالكلمة أو بمجرد التفكير. وأقصى ما يمكن قبوله هو تقديم نصيحة له، هذا مع العلم بأن هذه النصيحة لا تصدر إلاّ من شخص مُرخّص له ذلك، أي من فقيه. فالدائرة كانت إذن مُحكمة الغلق.

إنّ لفظ ” السلطة ” في اللغة العربية، وكذا ” السلطان “، مع أنهما يحيلان على معنى الرئاسة والقيادة، فإنهما يوحيان بالحكم المُطلق والقوة القصوى، وحق اتخاذ كل القرارات، دون تقديم حسابٍ لأيٍّ كان، وبعيدا عن أية محاسبة أو متابعة. فالسلطان يفعل ما يريد، يتصرف في أموال بلده التي تقدّر بالملايير وبالجبال ويودعها في بنوك العالم باسمه. قد يكون في فهم هذه الكلمة عامل مساعد على فهم نفسية ابن علي والقذافي وحسني مبارك وعلي عبد الله صالح والأسد وغيرهم ممّن هيمن على شعبه كما فعل هارون الرشيد أو أي خليفة مستبد. إنّ الملوك في العالم كله فقدوا السلطة منذ زمن بعيد، وما وجودهم إلا تعبير عن احترام لتاريخ البلد، والملوك رموز لذلك التاريخ. أما الحكومات فهي تُنتخب لمدة محددة ومن أجل تطبيق برنامج عمل محدد، ويقوم البرلمان بمراقبة تلك الحكومات مراقبة يومية، كما يلعب الإعلام والرأي العام والعدالة دورا في إعادة الحكومة إلى جادة الحق إذا تجاوزت حدود ما يتيحه لها الدستور.

إنّ عبد الرحمن الكواكبي من المفكرين الاستشرافيين الذين أنجبتهم سوريا في نهاية القرن 19 لأنّ أفكاره تنطبق تماماً على وضعنا الحالي. كان الكواكبي يرى في رجال الدين نوعا من الكهنوت الذي يُغطّي تجاوزات السلطة المستبدة بالدعوة إلى طاعة المستبدين طاعة عمياء، وهذا في مقابل الحصول على سلطة معنوية ذات نفوذ قضائي يشبه نفوذ محاكم التفتيش على المجتمع.

وعندما أصدر أهمَّ وأشهرَ كتبه، وهو كتاب ” طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ” كان العالم العربي تحت السلطة العثمانية. وهو في هذا الكتاب يحاول أن يرسم نمط الحكم الذي يجب أن يتبنّاه المسلمون بعد التحرر من الخلافة العثمانية، وفيه يقول: ” إنّ (هذا الحكم) يجب أن يعكس التمثيل السياسي للأمة، وليس مجرد هيمنة شخص مع حاشيته. والحاكم يجب ألاّ يتصرف حسب هواه في حقوق الأمة المادية والمعنوية، ويجب ألاّ تكون له السيطرة التامّة على أفعال المواطنين وأفكارهم. ويجب أن تُحدَّد مهامه بواسطة الدستور. إن السلطة ليست في يد الحكومة، لكنها متعلّقة بالأمة. وليس على الأمة طاعة الحكومة طاعةً عمياء. الأمة هي التي تقرر المصاريف اللازمة وتحدد مقادير الجباية والموارد. للأمة الحق في مراقبة الحكومة. العدالة يجب أن تكون طبقاً لما يراه القضاة وليس طبقا لما تراه الحكومة. وليس لهذه الأخيرة أن تتدخل في شؤون الدين طالما لم يتمّ المساس بحرمته. ويجب تحديد صلاحيات الموظفين بنصوص واضحة. وتحرير نصوص القوانين يجب أن يكون من مهام جمعية منتخبة من طرف الأمة... ”

وستتّخذ الأحداث مجرى آخر بعد التحرر من ربقة الخلافة العثمانية. يقول الكواكبي في المقارنة بين نظام الحكم في الدول الإسلامية وأنظمة الحكم المتبناة في البلدان الغربية: ” إنّ أحسن ما حققه التطوّر الإنساني هو تلك التنظيمات التي تؤلف دساتير الدول المُنظمة تنظيماً محكماً. فهم لا يرون أن هناك قوة أكبر من قوة القانون. وهم يُسنِدون السلطة التشريعية للأمة التي لا يمكن أن تتفق على ضلالة. كما أنهم يُمكّنون المحاكم من مقاضاة الملك والفقير على قدم المساواة، ويضعون مسؤولي الحكومة المُخوّل لهم تسيير شؤون الأمة في وضعية لا تسمح لهم بتجاوز الحقوق المرتبطة بوظائفهم. وأخيرا فإنهم يمنحون الأمة الحق في حراسة ومراقبة أسلوب تسيير الحكومة “. ولهذا فإن الكواكبي يُحبّذ في ما نشره في الصحافة أن يتمّ الفصل بين الشأن الديني والشأن السياسي، وأن يتساوى الناس بغضّ النظر عن مُعتقدهم، وأن تسود المساواة في الحصول على وظائف عمومية، وأن يتساوى المسلمون وغير المسلمين أمام النظام الجبائي، وأن تستفيد البنات من التعليم، وأن يتمّ الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية… ”

والكواكبي يرى أن مشاكل العالم الإسلامي كلها تعود إلى سبب واحد هو غياب الحرية. ففي كتاب ” أم القرى ” يقول: ” إن مصدر الشرّ كله في نقص الحرية عندنا. وتعني الحرية أن يكون الإنسان مختاراً فيما يفعل وفيما يقول. كما تشمل أيضا حرية التعليم، وإلقاء المحاضرات، والطباعة، والانكباب على البحوث العلمية. وتتولد عن الحرية عدالة شاملة حتى لا يخشى الإنسان طاغية ولا حاكما قاهرا. والحرية تُولّدُ الشعور بالأمن في ممارسة العبادة وتولّد أمنا في النفوس، كما تحمي الكرامة والشرف وتُحافظ على العلم ومنافعه… إن الحرية هي أغلى نعمة عند الإنسان بعد الحياة “.

مات هذا المفكر السوري مقتولا من طرف خديوي مصر بتحريض من السلطان العثماني عبد الحميد. لكن أفكاره التي تبقى سابقة لعصرنا ستُلْهِمُ مُصلحا آخر، وهو مصري اسمه علي عبد الرازق الذي كتب في ظرف حاسم يشبه الظرف الذينعيشه اليوم كتابا صغيرا كان له صدى واسع، كان ذلك سنة 1925، وعنوانه  ” الإسلام و أصول الحكم “.

صارت مصر سنة 1923 مملكة دستورية بعد أن كانت تحت الحماية البريطانية لمدة تقارب نصف قرن. وفي سنة 1924 تمّ إلغاء الخلافة في تركيا، وكان لهذا الحدث أثر عميق في النقاش الحاد الذي ساد النخب في العالم الإسلاميّ. وممّن عارض هذا الإلغاء رئيس ” النهضة ” رشيد رضا، أما علي عبد الرازق فقد باركها محتجاًّ بأنّ ” الخلافة كانت دوما ولا تزال وبالاً على الإسلام والمسلمين، وكانت مصدرا دائما للشر والفساد… فقد عجز كلّ الفقهاء الذين ادّعوا بأن أقوال الإمام أو الخليفة هي بمثابة واجب ديني أن يأتوا بآية قرآنية واحدة ليدعموا بها طرحهم. والحقيقة أنه لو وُجِد في القرآن نصّ واحد في هذا الاتجاه لما تردد الفقهاء في إبرازه وتحليل”.

ولم يكن لجرأة هذا المصلح المصري في معالجة مسألة الخلافة والدولة الإسلامية أيّ نظير. يقول في نفس السياق: ” إننا نرى إذاً أنّ لقب الخليفة وما أحاط بتطبيقه من ظروف كان مِن بين أسباب الخطإ الذي استشرى بين صفوف المسلمين وراحوا يعتقدون أن الخلافة وظيفة دينية ويُسنِدون لمن يتولى الخلافة سلطة ومقاما مساويا لمقام الرسول نفسه. وكان من مصلحة الملوك أن ينشروا مثل هذا الوهم في صفوف الشعب بهدف استعمال الدين كوسيلة للدفاع عن عروشهم ولاضطهاد معارضيهم. وقد اجتهدوا بدون هوادة في هذا الاتجاه إلى درجة أنهم كانوا يُعلّمون الناس أنّ طاعة الحُكّام من طاعة الله وأنّ الثورة ضدّهم هي ثورة ضدّ الله. ولم يكتفوا بهذه النتيجة، بل جعلوا من الملك ممثّلاً لله على الأرض، وهو ظِلُّه على مخلوقاته. وبعد ذلك أُلْحِق نظام الخلافة بالدراسات الدينية ووُضع في نفس المقام مع قواعد الإيمان، ودُرِس عند المسلمين في إطار دراستهم لسلطة الله، ثُمّ دُرِّس في نفس الوقت مع قواعد الإيمان في الإسلام. ذلك هو الجرم الذي ارتكبه الملوك وتلك هي نتيجة هيمنتهم الاستبدادية: فقد أضلّوا المسلمين باسم الدين، وحجبوا الحقيقة عن أعينهم، ومنعوا عنهم نور المعرفة. وباسم الدين كذلك ملكوا المسلمين، وأذلّوهم ومنعوهم من التفكير في مسائل السياسة. أضلّوهم باسم الدين وخلقوا مختلف أنواع العراقيل في طريق النشاط الفكريّ، إلى درجة أنهم منعوا عليهم اكتساب أية مرجعية أخرى خارج الدين، حتى في المسائل ذات الطابع الإداريّ الصّرف. كل ذلك أدى إلى قتل القوى الحيّة في البحث والنشاط الفكريّ في صفوف المسلمين”.

وهكذا تمكّن  ذلك العالم المصري بفضل وعيه وشجاعته من تبيين الأسباب الحقيقية في تأخر المسلمين. وكان هو نفسه فقيها وقاضيا في إحدى المحاكم الشرعية بالقاهرة، ومع ذلك فقد استطاع، وبطرق لا نعلمها، من الانسلاخ عن الثقافة التي تلقّاها في الأزهر وأن يرتفع بعقله إلى مستوى الحلول التي لا يزال العرب لم يحسموا أمرهم في الأخذ بها. وبشجاعته التي تجاوزتْ كلّ تصوُّرٍ ختم علي عبد الرازق كتابه بهذه الدعوة المُلِحّة: ” لا وجود لأي أصلٍ من أصول الدين يمنع المسلمين من منافسة الأمم الأخرى في شتى العلوم الاجتماعية والسياسية. ولا شيء يمنعهم من تحطيم هذا النظام البالي الذي أذلّهم وأنامهم تحت قبضته. لا شيء يمنعهم من بناء دولتهم ونظامهم الحكومي على أساسِ آخِرِ إبداعات العقل الإنسانيّ وعلى أساس الأنظمة التي ثبتت صحتها والتي أجمعت الأمم على أنها هي أحسن الأنظمة “.

تمّت مُتابعة علي عبد الرازق في إحدى المحاكم وحُكِم عليه بتجريده من كل شهاداته ومهامه الجامعية، ثُمّ أُعيد له الاعتبار بعد ربع قرنٍ وعُيِّن وزيرا للأوقاف. لكنه لم يتراجع عن أفكاره أبدا، ولم يندم على ذلك الكتاب الصغير الذي ألّفه والذي يُلخِّصُ مأساة المسلمين في الماضي والحاضر، ويُعد هذا المُصلح، بعد الكواكبي، ممن وقف بجرأة في وجه الاستبداد وندّد به. وقد كتب رسالة لابنه في أواخر حياته، يقول له فيها: ” لا أعتقد أنه يوجد في هذه الحياة رابط أقوى وأدْوم بين الناس كهذا الرابط الذي يظهر بمناسبة التنديد بالاستبداد والإيمان بالله “.

وكان كتابه وراء الحراك الذي أدى إلى ظهور حركة الإخوة المسلمين عامان بعد صدوره، تلك الحركة التي أتت لتمحو ما حققه علي عبد الرازق والكواكبي من تقدّمٍ فكريّ. فلقد توقف التفكير في تحقيق نهضة حديثة باتمّ معنى الحداثة، وصارت المثل العليا الديمقراطية من بين الأفكارالغريبة عن قِيَمِنا”، وبدلا من ذلك ظهرت الدعوة إلى “إخضاع الحداثة للإسلام “. نتمنى أن تكون أفكار هذين المُصْلِحَيْن الرائديْن مصدرا لإلهام الشبيبة التي تتطلّع إلى تحقيق مصالحة بين الإسلام والعالم العربي من جهة وبين المُثُل العليا الديمقراطية من جهة أخرى.

وكان المُسْتبِدّون يجدون في ضعف الرعية وقبولها مصدراً لقوّتهم. كانوا مصابين بجنون العظمة في الوقت الذي كانت فيه الرعية رازحة تحت عقدة النقص. وليس الخوف وحده هو الذي يجعل الرعية خاضعة، بل إن ثقافة الاستبداد المتجذّرة فيها هي السبب الرئيسي في ذلك. كانت الرعية متشبثة بتلك الثقافة تشبّثها بمبدإ من مبادىء العقيدة، ومثال ذلك اعتقادها بأن الخليفة هو ظلّ الله على الأرض، وإيمانها بأمير المؤمنين، وإيمانها بخادم الحرميْن الشريفين، وكذا الرئيس الثوريّ والقائد المُجدِّد…

إنّ الذي ساعد على بقاء الاستبداد كأسلوب حكم مدة طويلة هو كونه وضعاً يؤمن به كلّ من المستبدّ الذي يمارسه والرعية التي ترزح تحت نيره. لكن يبدو أن هذه (الرسالة الجينية) في طريقها إلى الزوال من الميراث الجيني العربيّ الإسلاميّ: فبعد أشهر أو بعد سنوات سيُطوى ذكرها نهائياًّ. والحقيقة أنّ المُستبدّين قد قدّموا خدمة لرعاياهم بالكشف عن قساوتهم وعن تشبثهم بالسّلطة وعن فسادهم، تماماً مثل أنّ الإرهاب قد قدّم خدمة للمسلمين بتنفيرهم من الإسلاموية.

إنّ نموذج الحكم الذي صنّفه مونتيسكيو(Montesquieu) في كتابه (روح القوانين) تحت اسم : ” استبداد المشرق despotisme oriental” هو في طريقه إلى الزوال ومعه بعض الوجوه التي مثّلته أحسن تمثيل. لقد مات هذا النموذج بالفعل في العقل العربي. هذا ما يجب أن يفهمه المستبدون الذين لا يزالون في الحكم كي يُجنِّبوا بلدانَهم دمارا ونارا ودماء مهدورة… إلاّ إذا كانوا عازمين على أن يتركوها وراءهم هباءً منثورا.

سيذكر الناس عندنا في المستقبل آخر المستبدّين كما كان الأمريكان فيما مضى يتحدثون عن ” آخرفرد من قبيلة الموهيكان”Le dernier des Mohicans “. لكنْ، لماذا بدأ المستبدون يتساقطون فجأة الواحد تلو الآخر؟ إنّ السبب هو الاحتباس الحراري: فالأشجار التي كانوا عالقين بها قد تهرّأتْ، والعرب الذين كانوا يحملونها قد نضجوا. وإنّ نهاية الاستبداد في العالم العربي ستكتسي نفس الأهمّيّة وسيكون لها نفس الصدى الذي كان لنهاية الرّق في العالم.

(لوسوار دالجيري 27 مارس 2011)

 

 

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم