الرئيسية 5 الجزائر 5 أبو جرة سلطاني: “الرئاسة مسؤولية ثقيلة محليا ودوليا على الإسلاميين أن لا يقتربوا منها”

أبو جرة سلطاني: “الرئاسة مسؤولية ثقيلة محليا ودوليا على الإسلاميين أن لا يقتربوا منها”

  * ليس من العدل تحميل الرئيس بوتفليقة مسؤولية الوضع الحالي لوحده 

حوار: عبد الوهاب بوكروح

قال الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم أبو جرة سلطاني، إنه كان ينبغي على الدكتور عبد الرزاق مقري، أن يترك مجلس الشورى يصدر قراره، أولا، لاسيما أن حركة مجتمع السلم لُدعت بالانقسام والانشقاق ويخشى أبناؤها أنه إذا نفذ رئيس الحركة تعهده بالاستقالة فإن الحركة سوف تعرف انقساما جديدا.

وأضاف، أبو جرة سلطاني، في حوار مع “الجزائر اليوم”، أنه كان ينبغي على رئيس الحركة أن يكتم هذا الأمـر في صدره وينتظر حتّى يقدم هذا الاستعفاء داخل مجلس الشورى الذي انتخبه رئيسا للحركة منذ أربع سنوات.

 

** ماهي قراءتكم للوضع العام ولنتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة؟

*أبو جرة سلطاني:

بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على رسول، الله.

المشهد العام في الجزائر لم يتغير كثيرا، الانتخابات كسابقاتها، حافظت على نفس ألوانها الفاقعة، وأضافت بعض الألوان الباهتة للديكور العام، فنشأ برلمان فسيفسائي ليس فيه أغلبية ساحقة، ولكن فيه تيار غالب وهو جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، واستكمل ببعض الأحزاب التي لها وجود هيكلي في بنية المجتمع الجزائري، لا سيما المجتمع السياسي . منها : حركة مجتمع السلم ، وتجمع أمل الجزائر، واتحاد جبهة العدالة والنهضة والبناء، ثم الحركة الشعبية، والافافاس والأرسيدي، والعمال..

المتغير الوحيد في اعتقادي هو: الوضع الاقتصادي الضاغط على الجبهة الاجتماعية، وبحث صناع القرار عن توافقات لتشكيل الحكومة سياسية ، لتسيير المرحلة الحرجة بسبب تدهور أسعار النفط ، والتحضير لتوافق بخصوص الانتخابات الرئاسية المقررة في 2019.

 

** نلاحظ أن الوزير الأول الحالي عبد المالك سلال، شرع في استشارة يقال أنها بخصوص الحكومة القادمة، هل ترون ذلك غير منافي للدستور، على اعتبار أن المجلس الدستوري لم يعلن بعد النتائج الرسمية، ولم يكن هناك أيضا تكليف مباشر من الرئيس؟ 

 

*  يجب أن نفرق بين الاستشارات والاتصالات.

فالاتصالات الجارية حاليا هدفها البحث في نقطة واحدة هي: هل أنتم مستعدون للمشاركة في الحكومة المقبلة أم لا ؟؟ لتحرير المناط في مبدأ المشاركة من غيره.

وبعد أن ينطق المجلس الدستوري رسميا بالنتائج ، ويتم تنصيب المجلس الشعبي الوطني، تنتقل الاتصالات إلى مرحلة ثانية هي المشاورات الرسمية حول لون الحكومة والحقائب التي ستمنح لكل تشكيلة سياسية تقبل بمبدأ المشاركة.  فما يقوم به الوزير الأول حاليا هو تكليف من رئيس الجمهورية بالاتصال بالأحزاب الفاعلة ، لتبدي رأيها في شكل الحكومة المقبلة . فالأحزاب التي توافق ـ من حيث المبدأ ـ على المشاركة في تشكيلتها ، سوف تستدعى لجولة ثانية من المشاورات  الرسمية تتناول بالحديث نوعية الحكومة وأطرافها والحقائب المخصصة لكل فصيل بعد تسمية الوزير الأول رسميا.

 

خلال هذه المرحلة التي سميتموها مرحلة اتصالات، تم ملاحظة أن الخبر لم يعلن رسميا من الوزارة الأولى أو الرئاسة، بل كان إعلانه من رئيس حركة مجتمع السلم، لماذا أعلن مقري، وماهو موقفكم من ذلك لكون حديث مقري عن مسألة المشاركة، استبق موقف مجلس شورى الحركة؟

 

الدستور تحدث عن الاستشارة وسكت عن الاتصال ، ولو أن الوزير الأول نشر بيانا عبر وكالة الأنباء الجزائرية ، كما جرت العادة ، يعلن فيه أنه استقبل رؤساء بعض  الأحزاب لكان بيان الوزارة الأولى ترسيما للقاء ونقله من مرحلة الاتصال الأولي إلى مرحلة المشاورات ، وعندئذ تصبح دستورية ، ويصبح لقاء الوزير الأول مع رؤساء الأحزاب إشارة إلى تجديد الثقة في شخصه بقوة الدستور. لكن الحاصل الآن هو تكليف من السيد رئيس الجمهورية، لجسّ نبض الساحة السياسية حول المشاركة في الحكومة مقبلة من عدمها.

أما بخصوص  إعلان السيد رئيس حركة مجتمع السلم عن فحوى اللقاء الذي جمعه بالسيد الوزير الأول ، فاعتقادي أنه يعود إلى سابقه له مع السيد مدير ديوان رئيس الجمهورية أحمد أويحي،  الذي جمعه به لقاء وكان يفترض أن لا يعلن ، لكن الذي حدث هو أن أويحي أعلن عن فحواه في برقية رسمية نشرتها وكالة الأنباء الجزائرية ، فوجدت الحركة نفسها في حرج إعلامي. والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين، فلما خرج من مقابلة الوزير الأول  سارع بإعلان الخبر على حسابه ، يعلن فيه للرأي العام أنه أستقبل من الوزير الأول ، وان اللقاء يتعلق بمشاورات حول الحكومة المقبلة.

 

ولكن لماذا أصر الدكتور مقري على أن الاتصال كان بواسطة، كان يفترض أن الحكومة والوزير الأول يعرف الحركة ورئيسها، وهي ليست في حاجة لواسطة لمخاطبة الحركة ورئيسها؟

 

تم الاتصال بنائبه الأكبر سنّا السيد الهاشمي جعبوب ، وهو وزير سابق في الحكومة ومعروف بعلاقاته الواسعة .  وربما تكون مصالح الرئاسة قد اتصلت برئيس الحركة ولم تتمكن من ربط الاتصال بسبب كثرة تحرّكاته وانشغالاته واجتماعاته وخرجاته الميدانية، فتم ربط الاتصال بالأخ الهاشمي جعبوب الذي أبلغ الرئيس بالأمر. وهي في نظري مسألة تقنية وليس لها أيّ خلفيات.

 

الذي فاجئ الجميع من رأي عام وربما حتى قيادات الحركة، كيف يصدر رئيس الحركة موقفا حتى قبل اجتماع مجلس الشورى، وقرر هو عدم الدخول في الحكومة من طرف واحد، مع أن المعروف أن هكذا قرارات تأخذ على مستوى مجلس الشورى، بل وراح يهدد بالاستقالة في حال قررت الحركة غير ما يرى؟

 

بين رأيه في المشاركة من عدمها وإعلانه الاستقالة حال قرار مجلس الشورى المشاركة فاصلة زمنية مهمة، وجب توضيحها للقراء. فرأي السيد رئيس الحركة في المشاركة معروف ، وقد سارع إلى إخطار الوزير الأول بأنه غير راغب في دخول الحكومة للأسباب الثلاثة التي أعلنها للرأي العام وعلى رأسها التزوير، ولما لاحظ  أن من في الصف يرى الذهاب إلى المشاركة أولى من المقاطعة  دعا مجلس الشورى للقاء استثنائي يوم الجمعة 19 مايو، للفصل في الأمر. ولوّح بالاستقالة حال صدور قراره بالمشاركة وقال إن هذا فعل ديمقراطي غير مسبوق في الجزائر . باعتقادي أرى من حقه أن ينتقل إلى السرعة الثانية ويقول إنه ألتزم أمام الرأي العام بعدم المشاركة في الحكومة بصفته رئيسا للحركة وأن مساره منذ المؤتمر الـأخير هو المعارضة. ولكن كان ينبغي أن يترك المؤسسة تصدر قرارها أولا ثم هو حرّ في تقدير الموقف الذي يراه مناسبا ،  فإذا قرر مجلس الشورى المشاركة فمن حقه رئيس الحركة أن يستقيل أنساجا مع الرؤية التي سطرها منذ المؤتمر الخامس وإذا قرر أن يقاطع الحكومة فلا ضرورة لاستباق الأحداث. لاسيما أن حركة مجتمع السلم لُدعت بالانقسام والانشقاق ويخشى أبناؤها أنه إذا نفذ رئيس الحركة تعهده بالاستقالة فإن الحركة سوف تعرف انقساما جديدا.

كان ينبغي عليه أن يكتم هذا الأمـر في صدره وينتظر حتّى يقدم هذا الاستعفاء داخل مجلس الشورى الذي انتخبه رئيسا للحركة منذ أربع سنوات.

 

ولكن هناك مشكل أخر، وهو حليفكم في التحالف الاندماجي وأعني جبهة التغيير، بمسار الاندماج الذي شرعتم فيه، والذي قد يتعثر بسبب موقف مقري؟

 

العلاقة بين الحركتين ما تزال محصورة في التحالف الانتخابي الذي حصل فيه التحالف على 33 مقعدا قابلة للزيادة أن شاء الله. وعلى هذا الأساس يكون قد حظي بلقاء الوزير الأول بوصيف حليفا لحركة مجتمع السلم، ورئيسا لحركة التغيير. وقال رأيه في تشكيلة الحكومة المقبلة ، فإذا كان يرى أن سقف الوحدة أعلى من الحكومة ومقاصد الوحدة أنبل من الحكومة والوحدة جادة فعلا في الذهاب إلى مؤتمر اندماجي، فأعتقد أن رأيه من رأي حركة مجتمع السلم، وحينما يصدر قرار مجلس الشورى ينسجم معه. أما إذا قدر أن هذه الوحدة هي مجرّد وحدة عاطفية. لا يمكن أن تذهب إلى أبعد من ذلك بتحقيق الوحدة الاندماجية المأمولة، أكيد أنه سيجمع  مجلس الشورى ليقرر في الأمـر المفضي نحو مؤتمر الوحدة الاندماجية المقرر عقده في مايو 2018 .

 

بكل صراحة، ألا ترون بأن المسؤول عن هذا الموقف الصعب هو رئيس حركتم بتصريحات لم تكن مدروسة؟

 

قيادة حركة بحجم حركة مجتمع السلم ليس بالأمـر الهين ، فهناك ضغوطات كثيرة تقع على القيادة ، وسؤالك عن الوحدة بين الحركة وإخواننا في التغيير يشرح هذا الإشكال، فالورقة التي قدمت لمجلس شورى حمس ، كانت خريطة طريق الوحدة الاندماجية التي تبدأ بقيادة مناصفة يتولى بموجبها الأخ عبد المجيد مناصرة قيادة الحركة لمدة 6 أشهر، ابتداء من يوم 19 مايو الجاري. اليوم الكثير من قواعد الحركتين يتساءلون عن سبب تأجل المؤتمر التمهيدي الذي سوف تنبثق عنه حركة واحدة  وقيادة واحدة لمرحلة انتقالية مدتها عام واحد تتوج بمؤتمر جامع للاندماج.

برزنامة زمنيّة دقيقة تمت المصادقة عليها في مجلس شورى الحركتين وتم تثبيت هذه التواريخ ، فالتأجيل سوف يضغط على المواعيد المتزاحمة ، لا سيما أننا على أبواب شهر رمضان والبكالوريا والعطلة الصيفية ، فتغيير الرزنامة الزمنية سيحدث اختلالات في مسار الوحدة التي تم الاتفاق عليها بين الحركتين وسوف يطرح إشكالية قانونية على مستوى وزارة الداخلية . لأن عقد مؤتمرات الأحزاب يتدخل في سيرها طرف أخر هو وزارة الداخلية ، والتوقيت قد يضعك إشكاليات قانونية متعلقة بقانون الأحزاب، ولا سيما أن السقف الأعلى للمؤتمر السادس للحركة هو شهـر مايو 2018، ولا يمكننا أن نذهب إلى أبعد من ذلك إلا أذا كانت هناك قوة قاهـرة.

 

هل تعتقدون في ظل هكذا معطيات، أن تحرك القيادة كانت مغامرة غير محسوبة العواقب؟

 

لا أقول مغامرة ، فالحسابات السياسية في الجزائر لا تستطيع أن تستجمع المعطيات الكلية لبلورة الموقف السليم والخروج بالقرار الصائب ما لم تكن شبكة العلاقات واسعة وممتدة ومتجذرة ولها صلة بصنّاع القرار.. ولذلك لما نتحدث عن مشاركة في الحكومة من عدمها أو عن مؤتمر جامع نحتاج إلى دراسة عميقة في المتغيّرات الجيو-سياسية على مستوى الوطن وفي المحيطين الإقليمي والدولي ، فنحن لسنا في جزيرة معزولة وحركتنا تتحرّك تحت رقابة واسعة لأطراف كثيرة في الداخل والخارج . أي أنها معادلة من ثلاثة مجاهيل.

 

ماهو الطريق للخروج من هذا الوضع، وهل تدخلتم بصفتهم رئيس الحركة السابق؟

 

الأولوية الآن هي تثبت المقاعد التي تحصل عليها التحالف. ثم نمر إلى إشكالية ثانية وهي قرار مجلسيْ شورى الحركتين في عرض المشاركة في الحكومة من عدمها، ثم مسعى الوحدة الاندماجية بين حمس والتغيير. فإذا وضع مجلسا شورى  الحركتين الخارطة السياسية وحدّدا الرزنامة وشرعا في إمضاء المتفق عليه ، واجبي  أن أسعى لتذليل بعض الصعاب على مستوى الحركتين وعلى مستوى الجهات الرسميّة وخاصة أن بعض النقاط تحتاج إلى جهد لضمان نجاح المؤتمر الجامع ، لاسيما أنه لم يحدث في تاريخ الجزائر أن أعيد إدماج حركتين كانتا قد انشقتا وشكلتا حزبين. فالاندماج صعب ولكنه ليس مستحيلا. ورأيي أن الوحدة الاندماجية لا يجب أن تتوقف على حركتي مجتمع السلم وجبهة التغيير.

 

هل تقصد أنه حان وقت الوحدة بين جميع أبناء الحركة؟

لا.. ليس جميع أبناء الحركة فحسب ، بل بين أبناء التيار ذي المرجعية الإسلاميّة ،  فتقديري الخاص ومعرفتي بأنباء التيار الإسلامي في الجزائر، أن منهجنا ورؤيتنا وتوجهنا وخطابنا وخطنا.. فيه كثير من ” الجوامع المشتركة” ، أذكر على وجه التحديد حركة مجتمع السلم وحركة التغيير وحركة البناء وحركة النهضة. هذا الرباعي بتقديري يمكن أن يجتمع في رؤية سياسية واحدة وينظم مؤتمرا سياسيا جامعا من غير إقصاء بقيّة الحساسيات الأخرى إذا أرادوا الوحدة إذا أرادوا فنحن مستعدون.

 

بمن فيهم الشيخ جاب الله؟

نعم بمن فيهم الشيخ جاب الله. إذا قدر أن الوحدة الاندماجية بين هذه الحركات الخمس أمر واقعي، فأذرعنا مفتوحة للجميع وصدورنا منشرحة للقاء إخواننا في مدرسة تاريخيّة واسعة. لكن ينبغي أن نقدم عربون ثقة بتقديم قوائم موحدة في الانتخابات المحلية القادمة، وأن تجتمع قيادات هذه الأحزاب من اليوم ومجالس الشورى في هذه الحركات لتتدارس الوضع العام  وفي ضوء التطورات الحاصلة ترسم رؤية للمستقبل ، وستكون المحليات المقبلة فرصة للوحدة وعربون ثقة قويّا لدى الرأي العام. فبدل الدخول بخمسة قوائم ندخل بقائمة واحدة نعطي للمواطنين فرصة لأن يختاروا من أبناء التيار الإسلامي من يرونهم أهلا لتسيير البلدية.  فذلك يسهل علينا الوصول إلى العتبة على المستوى الوطني، أفضل من تشتت الأصوات وفي الأخير نجد أنفسنا خارج اللعبة السياسية برمتها.

 

ولكن هل التيار الإسلامي الذي يعاني من مشكل الزعامات، وصل اليوم إلى النضج لقبول هذا الوحدة الاندماجية؟

رؤساء الأحزاب الإسلامية في الجزائر كلهم تقريبا تجاوزا الستين. وجربوا الكثير واستوعبوا دروس الماضي.. وباعتقادي هذا السن أنضجهم سياسيا واجتماعيا وحضاريا أيضا، وقد لمست في اتصالاتي بهم جميعا أن أكثرهم صار زاهدا في القيادة ،ويرى نفسه بحاجة إلى تقدير يطمأن به على حركته فلا تتبدد ولا تتشتت . فالحرص الذي كان قبل 10 سنوات تلاشى بفعل التقدم في السن والصراع حول القيادة والقائد الأعلى، كلها خفتت أضواؤها لدى جميع قيادات الجيل الأول ، وهذه ورقة ايجابية إذا تم استثمارها بحفظ مقامات هؤلاء الرجال الذين ضحوا كثير.. فرجل بقامة الشيخ عبد الله جاب الله يستحق كل الشكـر والتقدير، ورجل بقامة الشيخ مصطفى بلمهدي له مثل ذلك من الاحترام والتبجيل، ورجل بتضحيات الأخ محمد دويبي، ينبغي أن يحترم، ورجل بكاريزما الدكتور مقري ينبغي أن يحترم .. وحينما يلمس هؤلاء الأخوة الأفاضل بأن قواعدهم تحترمهم وتشكرهم وتبجلهم وتعترف لهم بفضلهم، باعتقادي سوف تتيسـر جهود الوحدة وتعقد مؤتمرات داخلية لكل حزب يتم خلالها تسليم الأمانات للجيل الثاني وهذه مسألة أساسية، لأـن الجيل الثاني سليم من سخائم الخلافات التاريخيّة فلا نزاعات ولا خصومات ولا صراعات.

 

وهذا الذي أريد سؤالكم عنه، ما هي رؤيتكم للجيل الثاني من الحركة الإسلامية في الجزائر، مقارنة مع جيلكم أو الرعيل الأول كما يسمى؟

الجيل الأول حصلت في زمانه صراعات وانقسامات وانشقاقات.. نجمت عنها بعض الأحقاد والتنافس حول قضايا فكرية وإيديولوجية وحول مناصب أيضا. وبسبب هذه الخصومات السياسية تراكم جليد بارد على قلوب بعض القيادات وتباعد بينهم الزمن وصار تذويبه واجب وقت، ونقل القيادة إلى الجيل الثاني مسألة حيوية لأنقاض مشروع كبير تنازعته الأنانيات إلى جيل نظيف لم يتلوث بالصراعات ، جيل له طموح أعلى ويمتلك نفسا طويلا .  جيل متحمّس للوحدة وقد تتجمع على يديه القلوب ، على أساس أن الحسابات في رصيده صفــر ، فليس له أي تراكمات من النزاع والتدافع وغير ذلك. هو ورقة بيضاء .. هذه الورقة البيضاء مهم أن تبدأ عليها الكتابة برؤية جديدة وبتصور جديد يخرج الحركة الإسلامية من مأزقين:

ـ مأزق الجماعة والحزب. هل نحن جماعة أو حزب سياسي. وهذه نقطة جوهرية في النقاش وفي المراجعات وفي بلورة رؤية جديدة للعمل السياسي. وهي نقلة نوعية في المرجعات الكبرى التي يجب أن تحصل.

ـ ومأزق العلاقة بين السياسي والدعوي. هل نحن دعوة أم حركة سياسية. فالدعوة لا تقبل إلا من تم تمريره على عدة مصافي لـ20 سنة في المحاضن التربوية، بينما الحزب السياسي يهتم بالكفاءات. ويستبعد نوعين من المناضلين. مناضل مجروح في تاريخه، ومناضل مجروح في سيرته الشخصية. أما دون ذلك فيدمج في هياكل الاحزاب بصرف النظر عن المدة الزمنية التي كان فيها مناضلا، هذا هو الحزب.

أما الدعوة فغرابيلها كثيرة ، والزمـن المتسارع لم يعد يصبر على تمرير المناضلين على مصافي العمل التربوي. فكثير من الناس ينفضّون عن الحركة الإسلامية بسبب صرامة شروط الإنخراط في صفوفها ، ويقولون: هذه حركة مغلقة وحركة كهفية تعيش في كهفها التاريخي التقليدي القديم بينما المجتمع يتغير ويتحرك بسرعة الضوء.

 

بحكم تجربتكم الطويلة وتعاملكم مع النظام الجزائري، هل تعتقدون بأن النظام سيسمح بوحدة الحركة الإسلامية، لأن نفس النظام هو الذي كان عاملا من عوامل التفرقة التي حصلت؟ 

النظام الجزائري يفرق بين مصطلحين هامين. مصطلح وحدة التيار، ومصطلح الاصطفاف خلف زعامة.

 

ماهو الفرق؟

وحدة التيار مقبولة عنده، توحّدوا في البلديات مرحبا بكم، توحدوا في المجالس الشعبية الولائية، توحدوا في البرلمان، مرحبا بكم ، مرحبا بكم، شاركوا في الحكومة مرحبا بكم. لكن لا تصطفوا وراء شخص واحد في الاستحقاق الرئاسي.

 

 ولكن هذا كلام خطير؟

رئاسة الجمهورية مسؤولية ثقيلة محليا وإقليميا ودوليا. والاقتراب منها بعزيمة النجاح له مؤشر خطير رأينا تداعياته في مصر، لا سيما أن الأسرة الدولية اليوم أدارت ظهرها للديمقراطية في العالم، وصارت تعمل بمنطق براغماتي هدفه الوحيد المحافظة على كينونته كل دولة داخل إقليمها. فرنسا للفرنسيين، وفرنسا أولا، وبريطانيا للانجليز، وبريطانيا أولا، وأمريكا للأمريكيين وأمريكا أولا. وألمانيا للألمانيين وألمانيا أولا.. الخ . بل انتقلت العدوى إلى عالمنا الثالث ، فمصر للمصريين ومصـر أولا، وتونس أولا والمغرب أولا والجزائر أولا..

إذا تنكرت الأنظمة الديمقراطية للحريات ولعقيدتها في الدفاع عن الديمقراطية وهي التي كانت تدافع عنها وتسعى لفرضها بالقوة في عهد جورج دابليو بوش، وكونداليزا رايس، عربة الديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فما هو حال العالم اليوم وهو يسمع أنّ عرّابي الديمقراطية  دخلوا العراق للقضاء على صدام حسين فقط وليس لنشر الديمقراطية. هذا كلام صادر عن مسئول الدبلوماسية الأمريكية ، لا بد أن نستخلص منه درسا مـرّا  لا يسمح بالوحدة سوى في حدها الأدنى، من البلدية إلى المجلس الولائي إلى البرلمان إلى الحكومة، لكن الاصطفاف من اجل تمرير رئيس دولة منكم إلى سدة الحكم فتهديد لمصالح إقليمية في بلدانكم، وسابقة خطيرة تغري أقطارا أخرى بالاصطفاف في هذا الاتجاه . وما التجربة المصريّة عنكم ببعيد .

 

ولكن هناك من يقول أن كلامك صحيح ومنطقي، ولكن لماذا لسنا مثل الأتراك ولماذا مثل اردوغان؟ 

التجربة التركية كالتجربة الماليزية ليستا محسوبتين على العالم الثالث ولا على العالم العربي ولا على العالم الإسلامي. فتركيا منذ سنة 1924 صارت قطعة من أوروبا والإسلام فيها هو وجود ديني في دولة علمانية ، وهذا ما قالها رجب طيب أردوغان. “أنا رئيس مسلم لدولة علمانية. وأنا أحترم العلمانية واحترم الاتاتوركية”. ثم أن علاقات تركيا مع إسرائيل لم تنقطع وكذلك مع الناتو، تركيا في نظر العالم كله دولة أوروبية وعضو في الناتو.

إذا القياس على تركيا قياس فاسد من جهتين. من جهة أن تركيا لا ينظر إليها على أنها عمق للعالم الإسلامي. ولا للعالم الثالث.  وهذا ما ساهم في انتقال أردوغان من رئيس بلدية إلى رئيس جمهورية. ثم هناك عامل ثاني وهو عدم احتساب تركيا في مجموعة العالم العربي ،  العقلية التركية عقلية أوروبية ، فلو تسأل تركيّا عن التزوير الانتخابي مثلا ،  لا يعرفه . ففي زمن البروفسور نجم الدين أربكان أوصلته الانتخابات إلى سدة الحكم، ثم انقلب عليه الجيش ليمنعه من تجربة نجاح، ولم يزور عيه نتائج الانتخابات. ترك له طريق الحريّة مفتوحا ثم لما يصوت عليه الشعب ويصل إلى منصب نائب رئيس الجمهورية يمنع بالقوة من المؤسسة العسكرية ويزج به السجن. لهذه الأسباب نرى أن القياس على التجربة التركية والتجربة الماليزية قياس فاسد لأسباب تاريخية وثقافية .

بعض الماسكين بزمام الحكم في الجزائر يعتقدون أن الجزائر جزائرهم ، وثرواتها أملاكهم ، فهم التاريخ والجغرافيا واللغة والوطن والشعب.. وهي ثقافة  تراكمت عبر 55 سنة منذ الاستقلال، حتى أن الجيل الثاني الذي جاء من بعد الذين حرروا الجزائر، ورث هذه الثقافة.  ففي مفهومهم أن من يريد خدمة الجزائر يضع نفسه تحت نصرفهم بوطنيته وإسلامه وديمقراطيته وعلمانيته..، تعالى لتركب معنا في المركبة التي نركبها نحن جميعا، ولكن احذر أن تفكر في قيادتها أو تحويل وجهتها أو تغيير الطاقم المشرف على رحلتها. فالربان قد يموت قد يتغير قد يوتى بجديد أو يجدد له ، قد يصبح مسافـرا عاديا.. لكن المركبة سوف تبقى مصانة ولابد على كل من يصل إليها أن يحافظ على كينونتها الكبرى التي استلمناها أمانة من  الشهداء.

هذه الثقافة لن تتغيّـرفي سنوات قليلة مقبلة، لأنها تحولت من ثقافة تاريخّية إلى إرث سياسي. أسأل مناضلا شابا في جبهة التحرير الوطني عمره 20 سنة مثلا، سوف يكلمك بهذه اللغة ومن هذا القاموس. وقد سمعنا الأمين العام لجبهة التحرير الوطني وهو يتحدث عن البقاء في الحكم لـ100 سنة قادمة.

ولكن هل الناحية السياسية وحتى الأخلاقية مقبول هذا الكلام في العام 2017، وخاصة أن البلاد تمر بظروف اقتصادية غاية في الخطورة، فهل تستطيع هذه الباخرة في السير بدون مطبات؟

الجواب جاهز: يقولون لك الباخرة التي دخلت في عباب من الدم وأمواج من النار واستطاعت أن تعبر هذا الخضخاض بين 1992 و2012. قادرة أن تواصل رحلتها بسلام، لن يخيفها اليوم تراجع أسعار النفط، ولن تخيفنا احتجاجات الجبهة الاجتماعية ولا تجمع المعارضة ..

 

 ولكن قد يقول قائل أن النظام العالمي في تسعينات القرن الماضي لم يكن يبحث عن العودة لاحتلال الدول كما هو يفعل اليوم مع العراق وسوريا وليبيا وحتى اليمن وغيرها؟  

الناتو لم يدخل ليبيا، بل أدخل إليها ، فقد تم استدعاؤه فاستجاب، وأمريكا بالتحالف مع الـ33 دولة لم تدخل العراق استدعيت فاستجابت. دعني أقول لك : إن الجزائريين قد يختلفون في كل شيء وحول كل شيء، ولكنهم يتفقون حول مسألة أساسية وجوهرية ، وهي أن مشاكلنا داخلية يجب أن تتم تصفيتها داخليا فيما بيننا. حتى قال قائلهم: ” لنا إرهابنا ولكم إرهابكم، فاهتموا أنتم بإرهابكم ودعونا نعالج إرهابنا.”

سوف نختلف، سوف نفترق وسوف نتنازع ، سوف تتصدع الجبهة الاجتماعية أكثر وتتدهور القدرة الشرائية أكثر.. ولكن ثقـوا ثقة تامة أن الشعب الجزائري إذا شعر بأنه مهدد في وحدته وكينونته وهويته وثوابته وحدوده الإقليميّة سوف يقف ضد كل تدخل أجنبي ، ويحارب كل محرض ومغامـر ومقامـر. وقد رأينا ذلك بأعيننا خلال المأساة الوطنيّة . فالشعب الجزائري بمقدار ما هو صبور ومتحمل لكل الأرزاء والنكبات ، إلا أنه في اللحظة الحاسمة يتذكر أنه حرر وطنه بمليون ونصف مليون  شهيد وبـ6.5 مليون من الشهداء منذ 1830 و1962، ويستحيل أن تذهب دماء الشهداء سدى. فالشعب يتحمل الفقر والجوع وبعض الظلم ولكنه لا يتحمل استعمارا جديدا تحت أي ذريعة . أعجبني ما قاله بعض رواد الفايسبوك خلال أحداث بجاية الأخيرة ، قالوا : “إذا كنت تريد حرق وطنك، فبع وطنك لتعيش في مخيمات اللاجئين وسوف يأتيك الخبز من مساعدات الصليب الأحمر” ، فانطفأت كل النيران. الشعب الجزائري تم تطعيمه مرتين الأولى في العام 1988 والثانية في عام 1992، وهو اليوم لا يحتاج إلى من يذكره بإعادة التلقيح مرة ثالثة مهما تصدعت الجبهة الاجتماعية. ثق أنه سوق تحدث الكثير من الارتجاجات والصدوع الاجتماعية ، لكنها لن تصل إلى حد التضحية باستقرار الوطن ووحدته وبمكتسبات الثورة ومكتسبات الاستقلال.

 

وهل هذه الثقة أستمديتها من دخولك إلى الحكومة وقربك من النظام، أم من مسرتك داخل الحركة الإسلامية، أم هي قراءة للمعطى الإقليمية والدولي؟ 

أتحدث مع كل أطياف الشعب الجزائري، من الطبقة المثقفة جدا إلى المواطن العادي، أتحدث مع الخبراء والمحللين، ومع شيوخ ليس لهم في رصيدهم سوى السنوات التي يحملونها على ظهورهم من قبل الثورة إلى اليوم وأتحدث مع الطلبة. تجد الجميع ينبسط معك في كل شيء، فإذا وصل الأمر إلى الحديث عن تغيير النظام يطرحون عليك سؤالا واحدا بصيغ مختلفة : كيف ستغيرون النظام ؟ وبأي وسيلة؟. إذا قلت بالديمقراطية يقولون مرحبا، إذا قلت بالعلم يقولون مرحبا، وإذا قلت بالدين والخطب، يقولون أيضا مرحبا، إذا قلت بالتنمية الاقتصادية، يقولون أيضا أهلا وسهلا ، أما إذا قلت بالمسيرات والحشود الشعبيّة يقولون لك : توقف هنا.. لقد رأيناها من قبل. ولها شواهد عند جيراننا . أنا لا أخوف الناس، بل أنقل واقعا فيه اجماع ليس له من الشذوذ سوى من لهم تصفيات حساب مع بعض المفسدين.  معظم الجزائريين يتحدثون عن مخطط( أ ) فقط أما مخطط (ب)، فغير وارد بالنسبة إليهم.

 

 

 

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم