أجواء الثورة

بقلم:نور الدين بوكروح

ترجمة :عبد الحميد بن حسان

 

سيأتي يومٌ ليتساءل فيه التاريخ، ويتساءل علم النفس وعلم الاجتماع، عن العلاقة بين ما فعله البوعزيزي في تونس والانفتاح الباهر للعقل العربي على الفكرة الديمقراطية. وإذا كان لا بد من الاكتفاء بصيغة مُقتضبة لهذه العلاقة، فيمكن أنْ نقول إنّ الأثر الذي أحدثه البوعزيزي في التونسيين هو نفس الأثر الذي انتقل من التونسيين إلى المصريين. إنه هذه الشحنة العصبية التي انتقلتْ مِنْ فردٍ إلى شعبٍ بكامله، ثمّ انتقل من بلدٍ إلى بلدان أخرى. فعندما أشعل البوعزيزي النار في جسده أوقد النار في الذات التونسية وارتفع بقلبها إلى أعلى الدرجات التي يتطهّر فيها الكائن البشري من الخوف: فلا مكان للخوف من الضرب، ولا من السجن، ولا من الموت. وانطلاقا من هذه اللحظة فإنّ التونسيين لم يعودوا كما كانوا. لم يعودوا قادرين حتى على التعرّف على أنفسهم، وغيرهم لم يعودوا قادرين على التعرّف عليهم.

إنّ البوعزيزي لم يُحرّرْ شعباً، لقد حرّر حالة نفسية مشتركة في حظيرة ثقافية محدّدة. والمؤكّد أنه لم يُخطط لأيّ شيء، فالسياسة هي آخر اهتماماته، وكذلك التاريخ. وأقصى ما كان يُفكّر فيه هو رغيف يومه، وأنْ يستبدل عربته الجوّالة بسيارة كي يخفّف من معاناته في عمله ويُحسّن من مداخيل أسرته. لكن فعلته العظيمة فجّرتْ موجة تنديد امتدتْ إلى مدينته الصغيرة، ثُمّ إلى المدن الكبرى، ثمّ إلى العاصمة التي ظهرتْ فيها بشكل سحابة غضب عارمة. وإذا كانت الوحدة العربية لا وجود لها من الناحية السياسية، فهي موجودة من الناحية الذهنية. وهذا ما أثبته انتحار البوعزيزي. فإنّ كيان العرب العميق قد صُدِمَ بما رآه في تونس، وهذا ما يُفسِّر ظاهرة العدوى التي بهرتْ العالم. كان في رأس كلّ متظاهر تونسي بوعزيزيّ، وكان في رأس كلّ متظاهر مصريٍّ مواطنٌ تونسيٌّ، وفي رأس كل متظاهر يمنيّ مواطن تونسي ومواطن مصريّ، وهكذا دواليك.

إنّ الثورة الديمقراطية هي ثورة ثقافية في المقام الأول لأنها وقّعتْ على نهاية نموذج لم يعدْ مُسايراً للعالم الحديث. وليس الذي حدث مجرّد تغيير سياسي بسيط، لكنه تغيير جذريّ، إنها القطيعة الإبستيمولوجية. فبما أنّ الاستبداد هو نتاج ثقافة، فإن إعادة النظر فيه هي إعادة نظر في نظرة إلى العالم لم تعُدْ قادرة على الثبات والبقاء بدخول الألفية الثالثة بعد أن استمرّت مقاومتها طيلة قرون من الزمن. وإنّ الذي كان يمنع العالم العربي من التطلّع إلى الديمقراطية هو نظرته القديمة إلى الدين، وإلى المجتمع، وإلى الرجل، وإلى المرأة، وإلى السياسة. كان العالم العربي يعيش في محيط ذهني يأخذ فيه الاستبداد مكانا طبيعياًّ. وثقافة« ألف ليلة وليلة »حاضرة في بلاد المشرق ومتجذرة في عقول الناس وفي عقول المستبدين على السّواء. وليس هناك استبداد أفظع من الذي يُمارس باسم القداسة التي تتمثل عندنا في: الإسلام، والتقاليد، أو ثورة نوفمبر 1954. فقد أرست السلطة عندنا استبدادها على الاستحواذ على الثورة وعلى الإسلاموية، وهي غريمها الرئيسي، وعلى الاستحواذ على الإسلام لكي تبرر الهيمنة التي كانت تخطط لها.

هناك شعوب أخرى استنكرت ما حدث في سيدي بوزيد، لكن المستبدين لم ينتبْهم أي شعور بالاستنكار لأنهم غير معنيين بهذه المشاعر. إنهم يعيشون في عالم آخر يشبه بوتقة مغلقة، ولهذا فإنّ موجة الاستنكار لم يكن من الممكن أن تصل إليهم. والحياة في بلدانهم تدور حول أشخاصهم هم: فالحاشية تُغدقُ عليهم بالإطراء والتأليه. والتزلّف المكشوف، إضافة إلى الخنوع التام، يوهمان للمستبدّين أنهم مهديون مُنتظرون، وأنهم مفخرة شعوبهم، ومُحرِّروها، وقادتها، وآباؤها الذين يُطْعِمونها. وهذا هو مصدر سوء فهمهم لما يحدث، وهذا ما يُفسّر اندهاشهم لرؤية شعوبهم وهي تتمرّد عليهم. ألمْ يكُنْ هذا يظهر جلياًّ على شاوسيسكو(Ceausescu) وزوجته قبل إعدامهما؟

كان شعور المواطنة في حضن اللاوعي العربي منذ سنين. وكانت عملية التنامي تعتمل في أعماق كل فرد. وقد تمّ سَجن أولئك الذين تشكّل عندهم هذا الشعور في وقت مبكّر، ومِنْهم مَنْ نُفِيَ أو قُتِل. وكانت أشياء كثيرة تتغيّر في العالم. وجاءت الشبكة العنكبوتية لتُوفّر لـ ” كمشات الأفراد ” التي وُصِفت بها الشعوب، مصادر غير محدودة للمعلومات، ووفّرتْ لهم منتديات للنقاش وفضاءات للقاء أكثر سعةً من المقاهي أو القاعات أو الساحات العمومية. كما جاءت ويكيليكس (Wikileaks) لتُضيف طعما جديدا بكشفها عن معلومات مُدْهشة. كان عدد الذين يتقاسمون نفس الانشغالات يُعدون بالعشرات، ثمّ صاروا يُعدّون بالمئات، ثم بالآلاف. وتلاحمت الأفكار، وتجمّعت ” كمشات الأفراد ” وتوالت القطرات حتى امتلأ الإناء. وكانت العبوة الناسفة جاهزة، ولم يكن ينقصها سوى فتيل التفجير، لكن لا أحد كان بيده هذا الفتيل. كان لا بد من أحد احتماليْن: فإما أن يتدخّل القدر، وإما أن يأتي الحظ لينْجِز أمرا كان مفعولاً. وأخيرا كانت ضربة جناح فراشة من بلاد أبي القاسم الشابي هي التي حرّرَتْ الطاقة النّووية التي كانت قابعة في ” كمشة الأفراد “.

إنّ فكرة إمكانية تولّي ابن الرئيس لرئاسة بلدٍ ما ليست صادمة في حدّ ذاتها، لكن الطريقة التي يتولاها بها هي التي يمكن أن تكون محلّ خلاف. فقد تولّى بوش الابن الرئاسة بعد أبيه دون أنْ يجد أحد في الأمر غرابةً في أكثر البلدان حريةً لأنّ الابن تمّ اقتراحُهُ من طرف الحزب الجمهوريّ بعد انتخابات أوّلية، ثمّ اختاره الأمريكيون بمحض إرادتهم لعهدتيْن. لكن ماذا سيحدث لو أنّ رئيساً أمريكياًّ أو فرنسياًّ قام بتعيين ابنه في البيت الأبيض أو قصر الإليزي بدون انتخابات أو بانتخابات مُزوّرة؟ لندعْ هذا التساؤل جانبا لأنّ احتمال حدوث ذلك يتجاوز حدود الخيال.

وفي الأرجنتين تداول على الرئاسة زوج وزوجته دون أن يشعر أحد بالامتعاض لأنّ الشعب هو الذي أراد ذلك. وفي الهند تداولت على رئاسة الحكومة أمّ وابنها دون أن يظهر في ذلك أيّ تعدٍّ على الديمقراطية لأنّ الشعب هو الذي عبّر عن إرادته بالانتخاب في كلتا الحالتين. وفي لبنان كان التداول على الرئاسة بين أخويْن، لكن بنفس الطريقة. لكن كاست (Castro) منح السلطة لأخيه مباشرة، وكيم إل سونغ (Kim Il Song)لابنه كيم إل يونغ، كما قام هذا الأخير في السنة الماضية بتقديم خلفه للشعب الكوريّ، ويتعلّق الأمر بابنه طبعاً. أما حافظ الأسد فقد عيّن ابنه ليخلفه، وكان لا بد من تعديل الدستور قسراً لأنه لم يبلغ من السنّ ما ينصّ عليه الدستور السابق. وفي كل هذه الأمثلة لم تكن هناك انتخابات ديمقراطية.

وهكذا تحرّكت السحابة التي تشكّلتْ في سماء تونس، ومرّت على ليبيا مرورا سريعا لتستقرّ في سماء القاهرة حيث وصلت الموجة الارتدادية إلى ” أم الدنيا”. ذلك أنّ بعض المئات من النفوس الحساسة في بلد الفراعنة تأثرت للصور التي جاءتها من بلد حنبعل(Hannibal). وسرعان ما خرجت تلك المئات الأولى إلى الشارع لتتبعها مئات أخرى، ثُمّ جاء آلاف من الرجال والنّساء، من الأقباط والمسلمين، ومن المناضلين وغير المناضلين، ليلتحقوا بهم وليتحوّل المشهد إلى كتلة بشرية عجيبة.

لم يعُد للتردد والخوف اللذين يقبعان في سرائر الأفراد مكان في وسط الجموع المحتشدة، فقد تكوّنت من تلك الجموع شجاعة جماعية. الجميع تخلّى عن برنامجه الشخصي، والتزاماته، ومصالحه الشخصية. فالانجرار وراء الأحداث هو الذي أوجد الشحنة الضرورية من غياب الوعي. الكلّ يلتحم بغيره ويتضامن معه بعيدا عن الخجل والتردد. انطلقت المسيرات التي لا تقف أمامها أية قوة. لقد اكتسب كل واحد شجاعة خارقة وكافية لمواجهة قوات الأمن، ولم يَعُدْ يُعير انتباها للضرب. بدأ مشهد الضحايا الأولى وهي تسقط برصاص الطغيان ليتولّد الاستعداد للاستشهاد. لم يَعُدْ هناك خوفٌ من العصيّ، ولا من الغازات المُسيلة للدموع، ولا من الرصاص الحيّ. المتظاهرون يجددون الموعد في الغد، وموعدهم ” ساحة التحرير “، أو أمام مكتبة الإسكندرية الكبيرة، أو في مدن أخرى من الدلتا. ويقضي المتظاهرون ليلتهم الأولى خارج بيوتهم، ثمّ الليلة الثانية، ثمّ ليالٍ وليالٍ.

إنّ ما نراه اليوم هو ما كان مِنْ فرعون الطاغية عندما استنكر ظهور الزندقة في شعبه. ونظرا لعجزه عن رؤية دينه يُداس ويُخترق، راح فرعون يُسلّط عذابه على شعبه مثلما فعل مينبتا (Menopteh) أحد أجداده البعيدين، وهو ابن رمسيس الثاني (Ramses II) وخليفته، عندما وقف ضد عقيدة التوحيد التي جاء بها النبي موسى. وقد أثبت المؤرّخون أن مينبتا هو الفرعون الذي ناوأهُ النبي موسى، وقد عُثِر على موميائه كاملة في نهاية ق19 في مقبرة تيبز، ليكون التطابق مع الآية القرآنية التي ذكرت ذلك في قوله تعالى: ” فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ” ) يونس 92(

إنّ الشعوب عندما تنتفض فإنها لا تُفكّر، بل تنتقم. فالبطون تتضوّر من الجوع والنفوس تصبو إلى الحرّيّة. والناس عندما يقررون الاتّباع فإن ذلك ليس من أجل الاتّباع. إنهم يعرفون أنهم يُجازفون بحياتهم، وأنهم قد يقضون بقية أيامهم معطوبين، وقد يتعرّضون للسجن والتعذيب. فالمسألة ليست لعبة اتّباع وتقليد. الشعوب يُساند بعضُها البعض كما يُناصر المُحبّون فريقهم في مقابلة مصيرية. وفي الملعب تلتهب العقول وتدخل في شبه رقصة صوفية، بحيث يصبح المُتفرّج غير ذلك الذي أتى منذ حين إلى الملعب ليشتري تذكرة دخوله. يدخل إلى المدرّجات سالما مُعافى في عقله ليُتابع مجريات المقابلة، لكنه يكاد يفقد عقله عندما يبدأ اللعب. إنّ الأنا تذوب في الأجواء المكهربة وفي أجواء الغليان العام، لتتحوّل إلى ذرّة ملتحمة بالذرات الأخرى أو قطرة تُضاف إلى القطرات الأخرى كي تتكوّن البِرْكة. فسلوك الفرد يتغيّر إذا كان في وسط جماعة، ذلك أنه عندما يكون بمفرده يتصرّف بعقله الخاص، أما في الجماعة فإن عقله يفقد السيطرة ويترك المبادرة للدافع الجماعي الذي يؤدي بالفرد إلى القيام بأشياء ما كان ليقوم بها لو كان بمفرده. إنه يصير قادرا على فعل أي شيء. فلو أنّ العرب أُخِذوا فُرادى لما كان أيٌّ منهم ليستجيب لملمح المتظاهر الذي يتحدى المستبدّ. وهذا ليس من الجبن في شيء، ذلك أنّ الإنسان بطبعه لا يكون شيئا إلاّ في وسط القطيع، ولا يقوم بعظائم الأشياء إلاّ بالشراكة مع بني جنسه. وإذا ما عاد الفرد إلى وحدته عندما يخرج من الملعب في آخر المقابلة أو عندما تنتهي المظاهرة، فإنه يصير ” عادياً “. فلا أحد، إلى اليوم، يعرف لماذا حدثت مظاهرات ماي 68 في فرنسا.

قطعت تلك السحابة التي تشكّلتْ في تونس البحر الأحمر واستقرت في سماء صنعاء حيث بدأ ينتشر فكر جديد ومُحفّز، وحيث صار الناس يُحِسون بفداحة العار الذي سيلحقهم إن لم يتحرّكوا بعد أن تحرك التونسيون والمصريون: أتريدون أن يقال إنّ في تونس ومصر مستبدَّيْن بإزائهما شعبان من الرجال، أمّا عندنا فهناك مستبد، ولا رجال؟ أحسن لنا أن نموت رجالاً مِنْ أن نحيا حياة العبيد !

تلك هي الدوافع التي بدأت تتحرك بها الأشياء. وإنّ غريزة التجمّع فكرة مبثوثة في الجماهير، وهي مثل حقنة الأدرينالين. والفرد في هذه الأجواء ينسى من يكون هو، إذ يضع أناه جانبا، ويحسّ بالأمن في وسط الجماعة. إنه بصدد اكتشاف معجزة الفعل الجماعي الذي به رُفعت سيارات إلى الأعلى مثل اللعب، واختُرِقتْ حواجز كانت في السابق منيعة. صار الآن يقتسم رغيفه مع الجماعة ولا يشرب إلاّ من الإناء الذي يشرب منه الجميع، صار مُحِباًّ لغيره، ميالاً إلى الذوبان في الإحساس الجميل بالـ (نحن). بلغ عدد المتظاهرين في بعض الأيام عشرة ملايين متظاهر يمني في مختلف مدن اليمن. فكم عدد الأصوات التي انتُخِب بها علي عبد الله صالح آخر مرة، بزيادة الأصوات المزوّرة؟ في أندونيسيا، لم يرحل سوهرتو(Soharto) سنة 1998 إلاّ على أشلاء 500 قتيل. لكن عدد الضحايا لم يصل إلى هذا الحدّ في اليمن وتونس.

وفي طريق العودة من اليمن بدأت السحابة تتثاقل في سماء ليبيا. فبعد أنْ حاول المستبد إسكات المحتجّين بالشتائم والتهديدات، راح يستعمل وسيلة الإغراء، وعندما لم يُجْدِ ذلك نفعا أرسل طائرات سوخوي وميج وميراج لقصف الثوار. وصار المشهد في ليبيا يُذَكِّرُ بأيام الحرب العالمية الثانية، حيث التقى الحلفاء كلهم، ولم يكن ينقص إلاّ رومل (Rommel) في الجهة المقابلة. أما حاليا، فإن السحابة تتنقل بين المنامة وعَمّان ودمشق دون أن يقع اختيارها على إحدى هذه العواصم. لكنها لم تنس شمال إفريقيا، حيث موقعان أو ثلاثة مواقع لا زالت بانتظارها.

إنّ الثورة عرس وتلاحم كبير وقربان يُقدم على محراب الحرية. وبما أن هذه الثورات جرت في بلاد الإسلام فكان الظرف مناسبة لاستحضار الإيمان وسيرة الرسول (ص) وجهاده ضدّ أصنام مكة وضدّ البارونات المتحكمة في شؤونها. وفي هذا الصدد نذكر فيلم الرسالة، حيث عبارة الله أكبر التي تقشعرّ لها الأبدان، وتجعلنا نحسّ بأن ملائكة الرحمن على مقربة منا، نبكي من الفرح، ونشعر بأننا تَطَهَّرْنَا، وتنتابُنا الرغبة في البذل من أجل الآخرين. وكذلك فإن الأناشيد الوطنية تزيدنا حماسا، حيث نرددها بأعلى صوت وشعرُ الرأس يكاد يخرج من منابته. لقد تحوّل الفرد إلى عنصر وطني يصنع التاريخ، وهو في أسعد ما يكون عندما يُقبّل العلم الوطني ويُبلله بدموعه ثمّ يرتديه. إضافة إلى ذلك فقد استعاد الثقة بالنفس والاعتزاز بكونه تونسيًّا أو مصريًّا أو ليبيًّا أو يمنيًّا أو بحرينيًّا أو سوريًّا أو أردنيًّا أو مغربياًّ… ثٌمّ إنّ هناك هذا الغضب ضدّ العدوّ المشترك، عدوّ الجميع، وعدوّ الوطن وعدوّ الله. إنه سبب كلّ البلايا التي سقطت على البلاد والعباد، إنه هو المسؤول عنها، فيجب أنْ يرحل.

وإضافة إلى هذا الضغط الداخلي، وهذه الطاقة الذهنية، وهما العاملان اللذان يقفان وراء كل الثورات التي سجّلها التاريخ، يجب أن نُضيف عاملا جديدا كل الجدّة، وقد يكون أبلغ أثرا من العوامل الأخرى، إنه عامل التغطية الإعلامية المستمرّة: فالثورتان التونسية والمصرية لم تقعا في بوتقة مغلقة بل على مرأى من البشرية جمعاء. وذلك ما أنقذهما. فقد تمّ نقل أحداثهما على المباشر عبر كل القنوات التلفزيونية. كانت الكاميرات تتابع الثوار خطوةً خطوة، وتتيح للثوار الإدلاء بتصريحاتهم ليروا أنفسهم بعد ذلك في التلفزيون، كما تعرض صور القمع على العالم كله أمام امتعاض المستبدين. صار رؤساء الدول الكبرى يتكلّمون عن هؤلاء الثّوّار، بل ويُوجِّهون إليهم الكلام مُعبِّرين لهم عن احترامهم، ليُطَمْئِنوهم على حتمية وصولهم إلى الهدف المرجو: أي الحرية. وكان الثوار يتفاعلون مع تطوّر الأحداث ليلاً ونهاراً، وكانت اجتماعات قادة الثورة تُعقد بدون قيد، ويتمّ الاتّصال بالمستبدّين هاتفياًّ. وهكذا حتى تبنت هيئة الأمم تلك القضية.

ويجب الانتباه إلى أنّ المتظاهرين لم يكونوا معتصمين في الساحات العمومية ببلدانهم فقط، بل إنهم متربعون على الساحة العالمية لأنهم أصبحوا مركز اهتمام العالم. لم تعُد تدفعهم أجنحة عادية، بل صاروا مُزوَّدين بمفاعلات نووية. لم يعد يُخامرهم أيّ شكّ في نجاح ثورتهم، ولن يقف أي شيء في طريقها. وذلك هو ميلاد المواطن العربي، وهو ناخب الغد، ونائب الغد، أو الوزير، أو رئيس الحكومة أو رئيس الجمهورية. لم ينتظر الشعب صدور فتوى بتحليل الديمقرطية من الأزهر أو الزيتونة أو من أي عالم مستقل. إن الفتوى التي لم تصدر بالأمس لا يُنتظر أن تصدر في المستقبل. والشعب التونسي بهذا يستحق جائزة نوبل التي يُراد ترشيحه لها لأنه قدّم خدمة كبيرة للإنسانية.

وإذا كان العالم العربي في ربيعه، فإن الجزائر ما زالت في فصل الشتاء. فالنفوس متقوقعة والعقول متجمدة والحركة في أوهن ما يكون. كل الاهتمام منصبّ حول البحث عن مكان دافىء، وكُلٌّ يجذب الغطاء إلى جهته، والناس يتناوشون حول القوت اليومي. نسي الناس تلك لأناشيد الوطنية التي تبعث في النفس حماسا، فقد تفرّقت الفرقة وسكتت الأصوات. لكن سيأتي يوم تنقشع فيه السحب التي لتمنع مجيء السحاب الذي وُلِد في سيدي بوزيد، وتُطِلّ الشمس، لأننا نكون قد بادرْنا بفعل ما يجب فعله.

لوسوار دالجيري 07 أفريل 2011

 

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم