الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 أربعون يوما ستزلزل الجزائر
نورالدين بوكروح
بوكروح نورالدين

أربعون يوما ستزلزل الجزائر

بقلم : نورالدين بوكروح
ترجمة : نورة بوزيدة 

بعدما يقصف الرعد، لا ينفع سد الآذان” (مثل صيني).

إن هذا المثل الصيني الذي ينم عن حكمة عميقة قديم جدا، و قد قرأته في كتاب سون- زو “فن الحرب”، المؤلف قبل 25 قرنا. ويعني أنه لا يجب انتظار حدوث الكارثة للاحتماء منها.

في نفس اللحظة التي أعلنت فيها التلفزة الجزائرية في نشرة الثامنة عن ترشح بوتفليقة لعهدة رابعة، زلزلت الأرض في الجزائر. وحسب السيد لوط بوناطيرو، عالم الفلك والزلازل والمتر شح لنفس الانتخابات، فإن قوة الزلزال قدرت ب4 درجات على سلم ريشتر، وأحدثت هزة كان أثرها مشابها لأثر إعلان الترشح هذا إلا أن قوة أثر هذا الأخير تكون قد بلغت الآن 6 أو 7 درجات.

ورأى في ذلك الكثير من الجزائريين الذين يؤمنون بما هو خارق للعادة إشارة لغضب إلهي على لاشرعية هذه العهدة الرابعة والتي تحمل في طياتها اختلالا كبيرة لتوازنات البلاد. لكن ورغم هذا الإنذار الرباني، فإن بوتفليقة لم ينسحب كما فعل لوط سائرا على خطى النبي الذي أدار ظهره لقومه المفسدين. من جهتهم، لم يشأ معارضو العهدة الرابعة استغلال الموقف حتى لا يحسبوا من المؤمنين بالخرافات.

لكن إذا زلزلت الأرض مرة أخرى في الأيام أو الأشهر المقبلة، فإن الشعب سيدرك، ويساعده في ذلك كثرة الشيوخ المتوفرين في بلادنا، من تسبب في ذلك. الكثير منا مقتنع الآن في ذاته أن هذه العهدة الرابعة، والتي تتنافى مع العقل، وتغامر بمستقبل البلاد ومصلحتها وتعاكس حتى قوانين الطبيعة، لن تمضي بعيدا و أننا لن نخرج منها سالمين.

المؤكد أيضا أن العهدة الرابعة قد أحدثت هزة معنوية سوف تزلزل البلد قبل وبعد موعد 17 أفريل. فهي لم تكن متوقعة، و فرقت بين الناس، واضطر البعض إلى معارضتها كما اضطر البعض الآخر للاستسلام لها والالتحاق بها دون قناعة. لقد انتشرت فكرة أن الرئيس قد أصبح شبحا لنفسه، وأن من يختفي وراء قراره بالترشح رجال لا تحركهم إلا المصالح الشخصية.

سوف يبدأ العد التنازلي عند اعتماد المجلس الدستوري للقائمة الرسمية للمرشحين، وعند ذلك سيكون قد حان الوقت للإصغاء إلى حكمة سون- زو:” الذي يحسن التغلب على الصعاب، يفعل ذلك قبل أن تحدث”. لكن، من ذا الذي في معسكر العهدة الرابعة، والمتسبب في هذه الصعاب، قرأ لهذا الفيلسوف والاستراتيجي العسكري أوحتى سمع به؟ من فيهم قادر على حل المشاكل التي سيتسبب فيها بنفسه؟

إن شيئا ما بدأ ينمو في الأرواح والقلوب، جامعا بين الاشمئزاز وفيضان الكيل أمام تحالف قوى الشر واللاعقلانية واللامسؤولية والذي ستكون عواقبه وخيمة علينا. إن “أثرالفراشة” بحسب طبيعته لا يمكن التنبؤ به ولا يمكن إدراك الشكل الذي سيأخذه والوقت أو المكان الذي سيحدث فيه. قد ينتج عن حركة بركات، عن قمع زائد لها، عن بوعزيزي الأول أو بوراوي الأولى. لكن المؤكد أن الإعصار الذي يمكن أن ينجم عنه سوف يغير إلى الأبد صورة الجزائر إما بأن يغرقها، أو بأن يغسلها من كل ما دنسها مند أول نوفمبر 1954.

العهدة الرابعة محاطة بالغموض، لا نعرف إن كانت هي النهاية المرجوة للمنادين بها أم أنها جسر نحو مصير لا نتصوره حتى. لماذا أقصي أويحيى وبلخادم من منصبيهما في الأرندي والأفلان، ليعاد استدعاؤهما بعد سنة إلى طاقم حملة بوتفليقة؟ لماذا وقع الاختيار على سعداني من بين الأعضاء 350 للجنة المركزية، رغم ما ترتب عن ذلك من إهانة لهيأة قانونية في أهمية مجلس الدولة؟ولماذا اختير هذا “البنادم” لتهيئة الأذهان لإعلان ترشح الرئيس؟ و للهجوم على جهاز المخابرات بعد إعادة الهيكلة التي فككت الهيآت المكلفة بالتحقيق في الملفات الكبرى للرشوة؟

إن الإعلان المصيري الذي جاء به النبي سلال (السيئ حسب سعداني) متكلما باسم الإله بوتفليقة والذي، مثل كل الآلهة، لا يحدث عامة الناس مباشرة، قد نزل كالصاعقة على مسامع الأغلبية التي لم تكن تتوقعه بتاتا، بل كانت تعتقد بحسن نيتها أن الأوقات الصعبة قد ولت. لكن هذا الأمر لا ينطبق على سعداني الذي كان يبشر لشهور طويلة بالبعث الرابع للرئيس رغم تهكم القوم المشككين مثلنا. وقد شابه في ذلك يوحنا المعمدان لما قام يبلغ قومه بقدوم المسيح.

هذه ليست النبوءة الوحيدة التي جاءنا بها الكاهن سعداني وتحققت. فقد سبق وأن نبأنا بأحداث وقعت فعلا تحت أنظارنا المندهشة. لقد صرح للموقع الإلكتروني “ت.س.أ” في فيفري 2013 أنه سوف يقود حزب الافلان ولم يصدقه أحد حينها. ولكن ذلك حدث فعلا في شهر أوت وتربع كما سبق وقال على عرش الحزب العتيد في سيناريو مشابه “لليلة السكاكين الطويلة” في ألمانيا.

لقد شن هجومه على جهاز المخابرات مهددا ضمنيا مسؤوله الأول بتسليمه للعدالة الدولية. واستعان لهذا الغرض في المرة الأولى بوسيلة إعلام أجنبية (رويترز) و في المرة الثانية بموقع معروف بمقروئيته في الخارج ( TSA)، ليضفي على اتهاماته بعدا أطولا، مهددا بإمداد من يريد رفع دعوى ضده بالدلائل في قضيتي تبحيرين وتقنتورين أو حتى إمكانية الاتكال على “شهادة” قائد الفلان والرئيس الأسبق للمجلس الشعبي الوطني، أو على الأقل “اعترافه”. ألم نسمع مؤخرا برفع دعوى لدى المحكمة الدولية ضد مسؤول المخابرات ومسؤولين سياسيين وعسكريين آخرين؟

إن تهديد المحكمة الدولية ليس أمرا هينا. لقد سبق ورأينا كيف استدعت العدالة السويسرية الجنرال نزار واستمعت إليه مطولا بعد أن شكوى تقدم بها جزائري مقيم هناك، والقضية لا تزال مفتوحة. وفي مرة ثانية، اضطر نفس الجنرال أن يغادر فرنسا مستعجلا عندما أخبر في آخر لحظة أن قاضيا فرنسيا على وشك اتهامه “بجرائم” من نفس القبيل، والتي لا يسري عليها التقادم في القانون الدولي.

لو لم يكن الأمر بهذه الخطورة، لابتسمنا من كون قائد الأفلان، المرتبط في مخيلة العالم بتحرير الجزائر من الاستعمار، هو الذي يشهد ضد سليل جيش التحرير ويدعو الرأي العام الدولي وساعده القانوني لمحاكمة أعلى مسؤولي الجيش الوطني الشعبي الوطني بتهمة “جرائم حرب” أو “جرائم ضد الانسانية”.

يبدو أنه قد وصل عهد سعداني. لم نر إرهاصاته لأننا لم نأخذه مأخذ الجد، ولم نتوقف إلا عند ماضيه الفني والنقابي. استهزأنا بتصريحاته وكأنها مجرد نكت أو مهاترات، لكنها، ويا للعجب، تحققت كلها الواحدة تلو الأخرى. لا يجب أن نهزأ من أقوال هذا الرجل بعد الآن وأن نكتفي بالنظر إلى طبائعه الخشنة أو تعليمه البسيط. لقد أخرس سلال، و’غلب’ الجنرال توفيق، وأعاد بلخادم إلى ماضيه كمناضل بسيط في قسمة آفلو، ونفض بن صالح، ومنهم من ينتظر مصيره على يد هذا الكاهن الذي ارتقى إلى مرتبة العراب داخل “عصبة الرئيس”، حسب مقولة شكيب خليل. على ذكر هذا الأخير، نتذكر أيضا تصريحات وزير عدل سابق منددا بتدخلات سعداني لإنقاذ “الجندي خليل”.

لقد حذرنا قبل شهور أن حزبه سيحكم البلاد بعد إعادة انتخاب بوتفليقة، مستعملا، كما يفعل الأنبياء والرسل، رموزا للتعبير عما في كينونته. لقد تحدث عن العربة التي ستتحول إلى قاطرة، فلننتظر لنرى ما سوف يأتي به المستقبل. فيما يعنيني أنا، لقد آمنت بهذا النبي الجديد لما شاهدته من معجزات. فقد صرح هذا النبي أيضا في فيفري الماضي أن الإدارة لن تمنح جماعة المصححين “الكافرين به” ترخيصا لعقد اجتماع الإطاحة به مهما كان عددهم، وكان الأمر كذلك.

وقد استعمل في مرة أخرى صورة العربة والقاطرة نفسها، لتمرير رسالة مشفرة على طريقة عاملي سكة الحديد، عندما يحذرون أن قطارا قد يخفي آخر. ما كان يقصده أن قطار العهدة الرابعة يخفي قطار وصوله هو إلى السلطة. لقد أعلن أخيرا أن بوتفليقة سيفوز بالانتخابات القادمة وبدون أي شك سيحدث ذلك.

إن تاريخ الأمم يعج بأساطير لأشخاص خرجوا من ظلمات العدم ووجدوا أنفسهم في أول صفوف بلاط الحاكم أو حتى متربعين على العرش. لقد بلغ التأثير الذي مارسه بعض هؤلاء درجة أن سميت حقب زمنية كاملة بأسمائهم. فقد بدأت على سبيل المثال مسيرة راسبوتين في عهد القيصر نيقولا ببعض التكهنات التي تحققت أمام الملأ، وانتهت باغتياله على يد ضباط، أقرفهم ما صار لهذا الشخص من تأثير في البلاط.

علينا إذن التساؤل والتحقيق عن التأثير الذي يمارسه سعداني على آل بوتفليقة. فقد كان الرجل منسق لجان المساندة للرئيس سنة 1999 ومكنه من الانتصار، فكانت جائزته رئاسة المجلس الشعبي الوطني. ثم أبعد عن منصبه بعد أن ورد اسمه في عمليات اختلاس أموال هائلة. لكنه استدعي من جديد لقيادة أم المعارك ضد المخابرات، و من أجل فرض العهدة الرابعة، ففوضت له السلطة الكاملة للقيام بمهمته. ربما كان لهذا الشخص في بلاط آل بوتفليقة، ما كان لراسبوتين من سلطة في بلاط القيصر نيقولا، آخر القياصرة الروس، والذي أطاحت به ثورة أكتوبر1917.

لا ندري بأي لهجة يتحدث مع آل بوتفليقة، ولا ندرك أيضا سر عدم قدرتهم على الاستغناء عنه. الأكيد إنه لم يواجه الأسد من أجل “سواد عيونهم” ولم يغامر بين كل الأخطار لو لم ينتظر مكافأة ضخمة: منصب رئيس للحكومة أو نائب الرئيس. لقد سبق وأن تساءلت الصحافة عن ذلك “المترشح المختفي” وراء بوتفليقة ليرث باقي عهدته. ألا يتعلق الأمر به هو؟ إذا كان قد أزاح المخابرات من طريقه ومن دور صانع الملوك الذي تعرف به، ألم يفعل دلك لكي يصبح هو الملك؟

إن القطار الذي تخفيه العهدة الرابعة هو القطار الذي سيصل فيه سعدانى وجماعته. سيبدأ حينها عهد جديد سيعرف في التاريخ باسم “عهد سعداني” كما عرف في القرن التاسع عشر في اليابان “عهد المايجي”، أو في القرن الثامن عشر في فرنسا “قرن فولتير”. يجب أن نحضر أنفسنا لذلك الزمن. إن هو عين فعلا كنائب للرئيس، فعلينا أن نستعد للاحتفاء بمراسيم تربعه على العرش. قد تنقصه الأبهة قليلا، لكنه يستوفي الشروط المناسبة ليصبح متسلطا صغيرا.

لم نصل بعد إلى هذا لكن الأمور ستحسم خلال الأربعين يوما القادمة. لقد بدأت الانتخابات القادمة في أجواء متأزمة دشنها تصريحات سعداني النارية. أضيفت صدمة انتخابات ملعوبة مسبقا إلى صدمة خبر ترشح الرئيس. ونجد أنفسنا اليوم أمام الخطر الذي تحمله العهدة التي ما كان يجب أن تكون، مرفقة بتزوير زائد عن حده.

نحن أمام مترشح غائب احتكر كل وسائل الدولة وموظفيها سوف يدهس منافسيه المساكين اللذين لا يكادوا يزنون وزن الريشة في مهب الرياح العاتية.

الأيام الأربعون التي تفصلنا عن موعد الانتخاب ستزلزل الجزائر. نادت أحزاب للمقاطعة حتى قبل أن يترشح بوتفليقة. وخرج ضباط سامون متقاعدون عن صمتهم ليكتبوا أو يكشفوا أمام الملأ وجود اختلافات داخل الجيش وأبدوا معارضتهم للعهدة الرابعة. وحثت شخصيات سياسية تكلفت مسؤوليات سامية في الدولة الجزائريين للتصدي بكل الوسائل للعهدة الرابعة.

انسحب مرشحون للترشح مثل لوط البريء بسبب عدم توفر شروط انتخابات نزيهة. وينادى آخرون بإيقاف المسار الانتخابي وتنظيم فترة انتقالية. وظهرت حركات احتجاجية لمواطنين غاضبين، تقتصر اليوم على مظاهرات في بعض المدن وعلى غليان في شبكات التواصل الاجتماعي، لكنها ما فتأت تزداد أهميتها يوما بعد يوم. يمكن لهذه التحركات أن تأخذ منحى وحجما آخرين.

إن القمع الذي تعرض له المواطنون الذين خرجوا لممارسة حريتهم الشرعية في التعبير عن صوتهم قد يزيد من عزيمة المنادين بالمقاطعة أو بإيقاف الانتخابات. قد ينتج عن هذا إخلال بالنظام العام قد بتحول في أي وقت إلى صدامات في الشارع. هكذا تقريبا بدأت الأمور في البلدان التي عاشت “الربيع العرب”.

كان يجب أن يأتي اليوم الذي يكف فيه الجيش عن صنع القرار السياسي والرؤساء. ربما قد وصل هذا اليوم بعد تسارع مفاجئ للتاريخ لا نعرف خباياه ولا طرقه، لكنه بالتأكيد مرتبط بالعهدة الرابعة. نحن أمام أخطار عديدة : خطر اضطرابات قد تنجم عن قمع عنيف لحركة الاحتجاج، خطر انسحاب جديد للمرشحين مثلما حدث في 1999، وخطر مقاطعة كبيرة للانتخابات. لكن ليس هذا كله أخطر ما في الأمر، بل هناك على وجه الخصوص خطر الدخول قريبا في “عهد سعداني”.

إن المطبلين للعهدة الرابعة والمستفيدين منها يحاولون إبعادنا قدر المستطاع عن طريقهم، مستعملين لذلك فزاعة اسمها “احترام القانون”، بينما هم لا يحترمون أي قانون، وعلى وجه الخصوص تلك التي يمكن أن تعرقل مسعاهم. فمن أجل بلوغ غاياتهم، لا يؤرقهم أن يدوسوا الدستور أو الأخلاق، أن يزوروا الشهادات الطبية، أو أن يملأوا صناديق الاقتراع لا لشيئ إلا للبقاء في السلطة رغم إرادتنا. يظنون أنهم يمتلكون سلاحا فعالا اسمه “الحياء”، الذي هم يفتفرون إليه، يكبلون به أيادينا. يستغلون خضوعنا للقانون لكبت أنفاسنا. وكما قال أحد الناس :” إن الواقع هو الذي زاد عن حده” وليس نحن. لا يجب إذن أن نتفاجأ لو حدثت خلال الأربعين يوما القادمة، والتي ستزلزل الجزائر، أمور لم نكن نتصورها حتى في الخيال.

 

جريدة الخبر12/3/2014

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم