الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بين الفكر والسياسة 5   أين نحن منذ الاستقلال؟ 3)  منبع كل مشاكلنا         

  أين نحن منذ الاستقلال؟ 3)  منبع كل مشاكلنا         

بقلم نورالدين بوكروح   

ترجمة نور بوزيدة

إذا استثنينا تاريخ أول نوفمبر 1954 اللامع، يصعب على الجزائريين أن يجدوا في ذاكرتهم الجماعية أثرا واضحا وحيا عن إنجاز عظيم كانوا قد أنجزوه في ماضي مشترك. فتاريخهم عبارة عن سلسلة من الثورات والانتفاضات وليست سلسلة إنجازاتهم مع بعضهم المشتركة. وإذا أ ردنا ملأ صفحتين بأسماء رجال الدولة والفكر لدينا في كل الأزمنة مجتمعة، لما استطعنا. 99 بالمائة من شوارعنا تحمل أسماء الشهداء (رحمهم الله) وكل بلدية لها مقبرة خاصة بهم، لكن لن نتمكن ملأ مقبرة واحدة لمفكرين او عباقرة أو رجال عظماء في شتى الميادين.

تتخلل تاريخنا الكثير من المراحل البيضاء و الفراغات التي لم نستطع أن نفهم منها سوى أننا وللأسف كنا نمر فيها عبر فترات عدم وجودنا في التاريخ وغيابنا عن مسيرته. نحن لا نحمل شعورا بأننا نواصل عمل شرع فيه أحد قبلنا أو ذاكرة تيار وجودي متواصل منذ بداية التاريخ، وهو ما يبرز للعيان والتحليل في سلوكنا وميولنا الذي لا يمكن توقع إن كان سيأخذنا شمالا أو جنوبا، شرقا أو غربا، ويجعل من كل واحد منا ذلك “البونادم” الذي يصعب فهم ما يحفزه وما يدفعه وما يحركه…

يبدو ماضينا جد قريب إلى درجة أننا نضهر كمن صقلته الطبيعة كآخر مهمة لها بعد أن انتهت من صقل الآخرين، ولذا يبدو وكأن ذاكرتنا لا تحمل ما يكفي من صور تاريخية عن جذورنا، وعن مثال الإنسان الأول منا وعن ذاكرة جماعية قديمة تولد لدى كل فرد منا نفس السلوك ونفس المواقف ونفس الذهنيات. وهو المسار الوحيد الذي يؤدي في الأخير إلى التقارب فيما بيننا وتكوين “الأنا” الجماعي والتوافق الاجتماعي وإلى التعايش مع بعضنا البعض. وهل هذا الأمر كان ممكنا ونحن لم نلتقي خلال تاريخنا الطويل إلا صدفة وتحت القهر في غالب الأحيان حول مصلحة ما أو مشروع جماعي أو هدف سامي؟

طالما وقعت الجزائر فريسة أطماع الأجانب وهجماتهم بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها وعرفت العديد من الاحتلالات التي تحولت في غالبها إلى استيطان طويل بما يحمله من أفواج بشرية وأجناس جديدة بثقافاتهم ولغاتهم، قبل الجزائريون منها بعضا و  رفضوا البعض الأخر. وبسبب ذلك الاستعمار الطويل، وعدم استعمالها بصفة دائمة ومكتوبة على الخصوص، انكمشت لغتهم الأصلية، الامازغية، وتجزأت ولم تصل إلينا سوى بفضل بعض المجموعات التي حافظت عليها بأن تحدثت بها في حياتها اليومية باستمرار مثل التوارق والقبائل والشاوية والمزابيون.

أما الدول التي شيدها الرومان ثم العثمانيون أو الفرنسيون على أراضيها، فإنها لم تعني الجزائري لا من بعيد ولا من قريب، ولم تنجز لصالحه خلال الألف سنة الماضية، بل بالعكس، كانت تمارس ضده كل ألوان التمييز والاضطهاد والحرمان والإذلال وسخرت لصالح المستعمر وحده، بل وأكثر من ذلك، فإنها كرست التفرقة بين الإخوة. بالفعل، كانت الأنظمة الموضوعة تهتم بالجزائري فقط لكي يدفع ضرائبه بانتظام ومراقبة وسائل التواصل فيما بينهم ولم تفعل ذلك بجنودها ومستوطنيها بل بمساعدة رؤساء القبائل والقياد(gaïds) والأغوات(aghas)  والباش-أغوات  (bachaghas)الذين كانوا يفعلونها مقابل بعض المزايا الضئيلة غالبا أو فقط مقابل بعض التشريفات الظاهرية.

أما باقي الشعب، فكان يرزح تحت وطأة تلك المؤسسات التي لم تؤثر بعمق في نفسيته المناهضة لكل ما هو أجنبي و كان واعيا بأنها مؤسسات تخدم مصالح الآخر وليس مصالح السكان المحليين، بل وبالعكس، تعمل على إفقارهم واستعبادهم. ولذا، وباستثناء بعض الأقلية التي طاقت أحيانا إلى الاندماج مع المستعمر بثقافته وطبائعه، بقي الشعب في غالبيته بعيدا عن الدولة وعن مؤسساتها المفروضة عليه، ونمت في ذاته كراهية تجاهها، كبرت في سياق كرهه لمن استعمره ومظاهر الدولة وأشكالها التي وضعها لكي يتحكم أكثر فيه. ووصل به هذا العداء إلى درجة أنه بعد خروج المستعمر من بلاده، بقت لديه تلك العداوة تجاه مفهوم الدولة وتحولت مع مرور الوقت إلى عداء غريزي وكراهية دائمة.

كان حال الشعب الجزائري تقريبا نفسه سواء تحت الاستعمار أو خلال تلك الفترات القصيرة التي يرتاح منه بعض الشيء في انتظار مستعمر آخر يحرمه مجددا من ثرواته ويمنع عنه حق المواطنة ويجعل منه غريبا في أرضه. فكان الجزائريون على الدوام يعانون الحرمان والجهل حيث لا يمهلهم الاستعمار وقتا لبناء شيئ يسمى حضارة ودولة ومجتمع… فكان الشعب الجزائري لا يحيا إلا عندما ينتفض ضد مستعمره و”يغسل” شرفه ويفرغ غضبه. لكن مع نبل المسعى إلا أنه كان ينتهي دائما بنفس الفشل ونفس الانهزام والرضوخ لقوة الباغي.

والسبب واضح وبين بما أن نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج، وبما أن نفس الأفكار تفرز نفس المواقف. لذا نجد في تاريخنا أكثر ما نجد سردا عن باخرة تتقاذفها الأمواج دون أن تحطمها على الشواطئ الصخرية، ولكن دون أن تدفعها نحو اتجاه معين يقصده الطاقم بكل عزم وفي يده بوصلة، وفي الأخير، أصبح كل هدف المتواجدين على متن الباخرة فقط النجاة من الموت والبقاء على قيد الحياة. وهكذا، عبرنا ألفيتين دون أن نترك أثرا عن دولة مركزية أرسيناها بأيدينا من أجلنا، ودون أن نترك بصماتنا في الطبيعة والتضاريس، ودون أن نكتشف نظرية علمية أو نخترع تقنية، فمر الزمن علينا دون أن نستغله فتركناه يضيع منا من غير رجعة وبقينا ننظر إلى طبيعتنا الخلابة دون التفكير في تطويرها وترك آثار  جميلة من بنايات ومنشآت تشهد عن عبقريتنا وعن جهدنا.

كانت التحولات التاريخية الكبرى والاكتشافات التي غيرت وجه الأرض والانقلابات التي حددت مصير البشرية تحدث بعيدا عنا ولا نتأثر بها سوى بفعل الصدفة أو الاستعمار. لم نكن نصنع التاريخ بل كان يحملنا عندما يصل إلى شواطئنا ويأخذنا على عباب البحر من غير أن نختار اتجاهنا ولا مركبتنا ولا في أي درجة مسافرين نكون… لم نكن نصنع الأحداث بل كانت الأحداث تحدث لنا…. كنا بعيدين عن التحولات الكبرى في كل زمان ولا نشارك الأمم الأخرى في الصراعات الفكرية ولم نبدي رأيا في النقاشات الفلسفية ولو نعي بالتطورات التقنية والعلمية، لقد كنا كالحبيس الذي يمنع مما يدور خارج زنزانته، لا يصله الغليان السياسي في الخارج والذي مكن الشعوب الأخرى من اكتساب مؤسسات وقوانين دائمة سمحت لهم بالعيش داخل مجتمعات منظمة بينما بقينا نحن في حالة قبائل و عروش وزوايا وفرديات شجاعة تملك عزة النفس لكي تكافح وتضحي وتموت، لكنها غير قادرة على العمل مع بعضها البعض وتشكيل مجموعة واحدة تعيش في انسجام وتتفق على قوانين جامعة.

كانت الحرية والحاجة إلى الاستقلالية لدى أجدادنا ، عندما لم يتمكنوا من وقف زحف المستعمرين على أراضيهم، تتجلى في إدبارهم تحت خيامهم في الصحاري المقفرة أو اللجوء إلى أعالي الجبال العقيمة والصعبة لا تثير أطماع العدو، كمن ينفي نفسه بمحض إرادته مهما كان الثمن لكي لا يعيش الاستعباد المهين في المدن والسهول والتي تشيد وتعمر لصالح الغريب دون الجزائريين. لكن المفارقة الغريبة في الأمر أن تعلق الجزائريين الجم بالحرية منذ غابر الأزمان لم تؤدي بهم إلى نمو إرادة جماعية في البقاء أحرارا، ولهذا قضى معظم مراحل تاريخه تحت وطأة مستعمر خارجي. لكن وبما أنه لم يفيدهم إيجابيا في البقاء أحرارا إلا أنه في المقابل ولد فيهم ذلك الشعور النبيل في الأصل رفضا جامحا وعميقا لكل ما يمثله القانون والمعيار والنظام، مهما كان المدبر والمنظم.

ولكثرة ممارسته خارج القالب الاجتماعي وبصفة ذاتية غير موضوعية، أصبح “الشرف” لدى الجزائريين انغلاق أمام الآخر وشعورا يخلط الخصال الحميدة بالعيوب وأصبح رفضا ومعارضة لكل ما هو عمومي ومدني، وحاملا لروح سلبية، عيارها الحيلة والتهرب. وهي “الثقافة” والذهنية التي ما زلنا نحملها ونؤمن بها إذ نعبر عنها يوميا في أمثلة شعبية مع أنها تعبر عن أخطائنا في الحكم على الأشياء في كل الميادين. وكانت المرأة أول ضحية لهذه القيمة التي صارت بالنسبة لها تعني فقط الحفاظ على شرف الرجل و”نيفه” وأناه المنتفخ والخضوع للاستبداد الأبوي والذكوري. وعندما ننظر إلى هذه “التاغنانت” و”خشانة الرأس” التي تجعل الجزائري ينتفض لأول ملاحظة أو عتاب، نجد أنها في الحقيقة الوجه الآخر لشعور الشرف فيه الذي لم يجد طريقه للتعبير الايجابي والبناء، والذي يحمل طيفا واسعا من الأحاسيس الحيوية التي كونت نفسيته والتي لم تهزم فيه أبدا ولم تدمر ولم تخضع لأي استعمار.

فمثلا نجد أن الجزائري يتحسس من كل مساس بالعدل والمساواة منذ الأزل إلى يومنا هذا وهو ما يفسر أنه شارك في كل الثورات الاجتماعية ولم يتأخر في الالتحاق بكل الحركات التي هدفت إلى إرساء العدل الاجتماعي مثل حركة الخوارج والفاطميين. هو دائما في استعداد للاستجابة لنداء المظلوم إذا مسه الظلم و”الحقرة”. وإذا تمكن الإسلام من استمالة روح البربري فذلك بفضل تناغمه مع ميولهم العميقة للحرية والعدل والأخلاق، عكس العقائد التي اقترحها عليهم من قبل القرطاجيون والرومان وحتى أهل الكتاب من اليهود والمسيحيين. لم يفرض أحد على البربر الإيمان بالله كما لم يتمكن أحد من اقتلاع ذلك الإيمان بعدما قبلوا به.

هذه هي بصفة عامة الذهنية الأخلاقية والتصور الاجتماعي الذين وصل بهما الجزائري إلى القرن العشرين وبهما بادر بالالتفاف حول أول دولة يبنيها لصالحه وبيديه منذ قرون بعد أن نجح في أكبر إنجاز له في التاريخ وهي ثورة أول نوفمبر. وعندما فزنا باستقلالنا تلك المرة، وعزمنا أن نظهر للعالم كأمة وكدولة، لم يكن زادنا الجماعي سوى تلك القيم الأخلاقية الموروثة عن أجدادنا وجنوحنا إلى العيش متفرقين متشتتين ورثناها أيضا منذ القدم حيث لم نتعلم أبدا في تاريخنا ولم نحاول العيش مع بعضنا، بل نفرنا من بعضنا البعض وفضلنا العيش في دروب متوازية بدل أن تتداخل وتتكامل، ونحن لم نعلم أن كل ما نحمله من خصال وقيم مثل التضامن التقليدي والتطوع والنضال لا تبني المجتمعات بل تكون فقط الشعوب. إنها فقط أجزاء من الحقيقة وأشلاء مؤسسات وبعض الأوقات الجميلة المسروقة من حسن الصدف والمحاولات المتراكمة، لكنها لا ولن تكون أبدا أنظمة حياة صلبة ودائمة تستجيب لضروريات أي مجتمع.

إن ضخامة الأزمة التي ضربتنا في العمق خلال التسعينيات بما حملته من إرهاب وأهوال فتحت أعين الجزائريين بعض الشيء على كون مشاكلهم ليست بالسياسية والاقتصادية البحتة كما ظنوه في البداية وبأن إخفاقاتهم في هذه الميادين ما هي سوى نسخ عن إخفاقات أخرى في الماضي تعود أسبابها الحقيقية إلى كون الجزائر مجتمع في تكوين متواصل ومتكرر، ورشة عمل يعاد فتحها كل مرة من جديد، ولا تخرج رأسها من الوحل إلا للسقوط فيه مرة أخرى، ونحن اللذين نهيأ بأيدينا أسباب حضور المستعمر الجديد.

ما زالت الذاكرة الشعبية تحتفظ بآثار الخلط الكبير الذي شاب السنوات الأولى من استقلال البلاد وما زالت تتذكر الصراعات بين الإخوة من أجل السلطة ومن أجل الاستحواذ على الأملاك التي تركتها الأقدام السود والجهوية. أما “المأساة الوطنية” التي بدأت سنة 1992، فإن ذاكرتها ما زالت حية قريبة، لأنها ما زالت تحصد أرواح الجزائريين وتمدنا كل يوم بأمثلة قد تؤكد ما ذهبنا إليه من تفسير لأسباب مشاكلنا.

إن مشاكل الجزائريين قديمة. كل ما في الأمر أنه يمكننا القول أن اكتشافها وتفسيرها أمر جديد. فالآفات التي تنخر جسد النظام السياسي وأهم عضو فيه، الوظيف العمومي، من عشائرية وجهوية ومحاباة… ما هي سوى بقايا من طرق التجمع والتساند لدينا في القديم. وهي اليوم كالحبوب السامة التي قاومت الزمن ولا يمكن بالتأكيد القضاء عليها خلال بعض العشريات.

أما على الصعيد الإيديولوجي والثقافي، فإن الاختلافات والتناقضات التي تفرقنا اليوم وتمزقنا لأنها حاملة لتصورات و”مشاريع مجتمع” جد مختلفة لدى كل فريق لا يقبل الآخر، إنها لم تتكون في السنوات الأخيرة فقط بل خلال قرون عديدة، بل تعود أسبابها إلى ماضينا وتغرس جذورها في لا وعينا العميق. إنها النتيجة الحتمية والطويلة المدى لكل الغزوات الأجنبية لبلادنا، وهي آثارها التي لم نلمسها في وقتها لأن كل غزو تحول إلى استيطان لم يستحوذ على أراضينا وثرواتنا فحيل، بل أثر على أفكارنا وذهنياتنا وسلوكنا.

لا غرابة في أن يترك الغازي الذي استعبدنا جسديا ومعنويا بصمته فينا، ومن الطبيعي أن تضيع شخصيتنا ولغتنا وحتى ذاكرتنا. فأصبحنا، لكثرة واختلاف الغزاة، كائنات هجينة وخليط ثقافات مختلفة وتأثرنا بشخصية من أتانا من الشرق وبأفكار من قصدنا من الغرب وأصبحت شخصياتنا حلبة صراع لتأثيرات متناقضة، بل ومتنافرة في الغالب، لا يقبل بعضها البعض. إذن، نظن أن أصل مشكلاتنا يكمن في ظاهرة يمكننا تسميتها “التجريد الثقافي” والذي يؤدي إلى التمزق والتردد المتكرر، مدبرين تارة أو مقبلين تارة أخرى على إحدى الثقافات التي تركت بصمتها فينا وبين ثقافتنا الأصلية ونميل كل مرة إلى إحداها وننكر الأخرى، فترانا نتزعزع بين الثقافة البربرية والإرث العربي الإسلامي والغربي. وهو ذات التمزق وذات التمزق الذي أنجب  خلافاتنا السياسية أساسا وما يفسر أن بعضنا يناضل من أجل الدولة الإسلامية والبعض الآخر من أجل استقلالية منطقة القبائل و الجزء الأكبر يود دولة ديمقراطية حديثة، لكن الماسكون بالنواجذ على زمام الحكم من عسكريين ومدنيين لا يريدون حتى التفكير في مثل هذه الدولة.

وتلك التأثيرات بدرجات مختلفة على كل واحد منا هي أيضا ما يفسر الاختلافات التي نلاحظها في لهجاتنا وملبسنا وتفكيرنا، فلسنا شرقيين كلية ولا غربيين كلية بل خليط مرضي من الإثنين. ولم يقضي النظام التعليمي الذي اعتمدناه بعد الاستقلال على هذه الازدواجية والسكيزوفرينيا، بل كرس الاختلاف الموجود بين التعليم “الديني” والتعليم “الدنيوي” بأن كانت الجزائر تبعث طلبة الشعب الدينية إلى المشرق والآخرين إلى الغرب وتنافرت مفاهيم الأصالة والفعالية بدل أن تتكامل، وهكذا صار لدينا معربين أو مفرنسين، إسلاميين أو علمانيين، ولكن لم نحقق المرء المتفتح على كل أبعاده ولا مجموعة وطنية منسجمة ولا مواطنين يحملون نفس المرجعيات ونفس القيم ونفس التصور للوجود والمجتمع.

كان من المنطقي والعقلاني أن يكون أول إجراء تحفظي تتخذه المجموعة الوطنية بكل أطيافها، وبالأخص المسئولون فيها هو إجراء يهدف إلى تقليص حجم الاختلافات واحتدام الصدامات، والعمل على عدم تفاقمها إلى أن نغرس نهائيا في نفسنا وذاتنا الجماعية كل ما يجعلنا نلتحم ونتكتل وتشعر بأن ما يجمعنا أهم وأكثر “حرمة” مما يفرقنا، إلا أنه وللأسف، ما نعيشه هو العكس إذ أن غرائزنا المتجذرة فينا وجدت طريقها إلى الوجود مرة أخرى بسبب النزاعات التي كرستها سياساتنا منذ الاستقلال.

عندما نغير كل مرة نمط مجتمعنا، ينتهي بنا الأمر إلى عدم معرفة من نحن. وهو ما أكده تحول النقاش الفكري الذي فتحنا أبوابه في خضم تغيير الدستور في 1989 إلى عراك وسوء فهم، خاصة أننا لم نحضره فكريا ولا سياسيا، حيث أن هدف السلطة في ذلك الوقت، أي بعد أكتوبر 1988، كان البقاء في السلطة بعد أن تعرضت لمعارضة مبرحة من قبل الشعب. ولم ترى في ذلك النقاش والتفتح سوى فرصة للظهور بأزياء جديدة دون تغيير ماهيتها العميقة للتحايل على الشعب مرة أخرى وتتسلل إلى المستقبل دون أن يتعرف عليها أحد. إلا أنها لم تتبصر لقوة النفور منها وعمق الكراهية التي يحملها الشعب ضدها وهكذا سقط الجميع في “الفخ الديمقراطي”.

فماذا كان المشهد السياسي في الجزائر في تلك الفترة؟ لقد استحوذ كل حزب على “قطعة” من الجزائر واتخذها ملكية خاصة له دون الآخرين، فمنهم من استحوذ على اللغة ومنهم من اقتطع الدين له ومن احتكر رموز نوفمبر وآخرون من استند عنوة على العمال للحديث باسمهم دون استفتائهم في الأمر…. ولفقدانهم رؤية للمستقبل، عادوا كلهم إلى الوراء وعاثوا فيه ذهابا وإيابا، ومزقوا الإرث الجماعي الزهيد أصلا لكي يقضوا على القليل مما جمعنا، واقتطع كل حزب عضوا من جسد الجزائر المسكين ليضربوا به بعضهم بعضا. فكان لدينا من يحلم بأن يصبح “أقليد” لا يتذكر سوى المملكة النوميدية ومن كان يرى نفسه في ثوب الحجاج يحمل لقب الخليفة وآخر يتوق إلى أن يكون أتاتورك وأب الدولة الجزائرية اللائكية. فلما هذا التشتت السياسي والتمايز الإيديولوجي؟ لأن كل هذه الأمثلة والرموز و”الموديلات” حازت بفترة عظمة في ماضينا وتركت أثرها في مخيلتنا.

فسقطت الجزائر في هاوية ودخلت في دوامة وفي عاصفة هوجاء كادت أن تقتلعها من جذورها حيث تحطمت كل المؤسسات المصطنعة مرة واحدة ولم تنجو البلاد إلا بصمود المؤسسات العسكرية لأنها مبنية على النظام والانضباط والخضوع للأوامر. وفي ذلك “الخلاط” والفتنة التي امتدت بسرعة النيران صيفا، خرجت شياطين التفرقة والانفصال والطلاق تصرخ علنا وحتى أن بعض الأصوات تصاعدت للمطالبة بالتحكيم بين أولاد ماسينيسا مرة أخرى. وللمرة الألف وجد الجزائريون أنفسهم في غليان وفوضى عارمة، وأنفسهم الأمارة بالسوء تدفعهم إلى العودة إلى “العدم الأصلي”. وكانت الروابط التي حاكوها بينهم في حرب التحرير الوطنية قد تفسخت ولم يبقى لها أثر تحت ضربات الديماغوجية والخيبة والأكاذيب التي تدفقت على رؤوسهم منذ الاستقلال، ومات في المهد مسار تكوين المجتمع الجزائري لأن من حكمونا غضوا النظر عن طبيعة الإنسان الجزائري ونفسيته وتركيبته “الكيميائية”.

فما هو درس كل هذا؟ وما يمكننا استخلاصه من مشاكلنا ومآسينا وويلاتنا؟ الدرس هو أننا كلنا، حكام ومحكومين، رعاة ورعايا، ظننا أنه يمكننا التهرب من قوانين الله في خلقه وفي تكون المجتمعات الطبيعي وتعويضها بنظريات “ثورية” مبنية على الحيلة والتسلل و”الدريبلاج” مع التاريخ. فكان انتقام هذا الأخير منا وسخر من حيلنا وكان أقوى منا حيث لم نتمكن من التخلص من عيوبنا القديمة بل وأضفنا إليها عيوبا جديدة واعوجاجا آخر كسبناها من الاشتراكية الشعبوية. وإذا كان الاحتلال القديم الروماني أو التركي أو الفرنسي قد قمل جاهدا على اضطهادنا وإخضاعنا ومنعنا من المبادرة والتعبير عن ذاتهم والازدهار في أرضهم، فإن التوجه  الاشتراكي قد خبأ لهم نفس المصير تقريبا ووصل بهم إلى نفس النتائج حيث أجبرهم على العمل الموازي والتهرب من القانون بل والتحايل عليه بسبب العوائق البيروقراطية الكبيرةـ فاضطر إلا العيش “بالقفازة” للعيش، وهي كلها مواقف وسلوك يضر بمفهوم المجتمع ولا تؤدي إلى تشكيله بل إلى تقويضه وتحطيمه وزجه في التخلف وتنمية روح الرعاع فيه.

نحن الشغب الوحيد الذي يقول عن نفسه بسخرية أنه “حشيشة طالبة معيشة” وكأنهم يتوقون للعيش مثل النبات لكي يتهربوا من واجباتهم وهم قد نسوا أنه حتى النبات لديه واجب في الكون بتحويله الطاقة التي يتلقاها إلى أكسجين وبطريقة غير منقطعة و”صناعية” مساهما بالتالي بطريقة حيوية في السلسلة الغذائية والتي بدورها لا تكون الحياة ممكنة فوق الأرض. وربما كان ذلك طريقتنا في التعبير عن حاجتنا إلى أن يكفلنا أحد ما سواء كان الله أو الطبيعة أو الدولة، أو من شاء…

وأظن أنه لو لم يكن الكفاح من أجل الاستقلال هدما لقوات المستعمر المادية والمعنوية ولم كانت مسيرة الاستقلال تتطلب إنجاز ما يشبه أهرامات مصر القديمة أو حائط الصين أو إخصاب صحاري مثل كاليفورنيا، بمعنى أنه لو طلب منا من أجل التحرر أن نقوم بكل هذا لما راهنت على قدرتنا بل ورغبتنا في الحصول على الاستقلال لأن ذلك يتطلب منا استعمال جماعي لقدراتنا وسواعدنا والوسائل التقنية المتوفرة لدى المجتمع بأكمله. وإن أردنا دليلا على ذلك، فألفي سنة من “عدم الإنجاز” أمام أعيننا يمكننا تفحصها والبحث فيها. فلا نجد على ترابنا أثرا لإنجاز معماري شيدناه نحن لوحدنا، فنحن نعلم جيدا أين نجد المراسي الفينيقية والآثار الرومانية والقصور والمساجد العثمانية ولا نتحدث عما تركته فرنسا. وما أنجزناه بعد الاستقلال مثل مقام الشهيد والطريق السيار ومسجد العاصمة الجديد هذا من صنع أجانب وندفع تكاليفها بما أغدقت به علينا الطبيعة من بترول.

وخلاصة القول أن مفاهيمنا وتصوراتنا وأحكامنا على أنفسنا وعلى الأشياء منذ الأزمنة الغابرة هي التي تشكل منبع مشكلاتنا ويجب علينا الآن أن نتفحص أفكارنا التي نحملها لكي نفتح لغز عدم نمونا الاجتماعي وموت الغريزة الجماعية فينا أنها هي الأفكار التي تحركنا وتصقل دهنياتنا و تملي أعمالنا في كل مراحل تاريخنا. إن أفكارنا هي التي تكون ميولاتنا الطبيعية وردود فعلنا وبصفة عامة كل جهازنا الذهني  الذي نرثه جيلا بعد جيل وتأخذنا شمالا أو جنوبا، وهي التي تدفعنا إلى الفوضى بدل النظام وإلا التفرقة بدل التجمع وإلى الحرب الأهلية بدل الوحدة المقدسة.

عندما لا ينسجم “الباطن”، لا يكون “الظاهر” سوى تنافرا واصطداما.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم