الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بين الفكر والسياسة 5 أين نحن مند الاستقلال؟  5) الأزمة

أين نحن مند الاستقلال؟  5) الأزمة

بقلم : نورالدين بوكروح                                                              

ترجمة  : نورة بوزيدة  

الحق الحق أقوله لكم، لن يغبر جيلكم هذا قبل أن تلحق بكم محن لم تعرفوا مثلها أبدا من قبل…” (المسيح عليه السلام)

الأزمة هي لحظة حق. في تلك اللحظة تنهار جبال رست على الورق وتتكسر التوازنات الهشة وتذوب الهويات المطموسة وتبرز للعيان كل الأفكار الخاطئة عارية من التنميق والتزويق. لقد أظهرت سرعة أزمة أكتوبر وعنفها 1988 عمق الداء ومدى سريانه في جسد الأمة وبأنه لا يتوقف عند الخلل الظاهر في النظام السياسي والاقتصادي والذي أوعز إليه المحللون ذلك الانفجار. بل كانت القنبلة من نوع آخر، قنبلة موقوتة كان من الحتمي أن تنفجر، مهما كان الوقت حيث أن مواد التفجير كانت كلها في موضعها منذ زمن طويل وكانت فقط تنتظر من يشعل فتيلها لتحرير طاقتها المدمرة.

يمكن لكل بلد في المعمورة أن يواجه أزمة ما في وقت ما من حياته الاقتصادية أو السياسية أو حتى الاجتماعية. وقد تكون أزمات مؤقتة أو دورية تنتج عن فقدان التوازن في العلاقات السياسية الداخلية أو في توزيع الثروات مثل أن تكون هناك مشاكل تنموية وبطالة وتضخم وتهميش طبقات اجتماعية لصالح أخرى، لكنها كلها أزمات تبقى في نطاق المعقول و

يمكن حلها وتفكيك عقدها لأنها لا تتعدى كونها مشاكل موضوعية ولا تتعدى على الإطار المؤسساتي واللغة والدين والهوية التاريخية الوطنية. لكن في المقابل، هناك أزمات مثل تلك التي عشناها تطرح المشاكل والإشكاليات كلها مرة واحدة ودون تمييز بين هذه وتلك لكنها في أصلها هي أزمة هوية ثقيلة وعميقة. إن هذا النوع من الأزمات هو أخطرها لأنها تدمر انسجام الشعب و سبب وجوده حتى.

وكانت أزمة أكتوبر 1988 من هذا النوع بالذات إذ تزعزعت أسس الجزائر وتصدع كيانها وكادت أن تزول كل مكونات جيناتها الحيوية حيث كل شيء فيها  بات محل رفض وتساؤل وتصادم وتقاتل بمئات الآلاف (اللغة، الدين، الوحدة الوطنية، المؤسسات، المدرسة…) لم تكن تلك أزمة فحسب بل كانت محاولة انتحار جماعية. وما خلاصة القول عندما يردي أول انتخاب حر مؤسسات الدولة طريحة؟ وعندما يعمي أول دجال يخرج من العدم ملايين القلوب بصراخ عدمي وعبثي؟ خلاصة القول أن ذلك البلد في الحقيقة لا حقيقة له.

نعم، كان من الخطأ أن نظن أنه ما دام لدينا ترابا مشتركا ودينا واحدا وأصولا واحدة ولغة واحدة وثروات اقتصادية هامة لكي نشيد دولة وأمة بتركيبتهما المعقدة. إن كل تلك العوامل ضرورية لكنها غير كافية حيث يجب قبل كل شيء “العامل الحيوي” ومزود مليء بالإرادة وديناميكية قوية ونظرة على المدى الطويل وخطاب صريح ومخلص وواقعي وعقلاني. وهي كلها أشياء غابت عنا ولم نرى منها طيفا بل كل ما قيل وفعل هو عكس ما يؤسس دولة وأمة.

عندما تم تحرير باريس في سنة 1944، التقى الجنرال ديغول الرئيس الفرنسي آنذاك، ألبير لوبران (Albert Lebrun )، وعندما تفارقا، عبر عن الانطباع الذي بقى لديه عن الرجل بكل شفقة :” في واقع الأمر وبصفته قائد دولة، كان ينقصه شيئان : أن يكون قائدا وأن تكون لديه دولة.” ولو فكرنا نحن في الجزائر، كم من الرؤساء الذين كانوا على رأس دولتنا دون أن يكون مؤهلا لذلك؟ ألا يمكننا أيضا أن نطبق تلك المقولة على شعبنا، ونحن نعرف أن الشعب هو أول مكون الدولة؟ يمكننا القول أنه ما دام الشعب مزيفا والدولة مزيفة، فلا عجب أن يكون رؤساء الدولة مزيفون.

إلى أن انفجرت الأمور في أكتوبر 1988، كان الجزائريون يجهلون كل شيء عن حقيقتهم. كان ممنوع عنهم معرفة أنفسهم والنظر في ملامح وجوههم في المرآة، كما كان ممنوعا عنهم أن ينظروا في أعين بعضهم البعض وأن يعرفوا بعضهم البعض بواسطة الصحافة والأحزاب السياسية. لم يعرفوا شيئا عن تدينهم الخارجي وكانوا بعيدين عن تصور حجم الرشوة (قضية 24 مليار دولار)، ولا مدى تدهور نظام التربية الوطنية، وأكثر من ذلك، لم يعرفوا أن الشعور الجهوي أصبح قلاعا عالية وبأن التطرف الديني قد أعد لهم جحافل الموت وبأنهم كانوا يعيشون فوق فوهة بركان دون أن يعوا بخطورة وضعهم.

في عشية الخامس من أكتوبر1988، تفتت تمثال الملح التي لمسته قطرات الماء وذابت أسطورة الجزائر السعيدة الوفية لثوابتها والواثقة من التوازن الذي كانت تظن نفسها خالدة فيه. لكن لم يكن ذلك التاريخ سوى البداية. بداية مأساتها. فبين أكتوبر 1988 وديسمبر 1991 –قبل الانتخابات التشريعية)، اكتشف الشعب الجزائري الخندق تلو الآخر، اختبأ فيه جزء من الشعب، حاملا كالعلم تناقضه مع الآخر ورفضه للآخر وعداوته للآخر. كان كل المتخندقين يخفون عن الآخرين خصوصيتهم ونزواتهم ونزعاتهم، فبقيت سرية ومخفية ومسكوت عنها، لكن، عندما أخرجت إلى العلن، فهم الجميع أن الهوة عميقة والخندق لا يمكن ردمه بل ولا يرغب في ردمه، فالكل كان مجبرا على اختيار معسكره وإبراز “هويته” الحقيقية و”مشروع المجتمع” الذي يؤمن به وتوجهه السياسي.

قبل أكتوبر، كان بإمكان كل واحد منا الخروج إلى الساحة العمومية وقد لقم أظافره ولجم عيوبه لكي يخفف من حدة المواجهة مع الآخرين، فكانت الضربات بالتمويه والخدش السطحي، أما بعد ذلك التاريخ، صار الواحد منا يخرج للعلن بكل ما يملك من قوة قاتلة ويشهر في وجه الأخر سيفا قاطعا قاتلا. لم يعد الأمر بأن يرى الآخر اختلافنا عنه، بل نوريه إياه كسلاح للقضاء عليه يوما إن لم يخضع لرغبتنا من توجه ديني أو سياسي، وإن لم يتقمص شخصيتنا عن اقتناع أو من دونه. وهنا اكتشف الجزائريون بدهشة كبيرة أنهم لم يصقلوا في نفس القالب ونفس النموذج. لقد كان تأثير العائلة والجهوية والدين أكبر من تأثير المدرسة والخطاب الأحادي الرسمي.

وفي ليلة 26 ديسمبر1991، انهارت أسطورة ثانية كانت تفيد أن الجزائريين كلهم ضد السلطة والحزب الواحد والرشوة وعدم الكفاءة وبأنهم كلهم يسعون إلى العيش في ظل الديمقراطية و نعمة الحرية ونشوة عهد جديد. لكن ذلك لم سكن سوى أسطورة أخرى. فالجزائريون خرجوا من انتخاب ديسمبر 1991 مشتتين أكثر من ذي قبل وبأنهم لا يريدون العيش تحت نفس القانون وفي نفس الزمن وبنفس المؤسسات. جزء يريد اللائكية والجزء الآخر يحلم بالدولة الإسلامية. هكذا أجاب الجزائريون بالنفي في أول مناسبة يجيبون بحرية على السؤال : هل تودون العيش مع بعض؟ لا وألف لا !!!! فزلزلت الأرض تحت أقدامهم وتهاوت الصخور من سفوح الجبال على رؤوسهم وذاب جليد القطب الشمالي وأحدث تسونامي مسح الجزائر الأسطورة.

وإن كانت مسائل الهوية والإيديولوجيات أول ما فرض نفسه في حلبة العراك، فإن ذلك يعود لكونها هي الأسس التي تبنى عليها أعمدة البناية وهي التي تستوجب العمل الأكبر والعناية الفائقة. لكننا لم نكن متعودين على تحمل مثل تلك النقاشات بكل ثقة في النفس وبكل مسؤولية ولذا سريعا ما تحول النقاش إلى اصطدام أفرغ كل واحد منا ما في “شكارته” من إحباط ومطالب و”فهامة” مرة واحدة وبدون سابق إنذار عن جدول الأعمال. فانهالت على مسامعنا ومرآنا كل المواضيع التي لم نكن نسمع عنها في الساحة العامة من اسلاموية وأمازيغية ومطالب نسائية ومطالب مهنية وشارك الجميع في ذلك من أحزاب وجمعيات ونقابات، الرجال والنساء والجيش والزوايا… كان الجميع يمنح الحق لنفسه، فارضا نظرته على الآخرين وساعيا إلى اكتساب مزايا ومكاسب على حسابهم…

وهنا لم يعد أحد مقتنعا أن الأزمة الاقتصادية هي سبب الأزمة ولا حتى الأزمة السياسية وفهم الجميع أن “القضاء على السلطة” كان هدفا ثانويا اتفقوا عليه كوسيلة ومطية لكن ما بعد ذلك هو المشكل حيث أن الاختلافات كانت قوية إلى درجة لا يمكن العودة بها إلى دائرة النقاش والتفاهم والتوافق. الجزائريون لم يكونوا حاملين لنفس المشاريع المجتمعية ولا نفس الأحلام والرموز ولا حتى نفس المصالح. بالأحرى لا يشكل ذلك مشكلا في حد ذاته بل كان الخطر يكمن في كون لا أحد من الأطراف يبحث عن حل شامل للجميع بل يجري وراء حلول خاصة لصالحه وعلى حساب الآخرين.

لأننا لم نصنع الجزائر بأحسن وجه، كادت أن تتلاشى من وجه الأرض. بعد أكتوبر 1988، ظهر للعيان أن كل شيء فيها جديد وهش، حتى أننا لم نجد ما نشد عليه بالنواجذ لكي لا تأخذنا أمواج الطوفان. تفرع كل ما كان ملصوقا “بوزهرون” وما كان مربوطا “بالحشيش” و بـ”شوف تراش” وسقط القناع عن وحدة وطنية حشوناها بالأكاذيب بدل أن نملأها بالمعاني السامية والأساليب الأخلاقية والوجهة التاريخية. لم تكن تنقص سوى الفتيلة التي ستضرم النار بين تلك التناقضات وحضرت في شكل التعددية وحرية التعبير. قد نصدم بهذه الحقائق لكنها الحقائق كما عشناها وكما صدمنا بها. وكما يقول مثل فرنسي: “لا تنام إلا على الفرش الذي أعددته”، ونحن نقول بلغتنا الشعبية “لا نغطي الشمس بالغربال”.

كان دستور 1989 ظاهريا استجابة للمطالب الشعبية بالدخول في مرحلة جديدة من حياتهم السياسة لكن الأزمة التي ظهرت مباشرة بعدها بينت أن التشكيلة السياسية الجديدة كانت مرة أخرى مجرد عالم مزيف مفبرك ومليء بأشباح الماضي. فعاد إلى الوجود كلا من المشعوذ و”الطالب” و الطبيب التقليدي الكاذب والسياسي الشعبوي الديماغوجي ولوثوا المشهد السياسي والفكري الجزائري مرة أخرى بأكاذيبهم المختلفة و الكثير منهم محى من ماضيه ما يشوه الصورة الجديدة التي يريد الظهور بها أمام المجتمع وكان من بينهم حتى من غير اسمه وزيه واشترى “إجازته” من الشرق أو “ديبلومه” من الغرب ضنا منهم كلهم أنه بهذه الطريقة من السهل الوصول إلى الحكم. وفي الحقيقة لم يتعدى الأمر كونه تغيير شر بشر آخر، وجهل بجهل آخر واللاعقلانية بالشعوذة. إن مجتمعا، مهما كان، لا يتأسس على مسلمات الجهوية والعشائرية والشعوذة الدينية وإنكار الآخر وعلى التناقضات والتعصب وغياب التسامح. بل يتكون المجتمع على أسس تقضي بالقضاء على كل تلك الميولات القاتلة والانتماءات البالية والتصورات الفاتكة وهتكها ثم نسيانها إلى الأبد.

يعلمنا الطب أن جسم الإنسان عبارة عن “أمة بيولوجية”. ويمكننا قلب الصورة ومقارنة المجتمع بجسم الإنسان الرائع الذي يعيش بفضل تكامل ملايير الخلايا وتناسقها، تعمل كلها في نفس الاتجاه، أي إبقائه على قيد الحياة أكثر وقت ممكن في أحسن الظروف. لكن الفرق بين الجسم والمجتمع هو أن الجسم يملك طبيعيا ومنذ تكوينه جهازه المناعي والدفاعي، بينما على المجتمع أن يكتسبه حسب الأوضاع التي يواجهها خلال نموه وتطوره وتطور الأحداث حوله. قد تظهر في المجتمعات الحقيقية اختلالات أو أمراض مثل البطالة أو الإجرام، لكنها تستطيع التغلب عليها وتصلح الخلل فيها  لأن جسدها منيع. أما في تجمعات أخرى ليست بمجتمعات حقيقية تظهر أيضا الأمراض نفسها والأزمات ذاتها إلا أنها لا تملك مناعة المجتمعات الأولى.

لم يكن من حقنا الولوج في الشرخ الذي فتحته اختلافاتنا إلا بعد أن نتحقق من صلابة ما نشترك فيه من توجهات ومصالح…  إن الرجال يختلفون كلهم في الجينات لكن عبقرية المجتمع تكمن بالذات في التمكن من تسيير تلك الاختلافات من خلال التربية والقانون وتحويل قدراتهم على الإساءة لبعضهم البعض إلى خزان من المشاعر الإيجابية التي تدفعهم إلى العمل سويا وإلى التكافل الملموس في حياتهم اليومية. وعندما نسمع قولا مثل “الطيور على أشكالها تقع” نفهم منه أن الطيب يعيش مع الطيب والسيئ مع السيئ، لكنها مقولة صحيحة رياضيا ويمكننا أن نقول: “ما لا يشبه بعضه ينتشر بعيدا عن بعضه”.

نحن ما زلنا في مرحلة التعلم. فنحن نتعلم كيف نجتمع في الأماكن العامة وأن نتعرف على بعضنا البعض وأن نحسب طول وعرض اختلافاتنا بسبب تكوننا في مدارس فكرية مختلفة. إن ما عشناه هو ممر يعتبر جزء من سلسلة العمليات التي تمر بها المجتمعات لتتكون. والجزائر الآن هي في طور التكوين مثل الأمم التي قامت بالمثل في الدم والدموع، وسيأتي يوم نضطر فيه جميعا على الاقتناع بأنه محكوم علينا قبول كل واحد منا وبأن نضع على الدوام بدل التناقض التفاهم وبدل التحارب التناغم. إننا الآن في مرحلة التدريب على تكوين دولة نعيش في كنفها ونحضر أنفسنا لنصبح أمة تحمينا من تشتتنا ونحن نتفاوض على العقد الاجتماعي الذي سيتجسد غدا في دستور ومواد وقواعد وحواجز وحقوق وواجبات كل واحد منا. إن الدساتير تكتب بمداد أحمر تشتريه المجموعة التي ترغب أن تصبح مجتمعا بالثمن الغالي والمدفوع مسبقا.

المجتمعات مثل الكائنات الحية، تولد بالأوجاع وتكبر بين مخاطر تهددها ولا تصل إلى سن الرشد إلا بعد الكثير من المحاولات والإخفاقات، والدروس والأخطاء. لكن، عكس الكائنات الحية، يمكنها أن تغير مجرى النمو الطبيعي حيث يمكنها أن تمهله أو تسرع به إلى أن تتحكم جيدا في زمام مصيرها لأنها حتى وهي قد بلغت درجة كبيرة من الإنجاز، فإنها قد تتعرض لتأثيرات خارجية قد تغير نمط تفكيرها وحسها الجماعي واضطرابات قد تكسر التوازنات التي نجحت في إرسائها وتسلل الشكوك في أذهان أفرادها بصفة دورية، هذا حتى عندما تبدو كل الأمور ثابتة ومتزنة. وفي الخلاصة، نقول أنه لا يوجد مجتمع في الدنيا حقق النمو والتطور إلى الأبد، فالمجتمعات خاضعة لقانون التغيير الذي يفرض عليها بين الفينة والأخرى ضرورة التكيف لمعطيات جديدة تظهر بين المجتمعات الأخرى وإن اختارت الإبقاء على نمطها القديم  تفقد معناها في الوجود كمجتمع.

في عالم البيولوجيا لا يعد أن يكون الإنسان سوى نوعا من بين الأنواع الحية المتواجدة فوق الأرض ومثلها لا يتواجد فوق الأرض إلا لتأدية دور ووظيفة منوطة به. وعندما يتوقف الكائن الحي عن تأدية وظيفته أو يحرفها أو يغير هدفها تفقد معناها وتندثر وتضمحل. ويحتاج الإنسان إذن أن يعلم لما هو مخلوق وينعم بالحياة ويرسم معالم غده ومستقبله. ولا يتحرك الإنسان ويمضي قدما إلا إذا تحققت وحدة ذاتية (فكرية وروحية) بين كل الأفراد، لأنه الوقود الوحيد الذي يسمح لهم بالعمل جماعيا والتناسق الكفيل بضمان بقائهم وديمومتهم وتطورهم.

إن هذه الوحدة الذاتية هي نوع من الفوز على نفسيات كل واحد منا، وهي تعويض الحس الفردي بالحس الجماعي، والمصلحة الخاصة بالمصلحة العامة، والتنافر بالتجاذب. إنها وحدة تتغذى من طاقة قد نسميها إيمانا أو تحفيزا أو إيديولوجية… وهي الطاقة التي تدفعنا إلى التفكير في هدف مشترك مثلما يحدث تماما في عالم البيولوجيا. وعندما يفقد الهدف من قوته في تحفيز الجماعة ودفعها إلى الأمام، تتفسخ الإرادة الاجتماعية ويضمحل الحس الجماعي، وهذا يعني أن ذلك الهدف كان صالحا لفترة معينة فقط ولمرحلة واحدة فقط مثل أن نتفق على الحصول على الاستقلال من استعمار ما.

إن الجزائر الحالية هي نتاج مقاومة دامت قرونا وألفيات لعدة استعمارات وهي وليدة رغبة عارمة وأزلية للعيش في حرية وكرامة وعدل وأصالة. لقد قاوم الجزائريون لكل الهجومات وتقلبات الزمن بفضل مخزونه الأخلاقي والمعنوي حيث وجدوا فيه زادا غنيا عندما حان الوقت في كل مرة للمقاومة والثورة، إلا أن ذات المخزون هو الذي منعهم من التوافق فيما بينهم والانكماش على دوارهم وعشيرتهم كل ما خذلوا بعضهم البعض. لكن اليوم يمكننا استعمال هذا الزاد لإتمام بناء الأمة الجزائرية لأنها وعكس ما يظن غالب الجزائريين لم تبنى بعد بل هي ما زالت مشروعا علينا الاجتهاد في تحقيقه إلى نهايته وإرساءه على أسس صلبة منيعة.

الأزمات نصوح. إن العاصفة الهوجاء التي كادت أن تقصف إلى الأبد بوحدتنا الوطنية أبرزت للجزائريين الأهوال التي ستلحق بهم إن هم فقدوها ومعها إطارها المؤسساتي. وفهموا كم هو خطير أن يلجئوا إلى القوة للاستحواذ على السلطة والدخول في الفوضى. ولهذا ورغم كل ما عرفوه من تقتيل وإفقار وفقدان عملهم والإهانات الخارجية إلا أنهم صمدوا لابتزاز الإرهاب.

وبصمودهم لتلك المخاطر، وبدون أن يشعروا، حدثت فيهم تحولات وتغييرات نفسية حيث فهموا أن الشعوذة والشعبوية لن يذهبا بهم بعيدا اللهم سوى إلى الجحيم وقد عاشوا من أهواله الكثير، وهم اليوم يتوقون إلى العيش في ظل أمة  صلبة ومجتمع يحكمه القانون واقتصاد حقيقي ودولة قوية عادلة يحترمها من في الداخل ومن في الخارج. اليوم، يبدو وكأن غريزة البقاء تدفع بالجزائريين إلى التقارب والتكاتف. قبل الأزمة كانوا يعيشون في سلام ودون أن يفكروا وكأنه من طبيعة الأمور أن ينعموا ببلاد شاسع و مناخ متنوع ومناظر خلابة، وسماء زرقاء فريدة وشمس ساطعة، وهم مجبولين على محبة العالم بطبعهم. أما بعد الأزمة، فإن نظرتهم باتت تحمل حيرة من أمرهم، ما زالوا يبحثون عن أسباب ما حدث لهم.

أما اليوم، فإن القضية الكبرى تكمن في كيف يمكننا أن ننسق الجزائريين فيما بينهم، كيف نجعل من 40 مليون جسيمة جهازا واحدا يعمل ككيان واحد ويوظف لمهمة واحدة، كيف نجعلهم يتشابهون ويتناسقون داخليا ويبدو ذلك على ملامحهم الخارجية، يحملون نفس الأهداف في الحياة ويقبلون الموت من أجل نفس القضايا. ليس المجتمع مجرد تجمع أشخاص وأفراد فوق متسع من الأرض، بل هم تكتل تجمعهم قيم اجتماعية وقوانين ومؤسسات، إن المجتمع محيط حيوي تختلط فيه المصالح وتضمن فيه كل الوظائف الحيوية من إنتاج وتوزيع وعدالة وتربية وأمن من قبل أفراد المجموعة بتبادلهم باطراد الأفكار والمواد والخدمات ويخلقون بالتالي توازنات تسمح لهم كلهم بالعيش في ذلك المجتمع في رفاه واطمئنان. إن أكبر دليل عن وجود مجتمع هو قبول كل جيل يأتي إلى الدنيا بتلك القوانين ولا يطالب كل واحد منهم مع أول صراخ له على وجه الأرض أن يغير العقد الذي اتفقت عليه الأجيال السابقة. إن المجتمع مثل شركة تأمين السيارات التي تضع مواد عامة وشاملة وغير مشخصة لكي يقبل بها أكبر عدد من السائقين الذين يقبلون بها ويمضون عليها بعد أن يدفعوا الثمن دون قراءتها حتى لأنهم يعلمون أن الشركة لن تخدع ثقتهم.

سيعيش الجزائريون مع بعضهم البعض عندما يصبحون مجتمعا منسجما، تتداخل فيه مصائر الأفراد بعضها ببعض. فالهدف هو جمع القطع المتفرقة التي بقت مبعثرة في الماضي لكي تصبح كيانا واحدا ينتح التنمية ويعمل على توحيد الوجهات بدل أن يعمل الفرد ضد الجماعة والجماعة تتشكك منه. الهدف، في كلمة واحدة ووحيدة، هو تكوين فرد اجتماعي يعيش في مجتمع منسجم.

 

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم