الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بين الفكر والسياسة 5 أيها الزمن ! أيتها الأخلاق!

أيها الزمن ! أيتها الأخلاق!

كُتب هذا المقال في بداية السبعينيات، حيث سادت الأيديولوجية ” التقدمية ” (الاشتراكية الماركسية)، ينقد الكاتب فيه سلوكات مشينة صدرت عن بعض مُتبني هذه الإيديولوجية في شهر رمضان، و في مكان يفترض أنه صرح لتخريج النخب، ليختم نقده بتساؤل حول الإصلاح الأخلاقي و الثورة الثقافية في الجامعة، هذه الأخيرة التي لم ير أن حاجتها تقتصر فقط على إصلاح التعليم العالي .

بقلم:نور الدين بوكروح

ترجمة: ساعي عايــــدة

أريد أن أقص عليكم اليوم حكاية عن شيء من قلة التهذيب، تصرفات حيوانية فضة حدثت في مكان طريف، وأقول طريف لأنه من غير المتوقع أن يعيش هكذا أحداث على اعتبار أن الآمال تُعقد عليه، والنخب تتخرج منه.

اشتهر الشعب الجزائري بإيمانه و بارتباطه الوثيق بالإسلام.لكن هذه السمعة قد يُطعن فيها نتيجة التصرفات السيئة لبعض “الشجعان” في الحرم الجامعي.

في أول يوم من أيام شهر رمضان و في قاعة من قاعات المحاضرات، حضر حوالي ثلاثين طالبا و طالبة الدرس الذي يقدمه أستاذ إسباني، و إذا بصوت فرقعة عود ثقاب يكسر الصمت و قد أطلق صاحبه أول نفس سيجارة مشتعلة بكل فخر ثم وضع علبة السجائر على الطاولة بشكل جد طبيعي.لم يحدث شيء، و استمر الدرس في نفس جو ما قبل الواقعة، لا ملاحظة مُعنًّفة، و لا نظرة ناقدة رغم غرابة الأمر. في موقف مشابه، كان للسيدة، التي كررت نفس التصرف، كل ما يدعوها لتكون مرتاحة البال، فلابد من القول بأن التحرر في نظرها ليست كلمة بلا معنى.

في مدرسة (عليا!)، دخل مدرس شاب بطريقة ملفتة، استهل أول دروسه و السيجارة بين شفتيه.لم يكن طبعا المدخن الوحيد بين الطلبة و الأساتذة (حتى من غير الجزائريين)، لكنه الوحيد الذي يدخن أثناء الدرس.تجرأ أحدهم على أن يبدي له، بلطف و رغم صعوبة الموقف، ملاحظة أن هذا الأمر غير لائق، فقوبلت ملاحظته بغضب شديد و سيل من المواعظ و الخطابات حول الحرية الشخصية.

في موقف آخر، أوسع أحد الطلبة حاجب مدرج الكلية ضربا، بعد مشادة بينهما عندما ترجى العامل مخالفه كي يذهب بعيدا عن القاعة لأخذ سيجارته، و الذي رفض رغم وجود اللافتة “ممنوع التدخين”.كان رب العائلة المسكين نحيفا لبؤسه، فهذا كل ما تركته له السنون التي أمضاها في الكدح.

يقترب شهر رمضان من نهايته، لم يعاني في أي مكان ما عاناه في الجامعة، وليست نيتنا هنا هي عزل هذا المكان الثقافي الراقي، لكن لا يمكننا السكوت على هذه التصرفات، دون المطالبة بمساواة كاملة بين المعتقدات، علينا أن نتمسك بحقوقنا خاصة في أن نُحترم.

التقدميون أو بالأحرى” ذوو الذهون”- بالعودة للكلمة في اللغة الفرنسية« pro-graissistes » – فقط هم من يسمنون بإراداتهم في فترة ” الجوع” هذه، يمكننا التنازل في حدود، بالقول أن هذا حقهم. لكن عليهم فعله في الخفاء بعيدا عن الأعين كأبسط واجب عليهم، (هذا في حالة كون ما يفعلونه ناتج عن بعض المعتقدات السامية لديهم لا مجرد استفزاز)، فهل هذا المطلب خارج حقا عن حدود قدراتهم؟

أنا لست صرحا للتقوى و الورع، و الأمر لا يمسني بشكل خاص، كما أني لا أثور و أتأثر من عدم، لقد عشت أشهر رمضان عديدة ورأيت كل ما رآه الجميع: الدين لا يضيّق على أحد، فالفرائض الدينية لها عقوبات واضحة لمخالفيها في الإسلام، و كلّ حرٌّ في أفعاله، و ليس على أيّ كان أن يفرض وجهة نظره على الغير.لقد علمتني أشياء أخرى كنت قد نسيتها، لكن ذاكرتي احتفظت بجملة أعزو إليها فضائل عظيمة إذا جُعل منها قاعدة للسلوك:” أن تكلّف و تلزم نفسك بنفسك هي أولى الأشياء التي علينا تعلمها” هي عبارة بسيطة، أساسية و أشير عمدا إلى كونها للفيلسوف المادي ديديروت Diderot، لكن، كما يبدو في أيامنا هذه ،أنه ليس من المستحسن مطالبة الناس بالتضييق على النفس (في معناها المعنوي) لأنه سيطلع علينا أكيد من سيسمنا بألقاب كـ”المكبوت” أو “المختل”.

سيداتي سادتي أنتم متهمون بعدم الاحترام و بالسلوك الحيواني الصارخ، أنا لا ألومكم على عدم الالتزام بفعل ما يفعله الجميع، لكن ألا تتفقون معي أنه ليس لأنكم لا تؤمنون، تمنحون لأنفسكم حرية إهانة الآخرين بالمظهر الوقح الذي تعلنونه؟ هذا غير لائق.هناك ألف أسلوب ليثبت الشخص نفسه، ليبين أنه فريد و مستقل. يمكنني أن اقسم سيدتي لو أن أحد المتعصبين تجرأ و تدخل فيما لا يعنيه، لكنت وجدت في موقفه، وأنت المتغطرسة صاحبة المكانة المحترمة، مادة دسمة لفضيحة مدوية، و الفرصة لتظهري له ” خضوعه لممارسات ناتجة عن الجهل”.

ألم تكوني و الحالة تلك في قمة السعادة، و أنت تضعينه في موقف مخجل و تعطينه درسا قاسيا؟ المفروض أن يكون الواحد منا تعيسا، لأنه لم ينبه النفس بالقدر الكافي و يكبحها عن اللهث خلف هذا السلوك الوضيع. لم يكن الأستاذ ليجرأ على التدخين لو كان الحضور مسيحيين صائمين، كان سيتمالك نفسه، و لم لا كان يمكن له أن يشاركهم الصيام ليظهر تفهمه، من يعرف…

أشعر بالخجل من أجلكم، مع إدراكي أنكم و بتواجدكم في الجامعة فأنتم تودون تشريف هذا الحرم.

أيضا من المناظر التي نراها دائما، منظر بعض الشركاء المعتمدين الذين يشكلون جزءا من الأسوار و الديكور الطبيعي لمدخل الحرم الجامعي.هم هناك دائما مستلقون في الشمس، فكل من يدخل لن يفوته مشهد الخمسة عشر “مفكر”، والذين يتوسدون الرصيف طولا وعرضا أو على جنوبهم خائفين من السقوط في النسيان و التجاهل. أما أبسط  التفاصيل مع نهاية هذا الشهر الحبيب، الذي استجاب لحاجات الجميع، لمن يود الظهور و استعراض حريته ، و لمن يرغب في ممارسة عبادته على حد سواء، أنّه يجعلنا نتساءل هل إصلاح التعليم العالي هو الحاجة الوحيدة في الجامعة : شخصيا أفكر في الإصلاح الأخلاقي، و الثورة الثقافية، من سيتولى إدخالهما إليها ؟

جريدة “المجاهد” 9 نوفمبر 1971

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم