أي مستقبل للإسلام؟

بقلم نور الدين بوكروح

ترجمة فرحات بوزيان

 

غداة الحرب العالمية الاولى، نشر المفكر الألماني ، أوزوالد شبنغلر Oswald Spengler ، كتابا رغم انغلاقه الشديد و تشدده الصريح، هز الرأي العام الذي لم يزل بعد في فترة النقاهة من اثر الصدمة المعنوية والمادية التي أصابته من جراء ثورة أوروبا ضد نفسها، كما كان الحال قديما في حرب البيلوبونيز التي اصطّفت فيها المدن الاغريقية ضد بعضها البعض في مواجهة انتحارية شاملة. لقد تمت ترجمة العمل لأول مرة من الالمانية الى الفرنسية سنة 1933 (Gallimard, Paris,1933)من قبل احد أصدقاء المفكر الالماني ، وهو الجزائري محند تازروت، تحت عنوان” سقوط الغرب، نظرة اجمالية عن تشكل التاريخ”. Le déclin de l’occident: Esquisse d’une morphologie de l’Histoire

أراد شبنغلر منذ الاسطر الاولى من كتابه أن يشير الى الطابع العلمي و الاستثنائي لعمله، فنجده يتحدث بنفس النبرة التي تحدث بها ابن خلدون سنة 1377 عندما بدأ في كتابة ” المقدمة” في مدينة بسكرة الجزائرية فقال: “هناك لحظات معينة في التاريخ،قوة التحولات فيها تعطينا انطباعا أننا نعايش نشأة جديدة، نهضة حقيقية و بداية بروز عالم جديد، و هكذا هو الامر في الساعة الراهنة، و حتى الحاجة تشعرك أن أحدا ما على موعد مع التاريخ لتغيير أوضاع البشرية “.

لم يرى شبنغلر في تنبؤاته الكارثية سوى نهاية الحضارة الغربية التي اعتبر انها تقف على “ارضية انتهت روحيا” ” كما كان قد رأى ان الاسلام” على أبواب تفكك شامل”. لكن فيلسوفنا بقدر ماهو واع باستبدال ” نظام بطليموس” الذي سرى مفعوله إلى عهده بـ”اكتشاف كوبرنيكي”، بقدر ما بقي رهين فلسفة التاريخ التقليدية، خاصة رؤية هيجل الذي يرى استحالة العودة، أي” نهضة” الثقافات الكبرى التي تحققت و تحولت إلى حضارات.

لكن كيف سيكون شعور شبنغلر اليوم، وهو يرى الغرب أكثر قوة من أي وقت مضى تملؤ حضارته و قوته كل العالم ، و مشهد تقدم مستمر لإسلام رغم ما يحمله من ثقل ستة  قرون من التخلف؟. كيف ستكون ردة فعله اتجاه اليابان، الصين وحتى اسرائيل ،و هي ثلاث ثقافات قديمة عادت الى التاريخ في زيّ غربي؟ و هو الذي كان يعتقد جازما بـفكرة ” الانفصال المطلق للحضارات بعضها عن بعض”.

جاء بعد شبنغلر( الذي توفي سنة 1936) مالك بن نبي ، و توينبي Toynbee، اللذان لم يتناسيا التطورات السريعة للتاريخ التي كانا شاهدين عليها ، كما أدخلا آخر النتائج العلمية في تحليلاتهما و التي عوضت ” الاسباب الطبيعية” التي كرست في عقل لوكراس Lucrèce و ابن خلدون فكرة موت الحضارات بـ”الأسباب العرضية”، و كأن هذه الاخيرة أمراض نقص المناعة في اجسام المجتمعات التي تسبب  تفكك نسيجها الاجتماعي فتنقض خيوطه انكاثا.بالنسبة لكليهما تتوقف حضارة عن النمو و التقدم ،بمجرد ما يطعن في منظومتها القيمية (Ethos) التي تؤسس ذاتيتها وأناها، حيث يتوقف الأفراد عن الاعتقاد في الأشياء نفسها ،العمل للصالح العام ،الثقة في النخب الفكرية والسياسية ..وعندها تنتشر الفرقة والانقسام والبحث عن المصالح الخاصة وضياع الحس الجماعي، هنا يفقد التجمع البشري المعني ديناميكيته الاجتماعية تدريجيا ، روحه الجماعية، و تناغمه الاقتصادي، فينهار يتراجع و يفقد البوصلة ، ثم يسقط في التخلف.

لكن، بالنسبة للاثنين،اي توينبي و بن نبي، فإن الاقلاع نظريا و تقنيا يبقى دائما ممكنا، كما أنه يمكن لأمة أن لا تعرف ابدا الحضارة و لا التطور أن تبقى في الوجود ملايين السنين.

من جهته عبر رينيه غوسيه  René Grousset بطريقة أجمل عن مغامرة الحضارة الإنسانية حيث كتب في “حصيلة التاريخ”« Bilan de l’Histoire »  يقول:”كانت الإنسانية ، و عبر محاولاتها اللآمتناهية تسير مرحليا نحو مثالية جديدة، و انتهت بالوصول إليها، و تحقيقها في نجاحات قصيرة و فردية، لكن عوض أن تتمسك بها ، فقد خربتها فجأة، تركتها وراحت تغامر بلا مسار و لا دليل، حتى يتراءى لها في الأفق خطة مجتمع آخر متكامل فتهرع نحوه لتقيم بنيانه”.

بدأ مفكرنا مالك بن نبي، من خلال تشخيصه القوي، يبحث عن “شروط النهضة ” للعالم الاسلامي، بينما يكتب توينبي بشكل أكثر تحفظا فيقول في كتابه” الحضارة على المحك”« La civilisation à l’épreuve »  : “يواجه الاسلامُ الغرب مرة أخرى،لكن حالة الاسلام هذه المرة أكثر خطورة و حرجا مما كان عليه حينما كانت الحروب الصليبية على أشدِها، لأن الغرب لا يتفوق فقط عليه بالسلاح، ولكنه يسيطر عليه أيضا بتقنيات الحياة الاقتصادية ،وفضلا عن ذلك بثقافته الروحية ، تلك القوة الداخلية الوحيدة القادرة على خلق و مساندة كل المظاهر الخارجية لما يسمى بالحضارة “.

في الحقيقة ، الإسلام لا يواجه العالم ، بل يواجه نفسه وأتباعه، انه لم يعد في صراع مع أحد، بل مع نفسه فقط،حكام ضد مواطنيهم، حداثيون ضد تقليديين، دعاة تطبيق القانون المدني ضد دعاة التطبيق الحرفي للشريعة….فهو لا يطمح في اخضاع دولة أجنبية ، بل بالعكس هوالذي يخسر أقاليمه كما في فلسطين و السودان، فهو لا يبحث اطلاقا عن فتوحات جديدة لانه يعرف أن العالم صارمحكوم من القطب الى القطب، ومن اعالي الفضاء الى اعماق البحار.

لا يزعم الإسلام أنه يطمح لغزو اراض جديدة، لكن فقط، و هذا ما يحلم به، أن يغزوا القلوب والنفوس . إن الاسلام كما وصفه هيجل في كتابه” العقل في التاريخ”: ” أسمى إدراك للتوحيد ” يريد أن يقترح نفسه منهجا روحيا لعالم في طريقه الى التوحد. و الآية القرآنية واضحة في الحث على إيجاد هذا الأخير، بحيث يكون منهاج حياة مشترك:”وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ”.(العنكبوت، الآية 46).

ان المسلمين واعون بالتحولات التي تنتظر العالم الذي سيشهد أنماط حياة ليس لها سابقة في التاريخ، تتميز عموما بقيادة دولية فيدرالية، متحدة أو بصيغة اخرى ، ولذلك فهم يبحثون عن وسيلة يتكيفون من خلالها مع التطورات الجديدة، من دون أن يتخلوا عن معتقداتهم، أو أن يذوبوا في أنماط حياة وضعت أساسا لغيرهم، لكن أي هامش عمل في متناولهم؟ و ماذا بقى من الإسلام قابلا للتفاوض اذا رجعنا الى الأية الكريمة التي تقول “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا”( الأحزاب ،الآية 36).

الإسلام كلٌ لا يتجزأ، وعقيدته غير قابلة للذوبان في أي حداثة، فلا يمكن تقسيمه كما أشارت له الآية الكريمة:” أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ “( البقرة الآية 85)،لكنه أيضا رخص ويسر فها هو النبي صلى الله عليه و سلم يطمئن المسلمين  بقوله : “إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ ” وَكَانَ يَقُولُ : ” خُذُوا بِالنَّاسِ الْمُيَسَّرَ وَلا تَمَلُّوهُمْ”، و قد نقلت عائشة عنه قائلة: “مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا”.

نقول بصوت أعلى لنكذب تأكيد شبنغلر بخصوص خطر الزوال الذي يترصد الإسلام من وجهة نظره، ان هذا الاخير كان في نمو مستمر،لكن لنكون منصفين علينا ان نضيف كلمة “ديمغرافي” لأنه يبدو أن المسلمين اليوم قد خسروا كل المعارك التي خاضوها في العشريات الأخيرة ، سواء ضد اسرائيل ، أو ضد التخلف ، أو ضد الاستقرار السياسي..

إن الإسلام من الناحية الروحية مازال يستقطب الناس و في كل القارات ، الجنس الأسود و الأبيض و الأصفر، وكل الأعراق، يغزو قلوب الكبار كما يغزو قلوب البسطاء، العلماء والأميين، لكن تبقى مشكلته الجوهرية في النظام الوظيفي، منذ أن أوقف الأشاعرة حركة المعتزلة في القرنين العاشر و الحادي عشر ميلادي، أصبح الفكر الاسلامي مدرسة عقيمة لم تنتج الى اليوم رؤية بملامح مفكرين مسلمين على شاكلة ديكارت قادرين على تحرير الروح النقدية و الفكرية و يدفعون باتجاه فلسفة تنويرية توضح مسيرة الاسلام نحو آفاق لم يعرفها بعد و الذي ينتظر هذه النوعية من الرجال في الألفية الجديدة.

عندما تنبأ شبنغلر بتفكك كامل للإسلام، لم يكن بدافع العداء للإسلام ، بل بالعكس، فقد كان أقرب أصدقائه فكريا و إنسانيا مسلم جزائري، لكنه في الحقيقة، بين أسباب ذلك في مثل هذه الجملة ” الاسلام بصراحة هو عجز الأنا البشرية في أن تقف في وجه ما هو إلهي كقوة حرة ” .و ماذا يمكن القول إذا عرفنا أن ديكارت ، الرجل الذي يدين له الغرب بكل شيء ، كان مؤمنا يرى أن عليه واجب ” أن أطيع قوانين و تقاليد وطني، و أن أبقى دوما متمسكا بديني، و الذي بفضله ، جعل مني الإله متعلما منذ طفولتي”، وفي كتابه “رسالة في المنهج” يقول” أنه لابد من جعل الالوهية كقاعدة ،وسعادة الناس كهدف” فما الذي يمنع من ظهور مثل هذا الموقف في بلاد الإسلام؟

الأسئلة الكبرى التي تنتظر من المسلمين مراجعات وأجوبة ،و بعيد عن أي إلتباس، تعود بالأساس الى تنظيم الدولة و السلطات ، العلاقات الدولية (مع غير المسمين) ، فوائد البنوك، و قضايا المرأة …الخ.

وإذا تأملنا الطريقة التي نظم بها اليهود مجتمعهم داخل إطار دولة ثيوقراطية لكنها ليست أقل ديمقراطية و حداثة، نميل الى الاعتقاد أن تعاليمهم الدينية ليست متشددة كما هو الحال مع تعاليم الاسلام ، لكن الحقيقة أن القيود الموجودة في القران الكريم نجدها في التوراة و كمثال هذه الآية ” لا تزيدوا على الكلام الذي أنا اوصيكم به ولا تنقصوا منه شيئا،لكي تحفظوا وصايا الرب الهكم التي أنا اوصيكم بها”.(سفر التثنية، الإصحاح الرابع- الاية الثانية /Deutéronome, IV-2).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم