أي مشروع للجزائر؟

بقلم نورالدين بوكروح

ترجمة: فوضيل بومالة

ونحن في خضم الألفية الثالثة، وفي وقت نشهد فيه تراجع أُمم عتيقة معتزة بذاتها إلى حد الشوفينية، محاولة منها تجديد عقلياتها التي لم تعد تتماشى والعصر، حتى تدخل في أنظمة حياتية جماعية، اكتشف الجزائريون بهلع كبير انه ليس فقط الحاملة التي تنقلهم التي تعطلت، ولكنها تتصدع أمام ناظريهم المذهولة دون أن يجدوا لذلك تفسيرا واضحا.

وبالرغم من علمهم المسبق أن عالم الغد لن يقبل سوى الأمم المنضبطة الفاعلة داخليا المنافسة لغيرها إلى ابعد الحدود والناجعة للإنسانية، وبالرغم من شهادتهم الحية على إمبراطورية عظيمة وهي تتصدع وكذا بلاد تحتل مراكز محترمة تندثر هكذا فجأة، وبالرغم من رؤيتهم بأم أعينهم كل مساء احتضار قارة بأكملها تحت وطأة الحروب والمجاعة و السيدا، مازالت النخبة بين الجزائريين عامة تتساءل بكل مرارة عما إذا كان دورهم قد حان أو ربما الأوان قد فات، أو أن بلادهم قد أصبحت في المرتبة الدنيا لا يحسب لها حساب وليس لها مكان.

إن الجزائريين يعلمون أنهم يجلسون فوق فوهة البركان و أنهم وقعوا في شرك الدوامة ويستشعرون انه لم يبق لهم إلا القليل من الوقت حتى ينجو بأنفسهم أو يهلكوا، وذلك حتى يبنوا ملاجئ في الطبيعة يحتمون بها وإلا رموا خارج الكوكب، حتى يستجمعوا أنفسهم داخل كيان منسجم قادر على كفاية ذاته وحمايتها و إلا “أكلهم بوبي” حسب التعبير العامي الذي درج عليه الناس.

ولكن أصل الداء هنا! ما الحل وما العمل حتى يصبحوا كيانا كذلك الذي نتحدث عنه، بينما لم يعرفوا أبدا مثل هذه الانقسامات، ولم تعرف دولتهم مثل ذلك الانحطاط، واقتصادهم مثل ذلك الخراب؟

وهاهم ينظرون في جنباتهم ويعترفون دون عناء: “بالفعل لسنا دولة صلبة ومجتمعا متآزرا واقتصادا نشطا”ويزيدون على ذلك دون عقدة: ” لا توجد بعد الجزائر المنتصب بناؤها إنما هي في طور الانجاز دائما”. وليستنتجون وهم يعيدون مشاهدة شريط حياتهم بعد تعب كبير: “منذ ثلاثة ألاف سنة والورشة تشتغل وأجيال اليد العاملة تتعاقب عليها، ومواد البناء تحت وهج الشمس، ورغم ذلك لم تنتج الأشغال شيئا مستديما يذكر”.

لقد أن الأوان أن ينظر الجزائريون إلى حقيقة أنفسهم ويدركون أن الجزائر التاريخية ليست خلفهم كسند ومرجع ومكتسبات ولكنها أمامهم كتحد يجب التغلب عليه. إنها ليست واقعا قائما بذاته ولكن  مشروعا أبديا. و قد راودهم الشك في ذلك قليلا منذ أن تبين لهم أن كل شيء حديث، هش وغض ولا وجود لما يمكن أن يعض عليه بالنواجذ حينما تقع الواقعة وتربك أوصالهم.وعليه، فلن يكون النظر مستقبلا إلا من اجل الانجاز والعمل حتى يتسنى لنا رسم معالمها، ولا مجال لنا في أن نؤجل هذه المهمة ونحملها للأجيال المقبلة.

أمن حب الشعب والعطف عليه أن ندعه بين مخالب وضعية لا يجد لها تفسيرا فتنهشه؟ أمن خدمة المريض أن نتركه في جهل تام بمرضه وعلته؟ بالعكس، يجب إعلامه وتنويره وتوعيته للمخاطر التي تترصده وجعله طرفا رئيسيا في العمل من اجل مداواته، وخصوصا يجب بعث الأمل فيه.

إن الشعوب لا تتحرك إلا بدوافع نفسية تحميسية قوية… وحتى تتحرك، لا بد لها من هدف أسمى وتحد ورؤية للكون تبرر تضحياتها واستثماراتها النفسية والمادية على المدى البعيد…وحتى يسرعوا في حركيتهم ويزجون بأنفسهم في عوالم البحث عن قدرهم ويرفعون الجبال، لا بد أن تنفخ فيهم روح الوعي التراجيدي وترفع نفوسهم كي تتجنب كل ما من شانه أن يحيدها عن طريق الهدف المرسوم لها.وذلك ما حدث بين 1954 و1982 وفي بعض الظروف القليلة المماثلة في تاريخنا.

يجب على الجزائريين أن يستغلوا ما تبقى لديهم من طاقة ومن صفاء حتى يترفعوا عن خلافاتهم وانقساماتهم ويبعدوا عن أنفسهم روح الرعاع التي سكنتهم وليلتحقوا بجموع الأمم المتحركة والمنظمة سلميا..

و لأجل هذا كله، لا بد لهم من دواعي التكتل والترابط والقوة والاعتماد المتبادل والتوجه صوب هدف واحد عبر قنوات مشتركة ورص كل ما لديهم من اجل بناء هيكل وبناء متماسك قوي. وعليه، يجب وبسرعة تزويدهم باليات العمل والمناخ اللازم لذلك والاقتراح عليهم ا يشيدوا صرح مجتمعهم طبقا للقواعد المعمول بها عالميا من خلال مخططات دقيقة وواضحة و أكيدة. وبكلمة واحدة، لا بد لهم من مشروع للمجتمع، قانون للمرور، مخططا للإقلاع في جو لا يقبل الأخطاء والشطط  والانحرافات.

وفي الواقع، بدأت عملية انجاز المشروع المشترك في الفوضى وبدون أن يكون العد التنازلي مع أكتوبر 1988. وإذا كانت مسائل الهوية و الايديولوجيا قد طغت منذ البداية فذلك راجع إلى كونها تمس مباشرة القاعدة الأساس التي يراد إقامة الأعمدة والركائز التي تحمل البناء فوقها، لقد استيقظ الجزائريون مذعورين من جراء الأحداث الأليمة وراحوا يبحثون في أنفسهم بنوع من اللهفة عن مواقع الداء، وقد لاحظوا مع أول حركات حرة قاموا بها ان بهم شوائب خفيفة فسرت كونها نتيجة للاستعمال السيئ والمتواصل للأطراف التي تشكو من الوجع…وعليه، كانت كل الحواس والمرجعيات في استنفار تام، لأنها لم تكن متعودة على التكفل بالذات وتحديد مصيرها بنفسها..وراح الجزائريون يستعجلون في الكشف عن محتوى أحقادهم و مكبوتاتهم ومطالبهم وحتى ما لديهم من “فهامة”. وراح الكل وفي الوقت نفسه يضع مبدأه في جدول الأعمال: الاسلاموية، القومية، الامازيغية، الحداثة، اللائكية، النسوانية، الطائفية…وراح الجميع ينضم إلى ذلك: رجالا، نساء، أحزابا، جيشا، جمعيات، نقابات وزوايا…ولم يكن الأمر إلا في كيفية المحافظة على المصالح والقوى التي تحمي كل واحد أو في الوصول إلى أعلى الاعتبارات واحتلال أحسن المراكز الإستراتيجية أو فرض رأيه.

وفي الحقيقة، ما كان الأمر مدعاة للعجب لولا أن الناس هنا وهناك لم تكن تبحث عن حلول شاملة ولكن عن حلول جزئية، عن حلول لصالح الجميع ولكن على حساب الآخرين. وما أسهل أن نفهم كل ما حدث بعد ذلك. لقد كنا على عتبة انطلاقة أشغال بناء مجتمع، حيث رسمنا حدود المعمل وقيدنا وسائل الإنتاج واستحضار كل الاختصاصات التي تحتاج إليها عملية البناء…

وهاهنا مازلنا في مرحلة تعلم كيف نتشارك في إطار عام واحد ومن ثم نتعارف ونقيم خلافاتنا الفلسفية الناجمة عن تكويننا في مدارس فكرية مختلفة إن لم نقل متعادية، ومحاولة منا لتعزيز صفوفنا وصراعنا على المناصب واقتتالنا المستميت. و ما ذاك إلا المخاض العسير الذي يولد فيه مجتمع من المجتمعات.

إنها الجزائر، على غرار الأمم الأخرى التي تشكلت من قبلها، التي تمر بمراحل الصناعة في ألم الدماء والدموع.قد يأتي اليوم الذي تبزغ فيه شمس أخرى تجبرنا على أن نعترف ببعضنا البعض ونعوض دواعي الحرب التي تواجه بيننا بدواعي السلم والوسطية المستديمة.

كنا نتدرب حتى نصبح دولة ونستعد لنتحول إلى مجتمع ونفاوض مفاهيم العقد الجماعي الذي سيصبح غدا دستورنا، حيث ستكتب القواعد التي تحكمنا بأحرف من دم وكذا القوانين المقدسة التي يخضع لها كل واحد ويطبقها، والخطوط الحمراء التي يجب ألا تتخطى من قبل أي كان، والحقوق والواجبات التي يتمتع بها كل واحد داخل الجماعة.

إلا أن كل ما ذكرنا يقيد في فاتورة ويجب الوفاء بدفعها مهما كان ثمنها. إن الطريق السريع للتاريخ، حيث السير المضمون والسريع وقواعد السياقة الصارمة و الإنارة الدائمة، لا يدخله ويستعمله إلا من دفع الرسم عند المدخل.

إذا كنا قد ضيعنا الكثير من وقتنا وتأخرنا عن الوصول إلى الهدف، فذلك راجع لكون حكامنا جهّال لا يعيرون لما ذكرنا أي اعتبار. إن رسالة ومهمة إرساء دعائم امة تكلف الكثير، الجهال والعور الذين يعتقدون أنهم لزمام الأمور قابضين للأبد، لا لشيء إلا لأنهم كانوا ملوكا في وقت كان فيه الجميع عورا، لم يدركوا انه بتجدد الأجيال، يصبح عُميان الأمس مبصري اليوم، الذين لا يفهمون كيف تمكن العور من قيادتهم أو باستطاعتهم ذلك.

ومهمة كهذه لا تعطي ثمارها إلا إذا كانت مدروسة من قبل مستشرفين ومفكرين ورجال دولة محنكين. أن تكون “أقدم ضابط بأعلى درجة عسكرية” ولم تسرق، إن كنت غائبا عن ارض الوطن مدة ثلاثين عاما، إن كنت لا تملك إلا سيارة من نوع فيات 128 ، كل ذلك لا يؤهلك في بلد من العالم أو في التاريخ أن تتوق إلى رئاسة الدولة أو الحكومة.

ما الذي كان سيقوله أفلاطون و الذي سجل بكل حسرة منذ 24 قرنا في “جمهوريته”: “أن ألام الإنسانية لن تهدأ قبل أن يصل الفلاسفة الحقيقيون من ذوي العرق الصافي إلى الحكم أو قبل أن يباشر رؤساء المدن، برحمة إلهية، في التفكير الفلسفي الحقيقي”.إن الجهال والعُور لا يمكنهم أن يلهموا الفضائل السامية وبعث القدرات والدفع نحو الخير وتحريك الضمائر والجماهير، انه لا يمكنهم إلا زرع روح الرعاع و الخشونية والعدمية والإرهاب.

إنهم لا يملكون إلا أنفسهم الوضيعة يقدمونها أمام المشاهد العامة وليس لديهم إلا “أناهُم” المرضي كمثال يبرزونه ولا يرون الواقع إلا مشوها من خلال أبصارهم المريضة، إنهم المسؤولون عن تكوين هذه الأرواح الفارغة التائهة والكائنات الهجينة و الذرات المتنافرة. و إذا كان الجزائريون لم يبنوا لأنفسهم قيما وظيفية مشتركة عبر مسار تطورهم، فبسبب بقائهم قطعانا رؤوسهم تحت أقدام أولئك العور والجمال، بينما يستأهلون أن يقوم عليهم رجال مبادرة قادرين على إنجاحهم ويستحقون الاعتراف الدولي.

إن مهمة بناء الدولة الجزائرية المعاصرة يجب أن توكل إلى ذوي العقل النير وذوي القدوة و أصحاب الكفاءة العالية والشباب والصناعيين القادرين و الأدمغة في المهجر. ولكن المسالة الجوهرية هي في كيفية جعل الجزائريين يعيشون زمنا واحدا، وفي كيفية جعل 26 مليون جزيء تنظيما ذريا وعضويا، وكيف يتم تحقيق نوع من التركيب النفسي بينهم حتى يتشابهوا داخليا ومن ثم خارجيا، أي في انسجام وتناغم مع ذواتهم قادرين على العيش والموت لأجل الأسباب والغايات ذاتها.

إن بناء مجتمع ما لا يتم على فكر قبلي أو جهوي وتعارضي لا يعرف التسامح من جراء الانتفاء والتناقض الدائم. وحتى يتم ذلك، لا بد أن تمحي هذه التصرفات والنزاعات و الذهنيات والخلفيات من الذاكرة وترمى أثارها حيث لا يعثر عليها احد.

إن المجتمع ليس مجرد تجميع للبشر فوق مساحة جغرافية، ولكنه في سيادة القيم والقوانين والمؤسسات. انه نظام بيئي حيث تضمن الوظائف الكبرى (الإنتاج، التوزيع، العدالة، التربية) من خلال التبادلات المنتظمة للثروة والخدمات و الأفكار وكذا التوازنات الدائمة التي تسهل الحياة بل تجعل الرفاه ممكنا.

إن القيمة العليا لأي مجتمع كان هي في قدرته على الانسجام مع كل جيل جديد، حيث لا يعيد التفاوض معه حول كل المفاهيم الأساسية للعقد…عليه أن يكون على شاكلة شركة للتامين…نتوجه إليها لتمنح لنا وثيقة السير بسيارتنا. المباديء التي يكون بها التامين وسيلة عالمية وعامة ومعنوية تصلح للجميع، ندفع ثمن ذلك ونوقع وننطلق أمنيين بدون قراءة تفاصيل العقد…

إذا كان في بلد ما، باستطاعة كل من هب ودب أن يلغي المؤسسات ويزعزع كيان الأمة بأبسط مكبر للصوت، فذلك يعني أن ذلك البلد غير حقيقي ولا يعكس واقعا ما ويمكن له أن يزول في أي لحظة من اللحظات. و قد عشنا ذلك في الجزائر وشاهدنا بأُم عيننا، كيف هوت على نفسها تلك التي تعرف بالمؤسسات الديمقراطية والجمهورية “القادرة على تخطي الظروف والعقبات ولا تزول بزوال الرجال”. لقد زالت في أول انتخاب حر في تاريخنا. ذلك ما يستطيعه الجهال والعُور: إعلاء البنايات المزيفة، الكرطونية على الرمل والماء يجري من تحتها، إنهم المموهون للحقيقة، المزورون و الترابنديست.

إن الطب يعلمنا أن الجسم “أمة بيولوجية”. ويمكننا أن نعكس الصورة ونقارن المجتمع بالجسم الإنساني العجيب الذي يعمل بانتظام، وفي الوقت نفسه، وهو مركب من ملايير الخلايا التي تعمل لغرض واحد “إبقاؤه على قيد الحياة وفي أحسن الظروف ولأطول مدة ممكنة”. ولكن الفرق الأساسي بين الجسم الإنساني والمجتمع هو كون الأول مزود منذ ولادته بوسائل مناعية ودفاعية، بينما يجب على الثاني أن يصوغها واحدة بواحدة.

ويمكن أن تظهر في المجتمعات الحقيقية ثغرات و اختلالات وأمراض كالبطالة والإجرام والأزمات السياسية، ولكن بإمكان أجهزتها أن تتشربها وتصححها. وفي وضع اللامجتمعات كحالنا نحن، نجد هنالك أمراضا و اختلالات وإجراما وأزمات دون أن يوجد الجسم والهيكل ذاته.

إن الناس يختلفون حتى في برامجهم الجينية، ولكن عبقرية المجتمع والتربية والقانون، هو في التمكن من تسيير تلك الاختلافات وتحويلها من وضع الصراع الكامن إلى وضع التعايش والتفاعل الحقيقي.

ما أعجبنا! في وقت أدار فيه الفكر العالمي ظهره لمصطلح “الحق في الاختلاف” وعوضه “بالحق في التكامل والاندماج” ( الاقتصادي والعسكري والثقافي والقانوني) نفتح نحن الجزائريين المتخلفين في كل شيء، المجال أمام صراعات عبثية حول أصولنا وجنس الملائكة. ليس لنا الحق أن نهتم باختلافاتنا إلا إذا ضمنّا نهائيا تشابهاتنا وتوافقاننا حول مصالحنا المشتركة.

إن الحكمة التي تقول “الطيور على أشكالها تقع” لا تُعبر فقط عن حكمة أخلاقية. إنها جبريا معادلة حقيقية يمكن لنا أن نستنتج من خلالها انه إذا كان الزواج عن غير طواعية، فمن المؤكد أن الطلاق سيكون باتفاق الطرفين. و الحقيقة أننا كثيرا ما عشنا متفرقين مطلقين. وعليه ألم يحن الوقت أن نُجرب حياة لمِّ الشمل؟!

جريدة “الخبر” 04-05-1993

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم