إصلاح السلطة والشعب

بقلم:نور الدين بوكروح

ترجمة :عبد الحميد بن حسان

 

 مِنْ أصعب المهام أن يكون المريض الذي تعالجه هو النوع البشريّ كلّه ” فرويد” (( Freud

إن الفعل “réformer” في اللغة الفرنسية يُحيل على معنيين: التغيير نحو الأحسن، وكذا رمي القديم في سلة المهملات.ولقد أصاب ابن تيمية عندما اختار لأشهر كتبه عنوان ” كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية “. وهذا ما نحن بحاجة إليه في الجزائر، أي إصلاح الاثنين معا، وإلاّ فلا تُرجى أيّة نتيجة. و مكاشفة السلطة بالحقيقة في هذه الدول العربية التي تسمِّي نفسها ” ديمقراطيات شعبية ” هي ضرب من الشجاعة الخارقة، أمّا مكاشفة الشعب بها فذلك من الكبائر التي لا تُغتفر: ففي السلطة والمعارضة أطراف كثيرة شديدة الحرص على تنويم الشعب. وكثيرون هم الذين اتّخذوا مطلب ” الحق في اكتساب الحق ” توجّها عاماًّ. لكنْ أين هم الذين يُطالبون بـ ” واجب تحمّل الواجب “، وكمْ هُمْ؟ إنّ كل الأحزاب السياسية، سواء أكانت في الحكم أم في المعارضة، بإمكانها أن تكتب على واجهة مقراتها عبارة ” تحيا الحقوق! ” باعتزاز، لكن كم هي تلك الأحزاب التي باستطاعتها أن تكتب عبارة” تحيا الواجبات  !” وتعيش من أجلها؟ وكم سيكون عدد المناضلين والناخبين الذين يمكن أن يقفوا معهم كي يساعدوهم على إيصال شعارهم إلى سدّة الحكم؟

لقد تمكّنت عناصر الحرس البلدي من استرجاع حقوقها، وأنا أهنّئها لأنها قدّمت خدمة جليلة للوطن في ساعة العُسر، فلِمَنْ سيكون الدور مستقبلاً؟ مَنْ هم الذين سيحتلون ساحة الشهداء بعد أن ثبت أن هذه الساحة فيها فأل كبير بفضل بركة الشهداء؟ إنها ليست مثل ساحة 1 ماي التي تحمل اسم احتفال يُذَكِّرُ بالعهد السوفياتي، والتي تُجنى فيها ضربات العصي بأيدي الشرطة أكثر مما تُجنى بركة الأجداد. إن عناصر الحرس البلدي يحقّ لهم أن يفكروا في إمكانية المطالبة بحقوق المكس على ساحتهم لأنهم أول مَنْ اعتصم فيها، تماما مثلما يتمّ كراء قاعات الأفراح. أما المسؤولون عن الميزانية فيحق لهم، بالنظر إلى النزيف المالي الناجم عن حركات الإضراب والاعتصامات، أن يقولوا: ” إنّ العرب يثورون على بُعد آلاف الكيلومترات مِن بلادنا، ونحن ندفع الثمن ! “.

إنّ القيام بالثورة التي تستهدف تغيير السلطة أسهل من القيام بالثورة التي تستهدف تغيير الشعب. ذلك أنّ السلطة ما هي إلاّ كمشة من الأشخاص، أمّا الشعب فهو يُعدّ بعشرات الملايين من الأنفس، إنه ” النوع البشريّ بِرُمَّته “. إنّ التونسيين الذين لم يستغرقوا أكثر من واحد وعشرين يوما، والمصريين الذين لم يستغرقوا أكثر من ثمانية عشر يوما ليتخلّصوا من نظام الحكم، هُمْ أدرى مِنْ غيرهم بصعوبة تغيير الشعب. إنها إعادة لقصة الجهاد الأصغر التي تحدّث عنها الرسول (ص).

وإذا لم يتمّ إصلاح السلطة والشعب (الراعي ورعيته حسب تعبير ابن تيمية) في نفس الوقت، فإنه لن تكون هناك جزائر في العشريات القادمة. إنّ الصحراء لا تبعد إلاّ بـ 150 كلم على الشواطىء، وإنّ مخزون البترول والغاز لن يتجدد. ولهذا، فعندما نُعلِنُ أنّنا نُحِبُّ الجزائر يجب أنْ نُحدّد صورة الجزائر التي نُكِنُّ لها هذا الحبّ: أهي جزائر اليوم أم الجزائر الأبدية، أهي جزائر اليوم الواحد الذي نحيا فيه، أم جزائر الغد، تلك الجزائر التي لن نكون حاضرين فيها؟

إنّ الجزائريين شعب طيّبٌ عندما نأخذهم فُرادى: فهُمْ كرماء وأسخياء وشرفاء، ويتمتعون بالحسّ العائلي. إنهم أفراد أعفّاء، لا يُجاهرون بنزواتهم، وهم مستعدون للتضحية بالنفس والنّفيس من أجل ردّ الجميل أو الامتثال للقدوة الحسنة. وهم يتنافسون على دماثة الخُلق في علاقاتهم الشخصية. أمّا إذا لم يكونوا مُتعارفين، فهم يفقدون لباقتهم ودماثة خلقهم ويتحوّلون إلى وحوش ضارية. إنّهم يعرفون كلّ هذا، وأنا لا أكشف لهم أيّ سرّ بهذا الصّدد. وبين أيديهم اليوم مقاييس ومرجعيات وأمثلة تساعدهم على الحكم على الأفكار التي يعتنقونها.

وفي كل شعبٍ جوانب إيجابية وجوانب سلبية، وبذور جيدة وبذور رديئة. فلو أنَّ كلّ ما في شعبنا جيّدٌ، كما عند باقي الشعوب على أية حال، فلن تكون هناك سجون، ولا إرهابيون، ولا جرائم قتل، ولا جنح، ولا فساد، ولا تلاعب بالمال العام، ولا تهريب في الحدود، ولا مخدّرات، ولا متهرّبون، ولا مُزوّرون، ولا سوق سوداء، ولا سائقون مجنونون في الطرقات، ولا سحرة، ولا أفراد يرمون أوساخهم في كل مكان، وأمثال ذلك كثير. إذا دخلْتَ إلى مقرّ البلدية، أو مكتب البريد، أو تقدّمت إلى شباك من شبابيك الإدارة، أو سرْتَ بسيارتك، فإنّك ستتعامل مع الشعب، لا مع رئيس البلدية، أو الوالي أو الوزير. وعندما يتدافع الناس ويدوس بعضهم على أرجل بعض، أو عندما يقود السائق سيارته كالمجنون، أو عندما يتبادل المتخاصمون اللكمات واللّطمات لأتفه الأسباب، فإنّ ذلك الضرب لا يصيب السلطة، بل يصيب إخوانك. كلّ فرد يسلك مع غيره نفس السلوك الذي يتلقاه منهم كي ينتقم أو، بكل بساطة، كي يجيب بالمِثْل.

ولكلّ شعبٍ عيوبه. لكننا عندما نرى الاعوجاج في كل شؤوننا، كالعمل غير المتقن، والسلوك غير الاجتماعي، وتجاهل الحس المدني وأسباب الحياة الطيبة، وعندما نرى الفساد الأصغر والفساد الأكبر، والتدليس في كل الشؤون، فإنّ رغبة جامحة تدفعنا إلى أن نصيح بأعلى صوتنا: ”  نحن شعبٌ مُثْخنٌ بالعيوب !

فالبلد الجيّد هو حصيلة شعب جيّد ودولة جيّدة. لكن ينبغي الإقلاع عن فكرة أنّ الشعب يعتبر جيداً كلّه لا لشيء إلاّ لأنّ الدولة رديئة. وعندما يكون الشعب جيّدا فليس للدولة خيار آخر غير أن تكون جيّدة، لأنها لو انجرّت وراء نشوة السلطة وانحدرت إلى دركات الرداءة فإن الشعب يمكن أن يتخلّص منها كما حدث في بعض البلدان العربية. لكن، ما العمل كي نُصلح الشعب ونوجهه الوجهة الصحيحة ونحن نعرف أنه يستحيل علينا التخلص منه واستبداله بشعبٍ آخر؟ ومَنْ ترجع إليه مسؤولية هذا العمل: أهو النظام التربوي؟ أم الشرطة؟ أم الأحزاب السياسية؟ أم المثقفون؟ أم القدوة الحسنة؟ فيما يخصني، أرى أن القدوة الحسنة هي الحلّ.

لنتصوّرْ لو حلّ بالجزائر رعيل متكوّن من مليونين إلى ثلاثة ملايين من اليابانيين هروبا من الكوارث الطبيعية التي سُلّطتْ على بلدهم (بمساحة لا تتجاوز سدس مساحة بلدنا، وسكان عددهم يساوي أربع مرات عدد سكاننا)، والتي جعلتْ منه أرضا لا تليق. إنّ هذا ليس من قبيل علم الخيال، بل هو احتمال تكلّم عنه اليابانيون أنفسهم. وما يجب أنْ نعرفه أن ثلاثة ملايين تساوي عدد الجزائريين المقيمين بالخارج، ومنهم من يقيم في اليابان بالذات. لنتذكّرْ كذلك تلك النبوءة القديمة التي أوردتُها في مقال سابق والتي تتحدث عن ” الجنس الأصفر “. كُنْتُ تكلّمتُ عن الصينيين، لكن ليس من المستبعد أن يكون اليابانيون هم القادمون إلينا، والذين سنمنحهم الجنسية الجزائرية وما تستلزمه من حقوق وواجبات. وقد يتنازل لنا هؤلاء اليابانيون عن الحقوق، ولن يأخذوا إلاّ الواجبات، لأنهم من جهةٍ لمْ يتربَّوْا على ثقافة ” جحا “، ومن جهة أخرى فذلك قد يكون اعترافا منهم بالجميل. وأنتم تعرفون جيداً مقدار دماثة أخلاق اليابانيين.

إنّ اليابانيين لن يُزاحمونا في المدن الساحليّة كي لا يُضايقونا وسيطلبون الإقامة بعيدا في الصحراء، جنوب بوسعادة. ذلك أنهم قادمون من بلد مشرق الشمس، وليس لنا ما نمنحه لهم إلاّ مغرب الشمس. سيستخرجون من شمسنا أكثر ممّا استخرجناه من بترولنا منذ الاستقلال، وفي صحرائنا سيُشيِّدون عدة أمثال من كاليفورنيا ومن لاس فيجاس. إنهم لن يُقيموا فيها مفاعلات نووية، لأنهم ذاقوا الأمرّيْن من الطاقة النووية منذ هيروشيما وناجازاكي. سنصير أقوى بلدٍ في حوض البحر المتوسط في ظرف سنوات قليلة بمجرّد الاحتكاك بهم ودمج فكرة “نهضتنا” في فكرة المايجي (Meiji) التي انطلقوا منها. وإذا خطر يوماً ببال مواطنينا أن يمارسوا السياسة، فتأكّدوا من أنهم سيخلقون بكلّ عفوية تلك الحلقة الناقصة في تطوّرنا، أو ذلك الحزب الغائب من مشهدنا السياسي والذي سيضع في واجهة مقرّه هذه العبارة بالأحرف الكبيرة التي يمكن قراءتها من ساحة الشهداء، وهي: ” الشعب يريد الواجبات “.

عندما ننظر إلى جسدنا المريض لا يسعنا إلاّ أن نعترف بأن فرويد (Freud) كان على حقّ: حقيقةً، من الصعب معالجة وطنٍ بأسره، بما فيه من شعب وسلطة. لكنني أخشى أن تكون تقنيات فرويد في العلاج غير كافية لتفسير ذهنيتنا. إنّ الأفكار الشعبية والنّكت وحدها هي القادرة على إلقاء الضوء عليها. وهناك قصة تُروى في هذا الصدد منذ زمن بعيد، وسأرويها نظرا لما فيها من عبرة قيّمة. ففي عهد ثورة التحرير كان هناك عامل فلاحي جزائريّ شعر بحاجة جامحة فقضى حاجته في بستان الكروم الذي كان يعمل فيه في بوفاريك. وقد فاجأه المُعمّر صاحب البستان فضربه بالعصا من شدة الغضب. فما كان مِن العامل إلاّ أن اشتكى أمره لأحد مناضلي القضية الوطنية الذي أجابه ليخفف عنه أو ليجنّده: ” لا عليك يا أخي، لنستقلّ عن قريب، وسيكون بإمكانك أن تقضي حاجتك في أيّ مكان”. وسواء أكانت هذه القصة غير اللائقة حقيقية أم مصطنعة، فإنها تُفسِّرُ لنا عدّة أشياء. هذا هو السبب في الوضعية المزرية التي نسبح فيها اليوم.

منذ أيامٍ اعترفت الحكومة بتراجعها عن محاربة النشاط الاقتصادي الموازي، والتجارة بدون فواتير، والتخليص بالنقد، ومافيا الاستيراد، إلخ، وذلك بذريعة تفادي أعمال الشغب. وإذا كان هذا المنطق صحيحاً فإنّ البلدان المستقرّة يُعزى استقرارها إلى كونها تراخت في محاربة السوق الموازية والمتاجرة على حافة الطرقات وفي وسط الشوارع. ما نوع هذا الاستقرار الذي يدّعيه بلد والذي يستند إلى مثل هذا الاعوجاج ويعتمد على مثل هذه القواعد غير الصحيحة، بل هذه القنابل الموقوتة؟ أيّ توازنٍ هذا الذي يستند إلى هذه القواعد غير الصحيحة؟ وإذا كانت هذه القواعد غير صحيحة فما المانع من تصحيحها واتخاذ التدابير اللازمة كي تصير صحيحة؟ إنّ إحداث الاضطراب في بلدٍ يعني الإخلال بسير مؤسساته، ويعني إغراقه في الفوضى… ماذا عند هؤلاء الذين تُعرف عنهم القدرة على الإخلال بالدولة من قوة ومن قدرة على تجنيد الشعب كي يُخشى منهم إلى هذا الحدّ؟ ولماذا نتولى السلطة إذا لم نكن ننوي إنهاء الاعوجاجات، ولماذا نستولي على مقاليد التحكم في آلةٍ إذا لم نكن نعرف كيفية تشغيلها؟ وإلى أيّ حدٍّ ستتراجع الحكومة؟ لماذا لا يتمّ الكشف عن أولئك الذين يحتكرون التجارة الخارجية ومتابعتهم؟ وما هي أسرار الدولة هذه التي لا يجوز اختراقها والتي لا يمكن لأحدٍ، حتى ويكيليكس، أن يكشف عنها خوفا من انهيار البلاد؟ لماذا لا نبادر بتفجير الورم ومعالجته مرّة واحدة؟

تستطيع قوات الأمن أن تنشر ثلاثين ألف شرطيّ لمنع مسيرة سلمية في الجزائر الوسطى، لكنها لا تفعل شيئا لإيقاف بعض العشرات من الأشخاص الذين أنهكوا تجارتنا. يمكن أن يُضطهد مَنْ يُطالب بشيء من الديمقراطية بالتي هي أحسن، لكنها لا تفعل شيئا ضد أولئك الذين رهنوا مصير خمسٍ وثلاثين مليون جزائري. لقد تمكّنتْ تلك القوات من تفكيك خلايا الإرهاب وكتائبه، والقضاء على عشرات الآلاف من الإرهابيين أو القبض عليهم، لكنها لم تفعل شيئا للعثور على بارونات السوق السوداء. نعم ! لأنهم لم يتلقوا أوامر بذلك الشأن.

لماذا لا تُصارح السلطة شعبها بالحقيقة؟ ألأنّها تعرف أنها لا تتمتع بالشرعية الكافية كي تنظر إلى الشعب وجها  لوجه، وان تقول له وهي تُلوّح بخطة عمل في يدها:  هذه هي الحقيقة، وهذا ما يجب فعله لوضع حدّ للممارسات غير الشرعية والإجرامية، هذا ما سيكون علينا فعله، وأنا أطلب مساعدة الشعب لإنقاذ اقتصاد البلاد !  “. مَنْ ذا الذي سيتأخر عن مساعدتها في ذلك؟ من ذا الذي سيتردد في تقديم تضحياتٍ، ولو بالنفس، في سبيل تحقيق هذه العملية التطهيرية؟ وإذا ما تمّ تطبيق مخطط العمل الذي صادق عليه الشعب فلن تبقى هناك تجارة في الطريق العمومي، ولا تبادلات تجارية بدون فواتير، ولا تخليص بالنقد للمبالغ التي تفوق 500.000 دج، ولن يبقى احتكار للاستيراد، ولا امتيازات للآحاد في السوق، ولا منتوجات مُزوّرة، ولا فساد بشكليه الصغير والكبير، ولا تصريحات كاذبة لدى الموثّقين… وعلى أية حال، فالأمر أهْوَن من ذلك بكثير.

إنّ بإمكان الدولة أن تستعمل كل وسائلها وطاقاتها، وكل ذكائها في تنفيذ هذا المخطط الذي سيتطلب شهورا أو سنوات، لكن الجزائر ستصير في النهاية بلدا جميلا، بلدا حقيقيا وقوياًّ. لقد قام بن بلة بذلك فعلاً للقضاء على ظاهرة مسّاحي الأحذية، ولم نعُدْ نرى أي ماسح للأحذية في الشوارع. وإذا كان لا بُدّ من القيام بثورة فقد حان الأوان. لايمكن أنْ ننتظر سياقا أنسب. وإذا لم يوجد أيّ داعٍ للقيام بالثورة، فها هي ثورة تُناسب الشعب والدولة معاً، وهي التي ستقوم بالمصالحة بينهما إلى الأبد.

إنّنا، وبكلّ أسفٍ، لن نرى هذا الحلم يتحقق في القريب العاجل لأنّ السلطة الحالية لا ترغب في ذلك ولا تملك إمكانيات تحقيقه. كلّ ما يعنيها هو أن تُمضي أياما هادئة دون التفكير في مواجهة الاعوجاجات والتردي والعيوب السائدة بين صفوف الشعب لأنّ عيوبها أعظم من عيوب الشعب بكثير. وهذه هي المخاوف التي عبّرْتُ عنها قبل اعتراف الحكومة علنيا بوقت قصير جدا عندما قلت: ” أن الأمر يتعلّق فعلا بلعبة كرّ وفرّ بين شعب مستعدّ لمهادنة السلطة إذا تُرِك وشأنه، يفعل ما يشاء، كيفما شاء، متى شاء، وحيثما شاء، وبين سلطة مستعدة لتقديم كلّ التنازلات شرط ألاّ تُخلع “. وأضفْتُ قائلاً:” إذا كانت السلطة تسمح بخرق القانون أو التّهرّب منه كي لا ينتفض الشعب، وإذا كان الشعب يقبل بسلطة لا تحظى بإجماع لأنّ هذه السلطة أعطته حرية أن يفعل ما يشاء، فتلك هي النهاية المبرمجة لكليهما. وتلك هي أحسن وسيلة لقتل الاقتصاد والقيم الأخلاقية والوطن والدولة. ولن يبقى ما يمكن فعله غير دفنهم في مقبرة جماعية “. هذا هو تفسير المأساة في الجزائر، وهذا هو السبب في أنّ مخاطِرَ اضمحلال بلدنا واختفائه تحت ركام الفوضى أو حبات الرمل أكبر من حظوظ ارتقائه إلى مصاف البلدان الكبيرة والمتقدّمة. اللّهمّ إلاّ إذا كان تدخّلٌ من اليابانيين أو الألمان أو السويسريين أو المريخيين.

وكلّما طُرِحتْ مسألة خلافة المسؤولين الكبار، فإن ردود أفعال الجزائريين كانت واحدة تقريبا: ” منْ نختار؟ “، وهم بهذا يُثْبِتون أنهم لم يفهموا شيئا في حياة الأمم، ويُبيّنون سعة المسافة التي تفصلهم عن إيجاد حلول لمشاكلهم. إن شعبنا يُصِرّ على اعتبار أنّ السلطة هي شخص أو مجموعة أشخاص، بنوايا قد تكون حسنة وقد تكون سيئة، بينما السلطة يجب أن تكون رؤيةً، ومؤسسات، وحُكماً، وكفاءات، وآليات مراقبة فعالة، أي : إنها الديمقراطية. إن الجزائريين بهذا التفكير يكشفون عن تشبثهم غير الواعي بالاستبداد، وعن انطماس عقولهم بوهم المهدي المنتظر. وهم بهذا يُثْبِتون أنهم حاملون في ذواتهم لعوامل الاستبداد، والرغبة في بقائه إلى الأبد. ولنتذكر جيدا أقوال القذافي بهذا الشأن.

لوسوار دالجيري 14 أفريل 2011

 

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم