الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 الأصبع، القمر و الحمقى!

الأصبع، القمر و الحمقى!

بقلم نور الدين بوكروح

ترجمة ساعي عـايــدة

كلُّ مجتمع لم ينوِّره الفلاسفة، خدعَه المشعـوذون” كوندروسيه.

منذ سنة 1970 وأنا أكتب، لكنّها المرة الأولى التي أجد نفسي فيها متهما بـ “حب الذات”،” النرجسية”، بأنّي مصابٌ” بجنون العظمة” أو أحمل “نزعة الزعامة”، وبأنّي مشروع “مستبد” وعدة صفات أخرى، كلّ هذا لأنيّ نددتُ باستيلاء ثلاث شخصيات على مبادرة سياسية كنت قد أعلنت عنها منذ بضعة أسابيع لحسابهم الخاص.

من جهتهم، لم ينف الثلاثة الواقعة كما لم يغرقوني بوابل من الشتائم. في بلد كل شيء فيه يسير رأسا على عقب، ربّما كان عليّ شُكرُهم.

 

يخضع أيّ شخص يستعمل صفة الملكية “لي” أو الضمير”أنا” في حديثه أو كتاباته لقواعد اللغة (فعل، فاعل ومفعول به)، أي لقاعدة التعريف وتحديد الهوية. لا يمكن إذن بحال أن نستعمل ضمير كـ “أنت”، “نحن”، “أنتم” أو” هم” لنعرّف بأنفسنا، لا مفرّ من استعمال الضمير”أنا”. إذ يطلعنا التعريف على صاحب فعل ما ويحمّله المسؤولية أمام الغير والقانون، خاصة عندما يتعلق الأمر بعملٍ سياسيٍّ غير مسبوق.

قبل أن أُعلن عن هذه المبادرة، لم أفرض الصمت المطلق بين الصفوف. ولو فعلتُ، لكنتُ كمن يُحدثُ بلبلةً و جلبةً. كان يمكن لأيٍّ كان أن تُراوده الفكرة ويقوم بها قبلي، وربّما حتى بنفس الشكل، لكن الأمر لم يحدث و لم يفكّر أحد في ذلك.

فهل ارتكبت خطيئة كبرى بأن أُلهِمتُ الفكرة وترجمتها إلى فعل؟ في الحقيقة، أنا لم أقم سوى بالاستجابة لمن يستعجلونني منذ سنوات لاقتراح “حلول” بدل الاكتفاء بالتحليل ومعاينة الوضع. وعدتُ أنّي سأفعل، وها قد بدأت فعلا.

عندما وقّعتُ هذه المبادرة والمصمّمة لتُنشر في مجال زمنيّ، لأنها تحمل في طيّاتها طريقة تفعيلها كي تحقق مضمونها-بناء جزائر جديدة- ليس كي أجعل منها شيئا ممنوعا عن الآخرين، بل كي تكون معرّفةً منذ انطلاقتها و محميّةً خلال المرحلة الأكثر حساسية و التي ستنتقل، مثل الصاروخ، من لحظة انطلاقها إلى لحظة وصولها لـ”سرعة الإفلات” من الجاذبية الأرضية .

يمكنُ لأيّ مبادرة، مسعى، فكرة أو مشروع أن يُشوَّه عمدا أو خطأً، بقصد أو بسذاجة. يمكن أن يُتطفَّل عليها تحت دواعي ” إثرائها” أو تُفتَّت بإسم” الديمقراطية”.

لم تكن هذه المبادرة لتنبثق أبدا-عندما يُكشف عنها كليةً- عن اتّحاد أحزابٍ سياسيةٍ أو مجموعة من ” الشخصيات الوطنية” حتى و إن تناقشوا حولها لعدة قرون.

كم مرة كانت هناك محاولات من ذلكم القبيل خلال حوالي ثلاثين سنة بين الأحزاب الإسلامية، الأحزاب الديمقراطية، الأحزاب الإسلامية و الديمقراطية معا، بين أحزاب الائتلاف الرئاسي و بين السلطة والمعارضة؟

من جهة أخرى، عقل غير واقعيّ فقط يمكنه أن يتصور الانطلاق منفردا في مشروعٍ سياسيٍّ يُشْرِك فيه أمةً بأكملها، و كأنه أطلس (أحد آلهة الأساطير الإغريقية) الذي يحمل الكرة الأرضية فوق كتفيه، لقد استفدتُ من تجربة طويلة في العمل الفكري، الحياة السياسية الحزبية و المسؤوليات الحكومية، و هي كفيلة بأن تجنبني الوقوع في تناقض كهذا.

يمكنني أن أوضح أيضا أنه منذ دخولي إلى الحياة السياسية سنة 1989، لم أتوقف عن الدعوة إلى صيغ تكتل المعارضة من أجل إيجاد بديل ممكن. فلا هذه الصيغ و لا غيرها من المقترحات التي تلتها، كاجتماع زرالدة، قدمت نتيجةً تُذكَر. كان لابد إذن من تغيير المقاربة، وهذا ما أفعله من خلال هذه المبادرة والتي لا يمكن أن تُفهم إلا إذا عُرضت بأكملها، ولسنا سوى في المقدمات.

استغرب العديد من أصدقاء صفحتي على الفايسبوك، أن لا أحد من “النخبة” أو من الأحزاب السياسية أبدى ردّة فعل، عندما تعرضتُ للهجوم و التهديدات من طرف الوزير الأول، رؤساء الغرفتين، الجريدة الرسمية للجيش و الصحافة المسيّرة بالأوامر. كما استغربوا أيضا أن لا أحد فكّر في سؤال الشخصيات الثلاثة المعنية لماذا لم يلمّحوا أو يشيروا لمبادرة تم الإعلان عنها.

هناك أيضا من أعتقد أن ما قاموا به هو شكل من أشكال الالتحاق بهذه المبادرة و هذا فقط ما يُهِم. أجل، في بلد يسير فيه كلّ شيءٍ رأسا على عقب، نعرف كيف نفعل الشرّ بشكل جيّد و الخير بشكل سيء.

وَجَدَتْ عصبةٌ من الحاقدين الذين يتعقبون أثري منذ عقود، دون أن أفهم لماذا، مبررا لمهاجمتي دون أن أتأكد إن كانوا يقتفون خطوات من كلّفهم النظام النذل الذي يسيرنا لنيل منّي على أمل إفقاد المبادرة قيمتها، أم أنهم ينتمون إلى “جوقة المعارضة” المنزعجة بنفس درجة انزعاج النظام و التي تُفضل أن تتضامن معه بدل دعم مشروع ” بناء جزائر جديدة”.

لقد اختاروا مهاجمتي من زاوية “نفسيّة” بإلباسي ثوب النرجسية أو تشبيهي بمصالي الحاج، و كأنّ كل هذا سيكون له أثر الحكم بالإعدام علي. بدأت تُهمُ ” النرجسية”و “جنون العظمة” تنتشر منذ عدة أسابيع، على أثر الجدل الذي أحدثه السيد سعيد سعدي بعد حوار لي مع الجريدة الإلكترونية” كل شيء عن الجزائر”، حين ذكَّرتُ بحادثة إطلّع عليها الجميع منذ مدة في مقال يعود لسنة 2014 (ألغاز ومآسي العهدة الرابعة)، ثم في حصة نشّطها السيد محمد سلطاني على قناة ” الجزائرية” سنة 2015، دون أن يكون للمعنيّ أي ردة فعل آنذاك. تتعلق الحادثة بلقاء بيني و بينه سنة 1995، نفى حدوثه هذه المرة لأسباب أجهلها. و كان ذلك في أعقاب مقالي حول مُهرّجي مقبرة العالية السعيد بوتفليقة و علي حداد.

وأنا أحتج في معرض ردودي، لاسيما على العادة التي انتهجها منتقديّ في جمع اسمي بكلمة ” الغاشي” و التي لم أكن أوّل من اخترعها، أشرتُ في لهجة ساخرة، أنّه بالمقابل لم يُقرَن اسمي يوما بعبارة” استيراد-استيراد” التي تُستعمَل منذ عشرين سنة بالرغم من أنّي أنا من وظفها، فتهاطلت عليّ بعدها وبسرعة عبارات التهكم و الاستهزاء و كأنّي أصدرت قانونا يفرض رسوما على من يستعملها.

و لكي يبيّن منتقديَّ للمغفلين أنهم على حق و أني صاحب سوابق يعاني من “نرجسية” جينية، قام هؤلاء “المحللين النفسيين” في ظرف وجيز ببعث قضية سرقة أدبية قديمة، وضعت منذ ثمانية و عشرين سنة حزبيْ التجديد الجزائري و التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية وجها لوجها، و ذلك لإعادة تسليح سعيد سعدي ضدي و إخراجه من الموسيقى التي تشغله حاليا. لقد نسوا أنّه إن كانت الدلائل يقينية في حالة سرقة مبادرتي هذه، لأن الأمر لا يزال في حمْوَته، فإن دلائل السرقة التي قام بها لم تختف أيضا، ربما مُسحت من ذاكرته هو لكنّها لم تُمسح من سجلات الأرشيف.

لم يكن هناك نزاع بين حزب التجديد و حزب الأرسيدي حول موضوع السرقة، كما كتبوا مؤخرا لقد اتّهم كل منهما الآخر أنّه سرق من برنامجه. لكنّ ما حدث، هو أنّه في 16 ديسمبر 1989، صعد السيد سعدي على منصة قصر الأمم لتلاوة خطاب افتتاحية أعمال المؤتمر التأسيسي لحزبه. كنت حاضرا هناك مع بقية المدعوين و رجال الإعلام. بعد التحيات المعتادة، استهل خطبته الموجزة بتلاوة عدة فقرات من مشروع المجتمع لحزب التجديد الذي كتبته بنفسي، و أعلنت عنه في 03 نوفمبر 1989، كما طبعته في شكل كُتيّب صغير.

 

تم الإعلان عن أمر السرقة في عين المكان، و قامت الصحافة بتولي القضية ساعتئذ قبل أن تطمسها بعد ذلك. لكن بعض الجرائد قامت بنشر الفقرات متقابلة، تلك المأخوذة من مشروع المجتمع لحزب التجديد ( الإشكالية الجزائرية) و نظيرتها التي كتبها سعدي في خطابه فكانت كلمة بكلمة. مُذْ ذلك الحين طويْتُ صفحة تلك القضية ولم أتحدث عنها إطلاقا.

هذه هي الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن ينكرها و لا للزمن أن يغيرها. و هي متاحة لكل من يريد مراجعة أرشيف الصحافة (المجاهد، الأوريزونHorizons، المساء و غيرها في الفترة الممتدة من 16 إلى 24 ديسمبر 1989) حتى يكون الأمر محددا. سنرى ساعتها من الكاذب و من المتواطئ في الكذب، و سينقلب حينئذ السحر على الساحر.

أفضل سؤال علينا طرحه اليوم: لماذا هذه الهجمات ضدّي الآن، و الصادرة من وسط يُعرف بـ” المعارضة”، و من بعض أشباه الصحفيين؟ من المستفيد من هذه الهبّة الموجهة ضدي، إن لم يكن النظام النذل الذي يجهّز نفسه لإبرام عقد من خمس سنوات أخرى لن تنجو فيها الجزائر؟

لقد أشرتُ بأصبعي إلى العهدة الخامسة، و ناديتُ برفض هذا المشروع القاتل لمستقبل البلد، لكنه يُراد لي أن أسقط أنا وفقا لرغبات أويحي، “عساس الدالية” هذا الذي تأسف علنا انه لن يجعل مني ” بطلا”، بعد ناطقه الرسمي الذي طلب من العدالة إلقائي في السجن.

مشكلة منتقديَّ حسب ما أرى، لا هو القمر و لا العهدة الخامسة، بل الأصبع الذي يشير إليها: ” أنا” هو مشكلتهم، الذي يتهمونه بـ” الأنا “الضخم الذي يمكن أن يبتلعهم.

يعرف الجميع الحكمة التي تتحدث عن الأحمق الذي أخذ الأصبع الصغير بِلُبّه و هو ينظر إليه، في الوقت الذي كان يشير للقمر الكبير(عندما يشير الأصبع للقمر، ينظر الأحمق للأصبع). في الصين القديمة، كان يكفي ظهور أحمق واحد لتنبثق هذه الحكمة، أمّا في حضارة الدوّار، لدينا الحمقى منتشرون بكثرة، لكننا و لأن أمورنا معكوسة منذ أمد بعيد، فقد صارت الحماقة هي الحكمة.

كيف يمكن أن نفهم تلك الحكمة الصينية ؟ لدينا الخيار بين عدة معاني: عندما لا نتمكن من التمييز بين الأصبع الحقير والكوكب الضخم، عندما يُقدّم الثانوي على حساب الأساسي، عندما نريد تحويل نظر العامة عن موضوع خطير بأن نحاول تشويه سمعة من أطلق صفارة الإنذار حوله، عندما نسرق جزءا من مبادرة و كأنها الكلّ، في حين أنها تحتوي على 15 جزءا تمّ الإعلان على ثلاث منها فقط إلى الآن…

القمر هنا، فوق رؤوسنا، قرص مستنير في ليلة ظلماء. هو ربّما مناسب كمصدر إلهام لتحليقاتٍ شعريةٍ للمتملقين المرتبطين به كارتباط المد و الجزر بحركات القمر، لكن في الحقيقة ما هو سوى العهدة الخامسة المُهلكة التي ستسقط على الجزائر يوما فتسحقها إلى الأبد.الخطر هنا لكن لا أحد يراه، ” النخبة” مشغولة بمطاردة الأصبع المتهم بالإشارة إلى العهدة الخامسة.

لم تظهر أية حكمة، فقط  و دائما عقلية الدوّار الحُبْلى بالبلاهات، مثل القصة التي تتحدث عن الإخوة الذين سقطوا الواحد تلو الآخر في بئر انعكس على وجهه صورة السحب، و هم يعتقدون أنه قطن نمى هناك بأعجوبة، و هم مؤمنون أيّما إيمان بما يوجد داخل بئرهم. لقد ماتوا جميعا لأنّهم آملوا الكثير من العدم.

لقد تعلمتُ هذه الحكمة الصينية و هي اقتباس للو تسي (Lao Tseu) في نهاية الستينيات، عندما قرأتُ كتابا لروجيه غارودي (Roger Garaudy) ذكرها فيه، و قد ذكرتها بدوري في كتاباتي في بداية سنوات السبعينيات دون أن أغفل عن وضع الأقواس و الإشارة إلى المصدر، وإلا فإنه كان سيكون سرقة أدبية.

لو فعلتُ ذلك دون أن أحترم هذه الأعراف المحتقَرَة في بلد كلّ أموره معكوسة كبلدنا، و ندّد بذلك أحد الصينين أو أحد الشخصيات الأدبية، فلن أضيف لقلة نزاهتي حمقاً و أرد عليه قائلا: ” كل الأفكار موجودة في الطبيعة، أنت و حكيمك لو تسي (Lao Tseu) لستم سوى نرجسيين، مصابين بجنون العظمة تعتقدون أنفسكم مركز الكون!”…

15/10/2017

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم