الرئيسية 5 الرئيسية 5 الأمة الحقة

الأمة الحقة

بقلم نورالدين بوكروح

ترجمة نورة بوزيدة

noureddineboukrouh@yahoo.fr

noureddineboukrouh@facebook.com

فاجأني وقع مقالي الأخير “الأمة المزيفة” الذي نشرته في هذا الموقع، والعدد الكبير للقراءات على صفحتي بالفايسبوك، وعدد التعليقات والتوزيعات. ومن بين ما قرأت، لفت انتباهي أن  الكثير منهم عاتبني على “تشاؤمي” وطلبوا مني الخروج من التشخيص إلى عرض الحلول.

أنا لست متشائما، إنما الواقع وما نراه في الأفق هو ما يدفع للقلق، بل والتخوف الكبير من المستقبل. هل من التشاؤم أن نعلق على وقائع موضوعية، وأن نطرح قراءة في الأرقام والتنبيه إلى ما هو جلي لأنظار الجميع ولكن لا يعي أخطاره سوى القليل؟ أهو من التشاؤم القول بأن ما نعيشه اليوم سيثقل حياة كل الجزائريين في مستقبل حتمي يقترب بسرعة؟

ومن بين ما يحمله هذا المستقبل، وحتى لو اكتفينا بالنظر إلى جانب واحد من الأشياء، نجد أن بلدنا لن يواصل أكثر من سنتين في تمويل إيراداته من سلع وخدمات من احتياط الصرف الموجود حاليا. ومباشرة بعدها، سنضطر من أجل تحقيق التوازن بين مصاريفنا ومواردنا بالعملة الصعبة إلى التوجه إلى القرض الخارجي بحثا عن 40 مليار دولار، وهذا حتى لو بقي سعر البرنت في مستوى 50 دولار. أين سنجد هذه الأموال الطائلة؟ وماذا سنفعل في السنوات التالية؟ ألن يكون ذلك بداية ضياع سيادتنا وتحكمنا في مصيرنا الوطني؟ بلى.

هل أخطأت عندما تحدثت عن “أمة مزيفة”؟ إن أمة حقة لا تربط مصيرها بصعود وهبوط سعر مادة أولية. إن أمة حقة لا تتكل على الخارج للحصول على سلاحها وقمحها ووقودها وأدويتها والمواد التي تستهلكها وعتادها الصناعي ولبناء مساكنها و بنياتها التحتية، دون أن ننسى العلاجات الطبية لأعلى قادتها وحكامها. إن الأمة الحقة لا “تترامى” في أواخر الترتيبات العالمية، بل تتصدرها.

ليس من جلد الذات أن نذكر بخضوعنا التام للعوامل الخارجية والتقلبات التي لا نتحكم فيها. إن الأمة المزيفة هي كل أمة قائمة على حسابات على المدى القصير فقط، ومرتبطة بطول أو قصر عمر رئيسها، وعلى مؤسسات “قش بختة” وعلى ذهنية شعبية متمزقة بين الماضي والحاضر، ويتنافس عليها السماء والأرض. إن تكرار القول بهذه الحقيقة لا يعني التقليل من شأن مواطنينا أو سبهم لكن هي محاولة مني لإحداث ردة فعل حازمة فاصلة ضد خطر انهيار اقتصادي واجتماعي آت لا محال.

إن الأمم العريقة هي تلك الأمم التي استيقظت في فجر التاريخ وبدأت العمل مع طلوع بدر الزمن، وشرعوا على التو في ابتكار الأفكار والتقنيات لتحسين معيشتهم وازدهار صيتهم بين الأمم الأخرى، فشيدوا معالم وبنايات رائعة الجمال، تحدت الزمن والقرون. إنها الأمم التي أرست هيئات وقورة وطورت ثقافة ونمط عيش جميل ونمت فرحة العيش لدى أفرادها.

إن الأمة الحقة لا تبدأ حياتها في سن متأخرة، مثلها مثل الأمي الذي يبدأ التعليم في سن متقدم. إن ذلك التعليم، ومهما فعل، لن يغير في ذلك الإنسان آثار الأمية وطبائع اللا- تمدن والخشونة. إن أمة حقة لا تبدأ حياتها في التاريخ سنة 1962 مثلا دون أن تثير التعجب والتساؤل عن أسباب هذا التأخر الطويل، والنوم العميق الذي يشبه حالة من سقط في غيبوبة. وفي هذه الحالة، ألا يجب على هذه الأمة أن تقوم بنقد ذاتي وتغور في غياهب لا وعيها وضميرها لإيجاد مفاتيح سر تأخرها بالنسبة للأمم العريقة؟ هذا عمل يجب أن يقوم به مثقفون حقيقيون، لكن مثقفينا مشدودون إلى ذاتيتهم وصررهم بحبال من صلب وفولاذ.

ألم يكن بإمكاننا إنجاز ما أنجزته مصر القديمة التي شيدت أهرامات بفضل علم لم يضاهيه علم؟ ألم يكن بإمكاننا أن نكون مكان اليونان العريقة التي أمدت العالم بأكبر رموزه مثل فيتاغور وسقراط وصولون أو مكان روما التي بناها رومولوس والتي احتلتنا لمدة قرون طوال؟ ألم تكن بين أيدينا فرصة أخرى في سنوات السبعينات من القرن الماضي لكي نصبح كوريا الجنوبية أو سنغافورة أو ماليزيا أو الصين أو الإمارات العربية؟

لا يكفي لمن يدعي أنه أمة امتلاك أراضي وصحاري مترامية الأطراف لا يخرج منها شيئا، ولديه شعبا بدل مجتمع، وسلطة بدل دولة وقوات عسكرية تكمن أول مهماتها في حماية ذات السلطة دون غيرها. حقيقة، إن التراب والشعب والعسكر عوامل تكوين أمة لكن لو أخضعناها لفكر وثقافة ورؤية ووجهة تاريخية. وعندها فقط يصبح التراب أساس اقتصاد منتج وتنافسي، ويكون الشعب متعلما ومتمدنا ومتحضرا، منتجا وذكيا، وتكون الدولة صالحة نزيهة لا يشوبها شك ولا ريب، دولة تختار لنفسها الأكفاء القادرين من بين أبناء شعبها لممارسة المسؤوليات المنوطة بها، وتكون القوات المسلحة في خدمة الدفاع الوطني وليس في الدفاع على أنظمة استبدادية، مرتشية وفاشلة.

وعندما تصرح الدولة بأن دينها الإسلام، فلا يجب أن تتضارب القيم الدينية مع قيم الحداثة، ولا الشريعة مع القوانين التي أرساها الإنسان. لا يمكن لبلد يعيش فيه الناس وهم يؤمنون طبيعيا أن الله يتدخل ليسير كل جوانب حياتهم، يمدهم ويأخذ منهم دون أي إرادة منهم، سواء عملوا أو لم يعملوا، وناس مسكونون ليلهم ونهارهم بالجن والشيطان، ومهلوسون بمسائل الحلال والحرام دون تمييز ولا تفكير. إن بلدا مثل هذا لا يمكنه، بل لن يريد أن يصبح أمة، وشعب مثل هذا هو شعب مستقيل لا يريد أن يبذل المجهود الضروري لبناء دولته وبلده وأمته، ويحسبه جهدا لا يعنيه. من يعني إذن؟ لقد أوضح صبر آراء أجري مؤخرا أن غالبية الشعب الجزائري ما زالت لا تؤمن بأمة جزائرية بل تحلم بأمة إسلامية لن ترى النور أبدا.

وبكل موضوعية، نقول أنه حيث لا تجتمع الشروط الضرورية لتكوين أمة حقيقية، لا يمكن إلا أن نحصل على أمة مزيفة، مثلها مثل “القوربي” المصنوع من الزنك والقصدير والقش و نسميه “دار” ونعتبره منزلا ونحسبه نمطا معماريا.

إن “القوربي” والأمة المزيفة هما منتوجان لعقلية واحدة هي عقلية الدوار التي تنتج في الواقع عكس ما تدعيه وتزمر له بسبب عدم كفاءتها واعوجاجها وترهاتها : فعندما تحاول عقلية الدوار تشييد الدولة، نحصل على سلطة تفعل ما تشاء وتعبث بمصير الوطن، وعندما تريد عقلية الدوار بناء اقتصاد ما، نجد أنفسنا غارقين في وحل دسم يسمى الاقتصاد الموازي، وعندما تريد نفس العقلية إفشاء الدين بين أفرادها، تدفنهم تحت وطأة شعوذة الجاهلية والجاهلين. وبمعنى بسيط، حيث تسيطر عقلية الدوار كما لدينا، نجني ثمارها وصغارها ونرزح تحت دروشتها.

إن الأمة التي يجب أن نتوق إليها، والتي يجب علينا بناءها إذا ما لم نرغب في الرجوع مرة أخرى تحت وطأة استعمار ما ونظام الأهالي (انديجينا)، أو الرضوخ تحت استبداد خليفة نكرة يخرج علينا من العدم، ليست الأمة المزيفة التي هي حالتنا اليوم، ولا الأمة الإسلامية الخيالية التي يحلم بها الإسلاميون المتشبعون بالعلم القديم، بل هي أمة ودولة حديثتين.

هل هذا من المحال؟ لا أبدا. يمكننا أن نصبح أمة حقا، وهذا ما أسعى لقوله من خلال مقالاتي والتفكير في هذا الموضوع منذ خمسين سنة تقريبا. لكنه من السهل والصعب في آن أن نصبح أمة، لأننا في نفس الوقت المشكل والحل. فالحل لن ينزل علينا من السماء، ولن يهديه لنا الخارج بل علينا صنعه بأيدينا وبفضل أفكارنا في أسرع وقت ممكن، مهما كانت صعوبته، لأنه ولادة وكل ولادة موجعة.

فمن يريد أن يصبح أمة حقا، عليه أم يمتلك دولة ديمقراطية، شفافة وكفئة، وعليه أن يمتلك نظام تعليم يضيء طريق الأجيال بأنوار الفكر الحديث، وعليه أن يمتلك اقتصادا منتجا، يكفي حاجاته وينافس الآخرين في أسواقهم للحصول على ما يلزمه من عملة صعبة لاقتناء ما يجب استيراده من الخارج لأنه لا يملكه حقا في بلده. وعليه أن يغرس في مجتمعه فكرا خلاقا، ينتج تكنولوجيا وأفكارا إنسانية تنير الطريق ولا تعتمه، وعليه أن يمتلك قانونا صارما لزهق الباطل وتحقيق الحق والعدل، ودستورا يكون فوق الجميع، وفوق رئيس الجمهورية قبل أي فرد آخر من تلك الأمة.

فلا يمكن لأمة حقة أن تكون فريسة رجل واحد أو عشيرة أو مجموعة ما. إن الأمة الحقيقية لا تبني مستقبلها بالتحسس لنبضات قلب قادتها ولا يكون مصيرها الجماعي ضرب أزلام و”خط الرمل” بل وأكثر سوء، محل مؤامرات دائمة وخداع مستمر. إن مصير أمة حقة يكون واضحا وبينا ويمكن استشرافه ويتم تحضيره بحزم وصرامة. إن الأمة الحقة لا يحكمها رعاعها بل خيرة أبنائها المثقفين والسياسيين والتقنيين. إن أمة حقة لا تبقي نساءها في وضعية من تعمر البلد وتعمل المسكينة جاهدة على عدم إثارة شهوات الرجل وغرائزه. إن الرجل الذي لا يتحكم في غرائزه ليس بالرجل بل هو مجرد حيوان لا يستحق العيش في أحضان أمة، ولو كانت مزيفة.

ولكن، كيف يمكننا التحول من أمة مزيفة إلى أمة حقيقية؟ بالتأكيد، لا يمكن ذلك بتراكم الفحوصات والتشخيصات ولا حتى بتقديم الأفكار لتغيير وضعنا. بل ما يجب أن يكون هو يقظة ضمير جماعية وشاملة حول أهمية وحيوية هذه الإشكالية، وألا تبقى وعيا محصورا لدى بعض الأشخاص أو جزء من الشعب، مثل المتدخلين في الشبكات الاجتماعية. يحب أن نعي بكل برودة وموضوعية بالحالة التي نحن عليها اليوم وأن نصرح ونعلن عن رغبتنا في الخروج منها، أي حالة الأمة المزيفة. ثم يجب أن نتأهب وأن نلتزم وأن نلتف حول الحلول الناجعة، وليس ما يقدم من حين إلى آخر على أنه “الحل” الأعجوبة السريع، الذي لا يتطلب أي جهد من طرف الشعب، والذي بالعكس تمليه الشعبوية.

نعم، يجب على كل فرد من أفراد الأمة أن يلتزم بهذه الحلول ويحولها إلى مشروع مجتمع ونظام سياسي شرعي، ووضعها كمثل أعلى تلتف حوله الأجيال الجديدة التي ستجعلها بدورها مهمة حيوية، وتعتبرها ورشة تبرز من خلالها حبها لهذا الوطن وتفتق عبقريتها من أجل ذات الهدف.

نعلم جميعا أن الزيف هو عكس الحق، بل عدوه. من يتجه للزيف والغلط هو من لا يستطيع أو لا يعرف أو لا يريد أن يقوم بما هو حقا وصحيحا، لأن بالنسبة له يكون الزيف أسهل منالا أو يخدم مصالحه الشخصية الضيقة. إن الأمر لا يتعلق بجاذبية “هكذا” نحو الباطل والزيف، أو “جابها الشيطان” كما نقول عندناـ بل لأن الحق والصحيح والسوي، يتطلب ذكاء وكفاءة وتنظيما وأخلاقا ونزاهة وإيثارا، وهي كلها مزايا لم تتوفر لدى أغلب من حكموا بلدنا منذ الخمسينات. هؤلاء الحكام لم يكونوا النخبة بل “الشاطرين” من بين “الشاطرين” و”القافزين” من بين “القافزين”، عازمين كل العزم على “الوصول”، لا يوقفهم شك حول قدراتهم ولا ينغزهم ضمير فيما هم أهل للمهمة، فنزلوا علينا بنقائصهم وحقرتهم للآخرين، لا يحكمهم خلق ولا يقلقهم وازع ديني أو إنساني.

وأمام المستقبل الداكن الذي ينتظرنا، يمكننا أن نتقشف ونخشوشن في “نيفنا” وندير ظهرنا غاضبين ونصرخ كما صرخ بومدين :”ناكلو الحشيش، ناكلو التراب، لكن ما نساومش أبدا سيادتنا”. قد يعجبنا مثل هذا الموقف من حيث المبدأ وروح البطولة بالصوت والصورة حيث كان بومدين يشهر قبضته ويعبس وجهه، لكنني لا أظن أن الأجيال الحالية تقبل بأن “تأكل الحشيش”، لم يعد ذلك في الذهنيات ولا الزمن يقول بذلك، بل ما ستفضله، وقد شرعت منذ سنين، هو الموت في البحر “حراقة” أو إضرام النار في البلد،  تدفعها رغبة جامحة في الثأر، أو الانتحار الجماعي.

ومهما قال بومدين، ومهما كان الأسلوب الذي قاله فيه، فإنه هو شخصيا توجه للتدين من الخارج وأورث 14 مليار دولار دينا ل14 مليون جزائري. وتضاعف الدين مع الشاذلي إلى أن وصل 35 مليار عندما وصل بوتفليقة إلى سدة الحكم. كانت المديونية أمر سري لا يطلع عليه سوى بعض الخبراء، لكن الحقيقة هي أن اشتراكيتنا كانت مبنية على الفشل في الداخل و الاستدانة في الخارج. وفي سنة 1986 أدى سقوط أسعار النفط إلى أحداث أكتوبر 1988، وما انجر عنها من مئات الآلاف من الأموات. كنا على ما أظن في ذلك الوقت 24 مليون نسمة، أما اليوم، فنحن 40 مليون.

لقد سمح لنا ارتفاع أسعار البترول أن ننجو بأعجوبة وفي آخر لحظة من ورطتنا الجماعية التي قبعنا فيها مدة طويلة وتمكننا من الخروج من دائرة التدين، لكن سرعان ما سقط حكامنا غير المتنورين من جديد في اعوجاجهم الأزلي وطبائعهم السيئة من شعبوية مفرطة، ومسح ديون الشركات العمومية المفلسة والفلاحين لتفادي غضب العمال، وإعادة رسملة البنوك العمومية، وهدر مئات ملايير الدولارات في سياسات اجتماعية غير مضبوطة، أضف إلى ذلك اختلاس أمول خيالية من خزينة الدولة وهدايا لدول “صديقة” دون تمييز ودون أساس ومن غير سبب دبلوماسي أو إنساني… و و و …

جاء نفس الرجال و بقوا ومحوا ما فعلوه ثم أعادوا فعله بنفس الطرق والذهنية والأفكار، بقوا كما هم وقد تغير العالم من حولهم. بالفعل، إن من قاموا بغلطات البداية سنة 1962 ما زالوا يحكمون الجزائر بكل “سيادة” في 2016. ألا يكفينا هذا دليلا على كوننا أمة مزيفة وأن مثل الأمة الحقة ما زال بعيدا عنا؟ إننا أقرب من الغرق في الطوفان من النجاة منه، إلا إذا قمنا بوثبة أخلاقية جماعية جبارة لتجاوز سيئاتنا العميقة لأننا، واسمحولي بقولها مرة أخرى، لسنا شعبا لديه مساوئ مثل كل الشعوب الأخرى بل نحن المساوئ مجسدة في شكل شعب.

نشر صندوق النقد الدولي في الآونة الأخيرة بيانا حول الآفاق المالية لبعض الدول البترولية، وفيه يؤكد أن الجزائر ستضطر قبل نهاية السنة الحالية للتوجه إلى أسواق القرض العالمية. وهو التأكيد الذي يناسب ما خلصت إليه الثلاثية المنعقدة مؤخرا بين الحكومة والشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين حيث اتفق الجميع على أن “النمط الاقتصادي الجديد” الذي هو قيد الإعداد سيرتكز على تكثيف المديونية الداخلية والبحث عن قروض خارجية “مفضلة”، وكأنما عروض القرض في السوق العالمية غير متناهية ومتدفقة، تنتظر الجزائر لتختار ما يطيب لها ويحلو وهي “تمص القارص” أمام العارضين المساكين. علينا أن نعلم أن المعايير الدولية تحدد نسبة 3 بالمائة كأعلى حد لعجز ميزانية أي دولة، وعجزنا اليوم قد تجاوز 15 بالمائة.

سيمدنا اللجوء إلى الاستدانية الخارجية بضمان احتياطي الصرف لدينا فسحة عامين أو ثلاثة على الأكثر، لكن هذا لن يمنعنا من الاصطدام لا محالة بلحظة التوقف عن دفع ما يجب دفعه من أموالنا الخاصة من أجل الاستيراد أو مصاريف تسيير جهاز الدولة والجزء الأهم منه، أي دفع الأجور.

أين هي تلك الهيئات الدولية والبنوك العالمية والممولين الذين بإمكانهم إمدادنا 40 مليار دولار في السنة الأولى، ثم 50 ثم 60 إلى ما لا نهاية؟ هل نظن حقا أن الأسواق المالية ستفتح لنا أبوابها بالرحب والسعة وتفتح لنا صناديقها بسهولة لأننا “شعب المعجزات”؟ ماذا ستكون ضماناتنا؟ بماذا سنعيد ديننا؟

هل لدينا جزرا يمكننا بيعها كما طلب ذلك من اليونان التي توقفت عن دفع ديونها قبل سنوات؟ إن اليونانيين ورثة ثقافة أسست للعالم الغربي روحه وتقنياته، وهم أول شعب اكتسب لقب “شعب المعجزات” عرفانا لهذا الشعب الذي ابتكر كل شيء في الفلسفة والعلوم والرياضة والفن والديمقراطية. أما نحن فلم نبتكر حتى يد المكنسة (المصلحة) التي كانت تستعملها جداتنا مقوسة الظهر كل يوم لكنس بيوتهن، لأن رجالنا الموقرين والمنتفخين بصفتهم “ذارقاز” لم يفكروا في هذا ولا في أي شيء آخر يبتكرونه.

لم يكن الشعب اليوناني يتعدى بضعة آلاف، يقطنون جزرا مترامية في البحر المتوسط، لكن هذا لم يمنعهم من إنشاء ليس فقط أمتهم هم، بل إحدى أروع وأبدع الحضارات الإنسانية. أما اليوم، فقد أصبحوا 11 مليون نسمة في طريقهم إلى التخلف لأنهم فضلوا العيش فوق طاقتهم ولأن الجزء الأكبر من اقتصادهم موازي، وإن كان ذلك لا يضاهي ما يجري في بلادنا في هذا المجال.

لا أيها الجزائريون، إن الأسواق المالية لن ترحب بنا، بل ستنظر إلينا باحتقار لأننا سنذهب إليهم متسولين لكن بوجوه “مطلسة” “بفحولية” في غير محلها. إن الأسواق المالية ستفرض علينا شروطا صعبة جدا وسنجبر على قبولها، وستفرض علينا مخططات تعديل هيكلي ومخططات تقشف ستنقص من سمنة إدارتنا ومؤسساتنا العمومية والخاصة وبالتالي ستنقص من القدرة الشرائية للمواطنين. سنضطر إلى رهن أو بيع آبار البترول أو حقول الغاز، أو إلى التخلي عن أراضي زراعية أو منح رخصات للصيد في شواطئنا، و اللهم جرا، فالجزائر كبيرة وخيراتها كثيرة…. لكن، هل هذا سيكفي لجمع 40 مليار وأكثر سنويا؟ لا. وحينئذ فليتقدم من شاء من حكامنا أمام الملأ ليفرض ما يريد، من قاعدة 51/49، وحق الشفعة، وحق التسيير السيئ والرشوة…. والخطوة الموالية هي أنه سيحكم على الشعب الجزائري بالعودة إلى نمط حياة الخمسينات التي عاشها أجداده وآباؤه تحت الاستعمار.

نعلم درجة الهلع الذي أصاب حكامنا الحاملين لعقلية الدوار، وهي العقلية التي نطق بها الوزير الأول سلال، متسللا من مسؤولياته : “دبروا راسكم”، وهو لا يعرف ربما أنه سيجني “طاق على من طاق”. لدينا مثل شعبي يقول “إذا شبعت الكرش، الراس يغني”، والعكس صحيح كما يقول مثل فرنسي : ‘إذا الكرش جاعت، الراس ما تسمع، ما تشوف”. وإذا، لا قدر الله، وفوق كل هذا أصابتنا كارثة طبيعية بسبب الاحتباس الحراري أو زلزال، كيف سننهض بعدها؟

الأصعب ليس أن نتصور الحلول، لكن أن نطبقها في محيط غير متجانس ثقافيا وغير قابل للحلول السياسية الجماعية حيث أن ما يقبل به الإسلاموي، يرفضه الديمقراطي والعكس صحيح. وإلا، فيكمن الأمر في التخلص مما يشوب الأمة المزيفة التي ذكرناها في مقالنا الأسبوع الماضي ووضع الشروط اللازمة لميلاد أمة حقة التي أصفها هنا.

إن أمة هي كل من عاش ومات فيها، إنها الأموات والأحياء ومن لم يأتي للدنيا بعد. إنها ماضي وحاضر ومستقبل. فالحاضر ينبع من الماضي ويؤسس بدوره للمستقبل. وهنا أطرح السؤال للجميع: بأي الوسائل ستتخلص الأجيال القادمة من الديون الضخمة التي سترثها عنا؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم