الإسلاموية والشعوذة

بقلم :نور الدين بوكروح

ترجمة :ساعي عــايدة

في القرن الثامن عشر، نطق الكيميائي الفرنسي الكبير لافوازييه (Lavoisier) بمقولته الشهيرة :” في الطبيعة لا شيء يفقد، ولا شيء يخلق، بل كل شيء يتحول“. وفي عالم الأفكار أيضا تسري الأمور بنفس الشكل تقريبا حيث أن الأفكار لا تزول بل يوجد منها ما يتحول ليتكيف مع ضرورات الحياة، فيصبح حافزا فمؤسسات تحافظ على القيم، خدمة لسعادة البشر والانسجام بينهم. كما يوجد منها ما يعمل على عرقلة تلك السعادة وذلك الانسجام وإن على المدى البعيد. تبقى خامدة في أعماق الدهنيات ودهاليزها، متربصة فرصة تراجع العقلانية وضعف الإجراءات الوقائية كي تستعيد نشاطها، مثلها في ذلك مثل الفيروسات التي تتكيف بحثا عن ظروف ملائمة لتبقى حية وتستأنف مهمتها المؤذية، بمجرد توفر البيئة المناسبة.

لم تزل الشعوذة، عكس ما كنا نعتقد، وذلك رغم الجهود التي بدلتها جمعية العلماء الجزائريين لاستئصالها من المجتمع على مدى نصف قرن. وها هي تعود بسرعة مذهلة وبسهولة عجيبة مند العشريات الأخيرة، حيث نراها تترعرع بشكل مختلف في كنف الأسلاموية، وكأننا عدنا لنعيش من جديد زمن ازدهارها في وطننا مثلما كان عليه الحال بين القرن الخامس عشر ميلادي و1930، سنة احتفال الاستعمار بمئوية وجوده في الجزائر.

إن بلدنا الذي خاض حربا تحريرية عظيمة واستعاد سيادته مقابل تضحيات جسام، وأنفق ألف مليار دولار منذ الاستقلال ليتطور، بحيث خصص الجزء الأكبر منه لتربية وتكوين ” الجزائري العصري” وجد نفسه بالنهاية قد عاد إلى أكثر العصور ظلامية منذ انحطاط العالم الإسلامي وحقبة الاستعمار الذي اتخذ من الشعوذة مساعدا متطوعا له.

ثبت لنا أن ما اعتبرناه يوما مكاسب أكيدة لا رجعة فيها، لم تكن سوى جهودا عقيمة وحرثا في البحر. قامت الشعوذة بقفزة عمودية مدهشة أوصلتها إلى سدة الحكم في البلاد، في حين كانت قفزة وريثها المتبلد، الإسلام السياسي، أفقية وضخمة أيضا مس تأثيره شريحة واسعة من المجتمع. فهو ليس فقط وريث الشعوذة بل نسخة عنها أيضا، وأسوأ منها مستعملا في ذلك وسائل اليوم من تكنولوجيات وأسلحة…

هما اليوم اثنان، كيانان فيروسيان، يقبضان كفكي كماشة على المجتمع الجزائري، ويعملان على تعقيمه نهائيا ويصبح بذاته طالبان أو “داعش”. يجب أن نعيد بناء كل شيء يوما، لكن إذا صمدت الجزائر وفلتت من مصير رهيب سقط فيه الصومال وأفغانستان و ليبيا وسوريا و العراق، والخيار واسع كما نرى، وهو أمر غير مستبعد ولا مستحيل. خاصة إذا جف بترولنا قبل الأوان وهو الأمر الذي ليس بالمستبعد أيضا.

الفرق الوحيد بين الإسلاموية  الحالية والشعوذة القديمة هو أن هذه الأخيرة لم تكن دموية، لم تقتل الناس واكتفت منهم بشل عقولهم واغتيال كل عقلانية فيهم، في حين يحبذ الأول أن يجمع بينهما ما أستطاع إلى ذلك سبيلا. فتكاتف الاثنان ونجحا في إحياء جمهور متعطش لكل ما هو مقدس، من القاعدة إلى القمة، شعبا وحكاما، لكي يمررا رسالتهما المشبوهة وخطابهما المبهم. لقد استعاد رواد هذه الظاهرة المناخ السحري الملائم لتسويق حيلهم وخداعهم، فضلا عن إحياءهم ممارسات تفننوا من خلالها في العبث بآلام الناس ومعاناتهم كما كان الأمر قبل ظهور الطب العمومي.

في عهد الإمام عبد الحميد بن باديس، كانت تقف فئات عريضة من الشعب فاغرة فاها أمام كل من يحكي لها خرافة ما، تؤمن بالمعجزات وتتبع كالأنعام مواكب المشعوذين. كانت تبجل كل من يلقب بـ”سيدي” أو “مولاي” أو “شيخ” وتعتبره مالكا بركات يدرها على من يصدقه. كان هؤلاء المخدرين يشربون كلامهم كالماء المبارك ويجمعون شعرات لحاهم إذا كانت لديهم كالحرز يتبركون بها أيضا. إنه الجمهور الذي وصفه بن باديس بـ”الشعب الذي يجمعه الطبل و يفرقه العصا“. كان شعبا يهوى”البخور” و”الجاوي”، و”الطلبة” الذين يداوون الأرواح والأبدان، والحكاواتي الذي يدخل في نشوة بإيقاع شيطاني من البندير، وملاعبي الثعابين الذين كنت، وأنا صغير، أذهب لمشاهدتهم في ساحة “أيالة الجزائر” (ساحة الشهداء حاليا).

انتشروا في كل مكان، في المدن، والأحياء والقرى، منهم الأبيض والأسود، والمنافق المتملق أو النذل المريب، يرتدون “برنوسا” أو “قندورة”، ويستعرضون أمام الحشود المبتهجة أو المنبهرة الطبول والبنادير و”القرقابو” والكثير من الأشياء يعزى لها تأثيرا سحريا وحاميا والموروثة من الحقبة العثمانية أو تلك التي جلبت من “تومبوكتو”  (Tombouctou)الأسطورية.

يعتقد مالك بن نبي أن الحضارة الإسلامية انحرفت عن مسارها في السنة 37هجرية وهي سنة المواجهة بين معاوية وعلي. فبالنسبة له، انتهت “مرحلة الروح” حينها لتحل محلها “مرحلة العقل” والتي استمرت إلى حقبة ابن خلدون ثم إلى “مرحلة الانحطاط” التي توفي هو قبل تمامها. أراد مالك بن ني من كل هذا أن يقول أن الحضارة الإسلامية لم تقم لها قائمة منذ ذاك لتقع، ألفية من بعد، في قبضة الشعوذة. حالها في ذلك حال الطائرة التي فقدت خطة سيرها عند الإقلاع، فتهوى بمن فيها من علو آلاف الأميال.

يقترح بن نبي علينا مثالا ملموسا إذ يقول:” إن الجهد الفكري، بمعنى الجهد الذي يخلق أفكارا، تم التأسيس له من أولى تعاليم الإسلام بهذا الحديث“إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فأجتهد ثم أخطأ فله أجر”.ها هو النموذج الحي عن توجيه جهود الأجيال الأولى للإسلام إلى تحرير العقول والتي أثرت بذلك على التراث الإنساني في مجال الفكر النظري الصرف كما في مجال العلوم التطبيقية. لكن، قرون بعد ذلك، غيرت المجتمعات الإسلامية سلوكها تماما تجاه الفكر والاجتهاد. بل في حقيقة الأمر، نجد أنها عكست المبدأ واتخذت طريقا مشت فيه الأجيال الأخيرة إلى يومنا هذا – والمبدأ يتعلق بالقرآن-:” تفسيره خطأ و خطؤه كفر“.

يواصل بن نبي قائلا:”هذا المبدأ يعتبر حائلا حقيقيا أعاق كل جهد فكري وشله في العالم الإسلامي خاصة وأن المدارس الفكرية كانت تبني اجتهادها وتفكيرها من منطلق قرآني، كمدرسة المعتزلة التي أغنت كثيرا الفكر الإسلامي. المدرسة الإصلاحية بدورها منذ رائدها الأول محمد عبده وعت نوعا ما أن العقل المسلم قد غاص في وحل من الجمود. لكن لإخراجه  منه  كان يجب منحه دافعا روحانيا قويا، كما فعل مارتن لوثر(Martin Luther) و جان كالفين (Jean Calvin) في أوروبا، أو إخضاعه لثورة فكرية كالتي قام بها رينيه ديكارت(René Descartes) ، بمعنى أن تعطيه بشكل أو بأخر وثبة إبداعية للأفكار. لم تعرف المدرسة الإصلاحية كيف تحدث تلك الثورة و لا ذلك الإصلاح، لأنها سقطت بدورها في الوحل وهي تصرخ منه “أن العالم الإسلامي يغرق !

لا يزال العقل المسلم يدور في حلقة مفرغة، سجين جاذبية جعلته يلتف حول نجم ميت يحمل اسم “الانحطاط”. فالشعوذة والإسلاموية كلاهما ينحدر مباشرة من الموقف “الفكري” المبني على المبدأ المذكور أنفا، ويتجلى في منهج فكري ونموذج المجتمع الذي يقترحانه. فكم ردد علماء المشرق هذا الأخير على مسامعنا مرارا وتكرارا ” تفسيره خطأ و خطؤه كفر”؟

تعتقد الإسلاموية أن الإسلام هو كيان واحد منذ ظهوره. لكن إذا كان الإسلام واحدا لما تعددت الإسلاموية؟ لماذا توجد العديد من الأحزاب في الجزائر وباقي البلدان الإسلامية إذا كانت الحقيقة التي يدعون امتلاكها واحدة؟ لماذا تعددت أيضا الحركات الإرهابية بل وتصارعت فيما بينها في كثير من الأحيان؟ هل الاختلاف حقا في البرامج أم في حامليها؟ وكلنا يعلم أنه لا وجود لما يسمى ببرنامج إسلاموي وسوف نعود لاحقا للموضوع.

لقد فقدت قضية الشعب الفلسطيني مكانتها في نفوس الشعوب التي كانت تساندها منذ أن انقسم الشعب الفلسطيني بين مسلمين إسلامويين ومسلمين وفقط (دون أن ننسى المسيحيين). لقد انشقت إلى دولتين قبل حتى أن ترى الدولة الفلسطينية الحقيقية النور. تحت ذريعة “المقاومة”، جزأتها الإسلاموية إلى فرعين متعاديين، الأول مقره غزة والثاني رام الله، تحت مراقبة السلطات الإسرائيلية طبعا. فمن كان يحلم في إسرائيل بهذا السيناريو وبهذه الهدية؟ فأدار العالم بظهره للقضية، فسمح ذلك للحكومة الصهيونية باستغلال الوضع لمزيد من الانتهاكات والاستيلاء على الأراضي حتى يصل اليوم الذي لن تكون هناك دولة اسمها فلسطين على الخريطة. وتبقى الإسلاموية تحوم فوق مياه نهر الأردن أو على البحر المتوسط كروح القدس حسب الروايات الإنجيلية.

لماذا المسلمون الحساسون جدا لكلمة “سلف”، والتي أنتجت “السلفية”، اتبعوا مبدأ معاوية وتركوا مبدأ أبي بكر؟ ببساطة، لأن العلماء والفقهاء أخفوا المبدأ “الديمقراطي” خوفا من العصا أو كمجاملة لها، مقابل منحهم حق جمع الجماهير حول دروسهم وفتاويهم. كما شرعوا في تغيير وتحويل المعاني والتفاسير كما فعلوا مثلا مع مقولة ” طاعة ولي الأمر من طاعة الله” أبلغ مثال. لقد فعلوا بالقرآن والأحاديث الشريفة ما فعله المستبدون بدساتيرهم.

الجميع يعرف الحجة التي يسوق لها أجيال من “العلماء” والمفكرين المسلمين: يمكننا أن نتطور دون أن نغير شيئا في ثقافتنا وشخصيتنا، وأفضل نموذج يتشدقون به هو اليابان. غير أن يابانيا مختصا في شؤون العالم العربي قدم شرحا عن اليابانيين أفحم به هذا البرهان اللامع. هو الياباني المعرب والسفير “نابواكي نوتوهارا” والذي قضى أربعين سنة من عمره في شبه الجزيرة العربية وترجم العديد من الكتب من العربية إلى اليابانية. ومن الكتب التي قام بنشرها منذ بضع سنوات، كتاب عنوانه “العرب من وجهة نظر اليابانيين” حيث كتب قائلا:

في كل مرة يلتقي فيها العرب في مؤتمر علمي ويذكر اسم اليابان، يقارن المشاركون التجديد الياباني بالتجديد العربي كما يتمنونه. إنهم يؤكدون على أن اليابان نجح في الانتقال إلى عصر جديد مع المحافظة على ثقافته.كما لو أنهم يبحثون عن حجج أو يبررون لأنفسهم بالقول: “يمكننا ولوج عصر الحداثة والعولمة والإنتاج دون التخلي عن ميراثنا الاجتماعي وبالمحافظة على النموذج السياسي التقليدي، والمعايير السلوكية التي لا مكان لها في عالم اليوم”. و إذا وضحنا لهم أن اليابانيين دخلوا العصر الحديث  لأنهم في الحقيقة ابتعدوا عن النموذج السياسي والسلوك الاجتماعي الذي تعودوا عليه وأنهم تبنوا أفكارا جديدة، يندهش بعض العرب ويرفضون حتى قبول هذه الحقائق… في اليابان، كل يوم يحمل معه حصيلته من الإحداث الجديدة، في الوقت الذي يجتر فيه العربي تاريخه ويعيد بناء وقائع ماض بعيد…”.

صدر المقال بتاريخ 26 فيفري 2012: