الثورة المحاصرة (2)

بقلم: نور الدين بوكروح

ترجمة : فرحات بوزيان

لا تشبه المساجد في إيران ،من الناحية الهندسية، تلك الموجودة عندنا، باستثناء المساجد الكبرى التي نجدها في قم واصفهان، المسجد الإيراني بسيط للغاية بدون معالم هندسية، وقد يبدو حتى مغمورا. فقد يكون المسجد ، و في المدن خاصة ، أيّ شيء : هيكل، بناية غير مستغلة، منزل قديم أو قاعة متواضعة، الطريف في الأمر أنك تجد لوحات مكتوبة بالفارسية والانجليزية تدلك على المسجد، كتلك اللوحات الموجودة عندنا التي تدلك على مستشفى أو محطة السكك الحديدية. المسجد الذي سنزورنه هذه الامسية يسمى ” مسجد المحمدية ” بالضاحية الشمالية لطهران،يتألف من ثلاثة طوابق ، طابق تحت الارض وآخر أرضي  وثالث علوي، إنه ملجأ حقيقي!

الطابق العلوي مخصص للنساء، وما تحت الارض للأسلحة والتدريب العسكري، أما الطابق الأرضي للصلاة و…..المكاتب! يتوفر على كل شيء:هاتف ،آلة للكتابة، وطاولة، مقاعد ، مكتبة ومدفأة …باختصار، كل ما يلزم ” دائرة ” لمواجهة المشاكل في حالة ثورة، الناس في ذهاب وإياب لا ينقطع، كما في المقر العام  QG في حالة غليان . في الخارج، ترى جيب وسيارات سياحة متوقفة، انه موقف سيارات الصيدلية، حسين معروف هنا، لان هذا المسجد هو مسجد الحي الذي يسكن فيه.
منذ 12 من فيفري، التاريخ الذي بدأ فيه جيش الشاه يذوب كقطعة ثلج أمام الشمس، سقطت كل اعباء الحكومة المؤسسة بقوة على عاتق المسجد، قبل هذا التاريخ كان المسجد كـ” بلدية باريس” يسلح الشعب، ويهتم بقضايا المواطنين من جهة ويصفي العسكر والشرطة من جهة أخرى، يواجه مؤامرات القصر الملكي لبختيار Bakhtiar ؛ الذي يشبه تيرس نابليون أي (Thiers) النسخة الإيرانية ( غريب ! فهو بختيار، الجنرال بختيار تيمور الذي أسس السافاك سنة 1956)، لكن اذا كانت بلدية 1871 ” الباريسية” لم تدم إلا اثنين وسبعين يوما، فإن المسجد الإيراني سيطرد الشاه ويضرب مخابراته ويؤسس الجمهورية، من وجهة نظر المنطق الثوري والعدالة التاريخية، فالمسجد سينتقم للبلدية.
لقد تحقق النصر والآن يجب تعويض الدولة، تهدئة الوضع الناتج عن غياب مؤسسات “الطغيان”، استرجاع الاسلحة، استتباب الأمن، والحذر من الهجمات المضادة للسافاك التي قد تندلع مرة اخرى، تسوية الخلافات الحاصلة بين سكان الحي، ضمان أمن النقاط الحساسة في الدوائر …إلخ، هذه المهام أكبر من ان توكل إلى مسجد عادي، لكن الشبيبة الثورية تحملت بروح من الحزم والتضحية ما لا يتحمله الرجل الا عندما يكون المقدس لديه أهم من المصلحة ( شخصية كانت او جماعية). ” ماذا لو أن عشرات العيون تُحدق اليك، تخيل كم هو ذلك جدي ومتعب” الحكمة التي علمها كونفيشيوس لتلامذته الذين دربهم على خدمة الدولة، في إيران، الجدية هي أفضل شيء في الدنيا يتقاسمونه.
قادنا حسين إلى مخزن للأسلحة، مكان ضيق وطولي تحت الارض، المسؤول العسكري الذي أجاب على اسئلتنا يدعى محمود، و سيرافقنا، أظهر لنا الصواريخ العادية والآلية مركونة في حاملاتها ، موضحا لنا كل النماذج (الالمانية والامريكية والاسرائيلية) وشارحا لنا وظيفتها، بطاقة مع صورة واسم وعنوان المستخدم معلقة على كل سلاح، فتح لنا بعدها مخزنا حديديا حيث اخرج لنا قنابل يدوية شارحا لنا خصائصها. حاملوا الاسلحة “كما ترون” معروفون ومسجلون حسبما شرح لنا محمود، وقد تلقوا تدريبا، وكل واحد منه يحمل نسخة من كتاب ” أخلاقيات الفتح ” كتاب أخضر صغيرأخرجه لنا وقد اختصرت فيه الاوامر التي ينبغي مراعاتها. توزع الاسلحة كل مساء على الساعة السادسة  حيث تبدأ دوريات الحراسة والمراقبة، تتشكل مجموعات ثم ترسل إلى نقاط معينة في الدائرة وتستبدل كل ثلاث ساعات. لقد انتهت الزيارة، وأغلق محمود باب الترسانة بالمفتاح وخرج معنا إلى المكتب.
هناك، وجدنا أناسا يتناقشون وقد قاموا عند دخولنا (القيام في ايران ،اشارة احترام لكل واحد يصل أو يغادر ) ، ترحيب ثم تبادل للتحية، كان من بين الحضور، رجل كردي في الخمسينات يتكلم باشارات قوية ، ينظرهنا وهناك إلى مستمعيه كما لو أنه يريد ان يقنعهم بوجهة نظره الفيدرالية التي يدعوا إليها، يقول هذا الكردي كما ترجم لنا حسين: ” نريد إدارتنا، وشرطتنا الخاصة ولغتنا الخاصة، نريد استقلالا ذاتيا في إطار فيدرالي” .
ترك حسين الترجمة ودخل في حوار خاص مع الكردي بالفارسية، كل الجماعة تدخلت، نسونا نهائيا، أنا وعبد الرحمن لا حظنا بإعجاب، اندهشنا للسمت المتوازن البادي على المتدخلين ، وانخفاض النبرة ، والاخلاص الظاهرعلى كل واحد فيهم.كما ورد في القران بقوله تعالى ” وجادلهم بالتي هي احسن” وقوله تعالى” ولا يجرمنكم شنآن قوم على الاّ تعدلوا .الإيراني دوما يتكلم بحماسة وقناعة، وليس بالهوى والهيجان، الطريقة دوما هادئة، تدعوا إلى الصلح، متحضرة، لا سباب ولا شرارة حقد في النظرة- نلاحظ ذلك حتى في الشارع عندما تكون هناك مشاحنات بين السائقين- وحتى الخصوم السياسيين المتنافرين مثلا في الجامعة، حيث نرى امام أعيننا عناصر شيوعية تحمل صور ماركس ولينين من جهة والطلبة يحملون صور الشهداء من أخرى، شهداء الصراع الابدي مع “الطاغوت”.
وأثناء ذلك، وصل إمام المسجد أو” الملا” كما يُدعى، السيد. بن شريفي، رجل ملتحي في الأربعينات، ويرتدي عمامة و”عباءة ” سوداء،عانقنا،و أظهر سعادة كبيرة للقائنا عندما أخبروه أننا من الجزائر ولم يتوقف عن السؤال عن بلدنا.في اليوم الموالي، دعانا إلى تناول فطور الصباح عنده، كان  يساعد خمسة متعاونين، كل واحد منهم مكلف بمديرية ( العسكرية ،المالية، الإجتماعية….)، ويقوم بإدارة مسجد المحمدية، في كل مكان وجدنا نفس مخطط التنظيم ،المساجد هنا مسؤولة أمام اللجنة المركزية ،و هذه الاخيرة مسؤولة أمام مجلس الثورة الذي لم يُرد أيّ كان ان يقول لنا عنه أي شيء، حتى باني صدر والدكتور بهشتي الذي شككنا في انتمائه اليه.
في الضاحية الجنوبية حيث يوجد البازار، لو أردنا تخيل عدد من يجتمعون في نفس الفضاء،فهو أضعاف ما نراه في القصبة، شوارع لالير القديمة ، شارتر وروندون،سوسطارة وباب عزون، باب الواد، العقيبة والحراش، إذا كنت تعرف هذه الأماكن فقد زرت الاحياء الجنوبية لطهران، كلاهما لعب نفس الدور خلال الثورة الجزائرية والايرانية.هنا في الضاحية الجنوبية يتواجد مسجد حيث سنتناقش أولا مع بعض الاخوة ، ثم مع بعض العناصر النسوية، ومنهن هذه الفتاة الشابة التي سألتنا عن مساهمة المرأة في تحرير الجزائر  ثم قالت لنا ” لم نكن أبد بهذه الحرية ،الان فقط يسمح لنا آباؤنا بالخروج و يثقون فينا ” وقالت أخرى فجأة ” ماهي الوصايا التي تنصحوننا بها لتنتصر ثورتنا ؟”.
بعد المناقشات، اقترح علينا مسؤولي المسجد الذهاب لزيارة مركز يجتمعون فيه لملاحقة عناصر السافاك، يقع المركز بين محلات معهد رياضي يستعمل لأغراض خاصة، يحتوى هذا المعهد على معدات مهمة (مركز اتصال، هواتف  لاسلكية، أسلحة، سيارات…) وفرق شبه عسكرية عملياتية. السافاك يحاول دوما المحافظة على أسرار عملائه كما يشرح لنا احدهم، ومن هنا تأتي صعوبة التعرف عليهم، فقد وظف مابين 50 و 70 الف حيث لم نجد عنهم أيّة وثيقة :” لم نوقف، في المجمل، إلا بضعة عشرات، نحن نتحرك حسب الاستعلامات وشهادة أناس كانت لهم قضايا معهم، بعضهم لم يتم تجريدهم من السلاح، وآخرون انضموا إلى منظمات معادية للجمهورية الإسلامية “.
إذا كانت هناك أيّ سلطة في العالم الأكثر شعبوية فإنها في إيران ما بعد الشاه، ولم تكن لتكون أفضل و الأمور كلها خرجت من المسجد، قاطرة الثورة، مركز الحياة الجماعية، محل اللقاءات والنقد، ملجأ “المستضعفين في الارض”، مأوى المظلومين والمدارس الثورية للشعب، كما كان الحال في العهد المدني (مدينة الرسول ص) حيث اختارت “الامة” قادتها في المساجد، واتخذت القرارات التي تخرجها من الازمة، المسجد الايراني لعب نفس الدور في سيرورة الثورة ليحقق مطلب الدولة الاسلامية، هذا الدور سيعيد له مهمته الاساسية، وعلى العموم، فالمسجد أحيا الاسلام من جديد وطهر المسلمين من أدناسهم.
أوصى رسول الله معاذ بن جبل عندما استقبله كي يرسله كحاكم على اليمن بهذه الوصية ،والتي يجب على كل طاغية أن يتأملها ” اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب ” هذا هو المطلب الاجتماعي عندما يكون مختوما بالبصمة المقدسة، عندما لا يكون هذفه الوحيد هو “السيطرة على الطبقة الكادحة”، عندما لا تكون كلمة السر فيه ” كل شيء من أجل البطن” (حكمة الكاتب الفرنسي رابيليه الشهيرة) ،و هو ليس ” صراع الطبقات” لكنه الأمواج البشرية التي ستجرف كل شيء. يبدو أنّ شاه إيران الذي قبع في الحكم سبعا وثلاثين سنة ، أساء فهم النصيحة النبوية أو جهل هذه الحقيقية الاجتماعية :من ذلك فقد صار هباء منثورا.

إنه الخميس بعد الظهر، وقد اختفت طهران تحت الثلج أربعين سنتيمترا، فقررت أنا وصاحبي أن نزور مدينة قم. رافقنا حسين إلى شوش، مكان مغادرة الحافلات إلى المدن الداخلية، فامتطينا الحافلة التي تنطلق على الساعة الخامسة والنصف، وبعد ساعتين ونصف وصلنا إلى قم، وجدناها مدينة جميلة وعامرة بالسكان، صاخبة تحيطها الانوار بها من كل مكان، كل الناس خارج منازلهم، ملامح الفرح تشع على كل الوجوه، و كأن المدينة في يوم عيد، يبث الدعاة عبر الاشرطة خطبا نارية، أناشيد دينية وآيات قرآنية تصل إلى كل انحاء المدينة عبر مكبرات الصوت غير المرئية، هنا ينبض قلب إيران،ومن هنا تخرج التوجيهات التي ترسم شيئا فشيئا مستقبل إيران الجديد، هنا محل أنظار كل العالم، قم ، المدينة المقدسة بين باقي المدن، لكنها أيضا بؤرة الثورات التي لا تخمد، نقطة انطلاق الحركات التي كانت تهز إيران من حين لآخر منذ عهد الشاه نصر الدين الذي حكم إيران من 1848 إلى 1896، هذا الذي قسم البلاد بأتم معنى الكلمة بين الانجليز والروس خارج كل الأطر القانونية والدستورية مقابل رشاوي وعمولات أنفقها في العواصم الاوروبية.
هنا، في مكان ما وفي إحدى المدارس يتواجد الخميني ” الرجل الذي زلزل الغرب”  كما لُقّب منذ أسبوعين على غلاف إحدى المجلات الفرنسية الأسبوعية. سيطرت صورته على عقولنا منذ شهور، فمن هو هذا الرجل، ما هي تركيبته الفكرية؟ وفي أي إطار نضع ما تتحدث به عنه الصحافة العالمية ؟

لقد أسدل الليل ستاره على مدينة قم، لا بد أن ندخل. ندخل ؟ أين؟ ، يا إلهي ! لقد ذهبنا إلى عشرات الفنادق، كلها ممتلئة عن آخرها، لا يوجد مكان فارغ حتى للقطط ! بالإضافة إلى أهل البلد الذين قصدوا المدينة من كل حدب فقد امتلأت بالأجانب والزوار والصحفيين، كيف لا فالخميني سيتكلم غدا.فكرنا أخيرا في المسجد، الملجأ الأسمى في الارض لمن لا مأوى لهم. لـ”أبناء السبيل” كما يصفهم القرأن والمسافرين والرحالة. ولأننا لا نعرف المدينة من الداخل، ارتأينا أنه من الحكمة تجنب السير العبثي فيها وفضلنا الاستعلامات العامة، وخلال السير على الرصيف تراءى لنا طيف يبدو من ملامحه أنه ” ملا” وليس هناك أفضل منه لإرشادنا، ناديناه من بعيد بالفارسية” أغا!” توقف الرجل واستدار و هو يراوح مكانه . حاولنا من خلال مزيج من العربية والانجليزية أن نفهمه آننا نبحث عن مسجد لنقضي الليلة هناك. ياللسعادة ! الرجل يتكلم العربية، ارتسمت على وجهه ابتسامة ترحيب ، ثم سألنا من نحن و من  أين أتينا ومنذ متى ونحن في قم ؟ أخبرناه أننا جزائريان وشرحنا له أننا وصلنا للتو من طهران.
” جزائريان “؟ رددها ثم قال لنا ” أنتم ضيوفي!” واضعا يديه على قلبه من شدة الإعجاب. لم نجد ما نقول، ردة فعل هذا الرجل تركتنا في حيرة من أمرنا، فنحن لا نعرفه لا من جهة آدم ولا من جهة حواء، كان بإمكانه بكل أريحية أن يبين لنا الاتجاه ثم يمضي في سبيله،و هو راض عن أداء واجبه المدني. أو كان بإمكانه على أحسن تقدير أن يقودنا بنفسه وكفى، لكن أبدا، لقد شاركنا عفويا مشكلتنا، وضع نفسه في مكاننا ، و لانه كان واثقا من مساعدتنا ،لم يتردد.
يشهد الله وحده ، كم شعرنا بالخجل من هذا الرجل، ليس لأننا وضعناه منذ دقائق في وضع لم يكن يتوقعه، بل لمجرد تخيل نفس الموقف لكن في الحالة العكسية ، لأننا أدركنا أنه لو كان مكاننا لتخلصنا منه بإرساله الى أية وجهة في هذا “العالم الحديث”.، لقد جعلنا نشعر بالحزن والشفقة من هذه الفكرة.الرجل المسكين ربما لا يعرف من الدنيا إلا بلده وتقاليده، لا زال يعيش تلك الاوقات المباركة من العهد النبوي، ربما هو يجهل أنه يمثل نوعا أخلاقيا شبه منقرض. اسم هذا التركي الاذربيجاني مهدي متوسلي، هذا الرجل الجميل الذي لا يمكن أن تحدد سنه، فقد يكون في الثلاثينات وقد يكون في الخمسينات، وهذا ناجم عن طريقة لباسه الجد الأنيقة و المميزة عن الآخرين، عباءة مفصلة ومحددة مع رداء أبيض، وعمامة ( لا علاقة لها بتلك الموجودة عندنا والتي يرتديها أجدادنا وتوضع على شكل دوائر، أما عندهم فيديرونها بشكل جذاب).
مهدي متوسلي ذو مشية هادئة وحركة سريعة وأنف يسند نظارات مستديرة ، يتكلم العربية بشكل احترافي و مفخم،عندما تحدثه عن أي موضوع مهما كان ، يعطيك انطباعا أنّه يتعلق بأمرمفزع أو خطير من خلال سمة الجدية البادية عليه و صوته الشجي أكثر من  الكلمات التي يتلفظ بها. اصطحبنا مهدي العزيز أولا إلى المطعم حيث تناولنا وجبة ” تشالو كباب” الدائمة لكن اللذيذة. ثم واصلنا الطريق نحو بيته حيث شرح لنا أمورا كثيرة، وخاصة فيما يتعلق بالألقاب:  “فالمُلة” يعادل عندنا إمام مسجد، أمّا لقب “حجة الإسلام” فيطلق على مؤلفي التفاسير،في حين لقب “آية الله” له مستويات عدة حسب التجربة والمعرفة؛ فهناك آية الله ” البسيط” ليس له أي سلطة خاصة، الذي يستقرعلى مستوى الإقليم، وآية الله ” المقلد” الذي له القدرة على شرح الأفكار و المؤلفات  ( مثل تاليغاني وشريعة ماداري والخوني،…و غيرهم). وآية الله ” المعظم ” الإمام الأعلى الذي يملك القدرة على الفصل في الأمور، أو يأمر بأشياء ذات أهمية وطنية. ثلاثة مقاييس تتحكم في تعيين آيات الله البسيط والمقلد من خلال استفتاء شعبي وهي أن يكون أكثر تقوى ،أكثر عدلا وأكثر تجربة.
وهكذا سيرى العالم ويتأكد أن السلطات التي يتمتع بها آيات الله لها أهمية قصوى ولا يمكن أن تقارن، يمكن لآية الله أن يدعوا الى قلب الحكم الذي يتبرأ منه كما فعل الخميني على مرأى كل العالم، أو أن يدعوا إلى مقاطعة  قرار اتخذ على أعلى مستوى كما فعل آية الله محمد حسن الشيرازي سنة 1891 عندما حرم التبغ ليجبر نصر الدين شاه على استغلال التبغ الإيراني، أو أن يجهض حركة وطنية في لحظة حرجة كما فعل كاشاني عندما حرم ماسداغ Mossadegh من تأييد شعبي.
يمكن ان نسجل هنا تأملات عن كيف كانت ستكون إيران اليوم لو أن الملالي ، مستودع القوة الروحية لإيران، الذين تعاقبوا على مر تاريخها ،تصرفوا بشكل مختلف عما فعلوه، لو أنهم وظفوا، عن دراية، السلطة الرهيبة التي كانوا يتمتعون بها.يمكن أن نتساءل هنا ، مع العلم أن السلطة كانت دوما في أيديهم في وجه الحكم المطلق والديكتاتورية ،عن الأحداث الكبرى التي كان يمكن في أي لحظة أن تقفز على الكل، فوق اعتباراتهم الشخصية وقيّمهم الأخلاقية والسياسية، وقد حدث مرتان خلال هذا القرن أن فشل الملالي في مهمتهم، الأولى عندما هدد آية الله كاشاني ماسداغ بالاغتيال من خلال أتباعه ” مجاهدي الاسلام” والحالة الثانية التي غاب فيها كل حس سياسي وانعدمت الثقة عند مجلس الملالي نفسه الأمر الذي هدد الجمهورية التي أهداها لهم رضا خان على طبق من ذهب، بعدما قام هذا الأخير بانقلاب ولوحظ عليه التردد والتأثر بتركيا أتاتورك ،أعلن قيام الجمهورية في 29 اكتوبر 1923 من خلال المجلس الوطني لتفانيه،بعد خمسة اشهر من هذا النداء،و في 21 مارس 1924 تحديدا ،عُيّن رئيسا للجمهورية . ملالي إيران انذاك الذين رفضوا تدنيس المقدسات، لم تعجبهم تصرفات اتاتورك الذي ألغى الخلافة، فخشوا من رضا خان أن يسير على نهجه ويجعل الدولة الفارسية ( سميت “ايران” سنة 1935) علمانية ،فحكموا على معنى عام من خلال فعل شخص، لم يفكروا وكان الخوف يتملكهم . لقد خلطوا بين حدث و سبب و الذي لا يمكن أن ينتج عنه وجوبا،  و بالرغم من قناعته الداخلية الرافضة للأمر إلا أن رضا خان اضطر لإبداء العكس ،وتراجع عن قراره في الفاتح من إبريل.، لم يكن ذلك مزحة ، وفي 12 من ديسمبر تُوج تحت لقب رضا شاه البهلوي، فلم يجعل إيران لائكية بل أسوأ من ذلك….
لقد استيقظنا في ساعة مبكرة من صباح يوم الجمعة 9 مارس 1357 حسب التقويم الشيعي، مهدي يعرف المؤسسة المدرسية التي سيلقي فيها الخميني خطابا بعد ساعات قليلة، يجب أن يقودنا إلى هناك بسرعة. محيط المعهد ممتلئ عن آخره.تلزمنا ساعة كاملة لنقطع مائة متر التي لازالت تفصلنا عن باب المؤسسة . كان مهدي مدهشا! لقد نجح في شق طريقه وسط هذه الجموع المتراصة من أجلنا لنصل إلى الابواب الممنوعة والمحروسة جدا،وهناك الأمر ليس مسألة جرأة بل مسألة أوراق لا نمتلكها. فمن المستحيل ، كما أخبرنا مهدي، أن يسمح لنا الدخول وسط الساحة حيث كل شيء محضر بعناية لاستقبال رجل قلعة نوفل (  Neauphle-le-Châteauالبلدية الفرنسية التي كان يقطن بها الخميني) فلا يقبل هناك إلا الصحفيون الموثوق بهم وأصحاب الأوسمة.
مهدي لا يفتر أبدا، صفة العالم تسمح له بأن يصر على طلب مراجعة المسؤولين و النجاح في الوصول لمبتغاه، المسؤول الذي تقدم لنا أمسك بيديه جوازات السفر، تفحصها ثم هز رأسه، استغل مهدي تردده وزاد من فصاحته بأن أوهمه أننا ” باحثون في التاريخ”   شارفت المهمة على نهايتها …..وفي الأخير انتصرنا. نريد أن نرى الرجل العظيم من أقرب مكان ممكن لنسجل ولو ملمحا من ملامح وجهه، هذا الفضل يعود إلى عبقرية مهدي، نحن أمام المنصة مباشرة، أما مهدي فقد بقى في الجانب الآخر من الحاجز..
تقرب منا مصور صحفي في الخامسة والعشرين تقريبا ليتعرف علينا، يجب علينا أن نعلمه أننا لن ندخل هذا المساء حتى الى طهران وأن نخبره ببرنامجنا، هذا الشاب يسمى أبشار تشاهارا لا يتكلم إلا الانجليزية وكان يعمل في معمل عائلي للمفروشات، طلبت منه الثورة كما طلبت من ملايين الشباب أمثاله ان يتركوا أعمالهم الأصلية ويتطوعوا لخدمتها. حاول أبشار أن يعرف رأينا كــ “سُنيين” عن معاوية وعن عليّ صهر و ابن عم الرسول ،والصراع الذي وقع بينهم بعد خمسة وعشرين سنة من موت النبي صلى الله عليه وسلم، فأجبنا هذا الشاب بالبيان الذي أعلن عنه الخميني :أنه ليس هناك فرق أساسي بين السنة والشيعة.
الشيعة هم فئة من المسلمين وقفوا مع علي في معركة صفين ضد معاوية المتمرد، كانت لهم ” الشرعية ” بالمعني السياسي والأخلاقي للكلمة، أما السنة فحرفيا تعني من يتبع سنة رسول الله، والشيعة أيضا يرجعون أوّلا إلى القدوة المتجسدة في النبي محمد، إذن الخلاف بين السنة و الشيعة ليس حول الأمور الجوهرية و تحديدا القرآن والسنة، لكنه انبثق من ظرف سياسي خاص، و هي مسألة صفين. لكن معاوية استعمل الحيلة من خلال التحكيم وكانت الكلمة الاخيرة له .ففضل الشيعة العمل في الخفاء ولم يقبلوا أبدا حكم الامير وقاتلوه كما قاتلوا اباه، ورفض الحسين بن علي مبايعة يزيد، سليل العائلة الاموية التي جعل فيها معاوية الحكم وراثيا وهو أمر يتناقض مع روح و رسالة الاسلام. حارب الحسين الامير يزيد لكن أهل الكوفة خانوه فسقط شهيدا في كربلاء في العاشر من محرم سنة 61 هـ. هذا التاريخ جد مهم للشيعة وخاصة الاثناعشرية، لأن الحسين الشهيد الخاص،الحسين المظلوم ،الحسين الورع و العادل ،كان قد تزوج إيرانية ،ابنة آخر ملك الساسانيين يزدجارد الثالث، وبهذا مزج المصير الايراني بالمصير الاسلامي، ومن هنا يأتي التمييز الكبير للحسين حتى أنه لا يُمثل في الصور ،بينما تجد صورة علي مرسومة بالطلاء والبوستيرات في كل مكان في ايران.
أبشار متفق معنا تماما، و عندما أعدنا في بيته في المساء نفس الموضوع مع أبيه، اتفق معنا بالكامل أيضا، انضم إلينا مصور من التلفزيون الإيراني يعرف الجزائر من خلال زيارة قام بها خلال مؤتمر حركة عدم الانحياز عام 1973 ، إنه يفاخر بجمال بلدنا إلى أبشار الحالم بـ ….
لقد انفصلنا عن بعضنا بسبب الموجات البشرية وراءنا والتي تدفقت فجأة كالفيضان الذي لا يتوانى عن حمل أي شيء ، لقد ظهر الخميني على المنصة ! الجحافل البشرية لم تعد تقوى على التماسك، تهتف باسم الزعيم، تحاول اختراق الحواجز والنظام العام، تقدمنا أكثر بحيث لا يفصل بيننا وبين الرجل إلا متر واحد، و هو الآن يرفع يده لتحية الجماهير الثائرة ، كنّا نمعن النظر فيه ، نغوص في أعماق نظرته، نراقب أدنى الحركات على وجهه كما لو أننا نريد استخراج السر من ملامح هذا الرجل الذي دوى إسمه في كل العالم، لقد دفعونا بقوة، كدنا نسقط، شعرنا بشدة الزحام لكن عيوننا لن تغادر الخميني، لكن عبثا،  الرجل واضح ، تقاسيم وجهه لا تتحرك قيد أنملة.

حركة التحية التي حيا بها الجماهير كان اجراءا شكليا بسيطا، لا يبتسم ولا يخطيء في النظر، بكل تأكيد، الخميني رجل مهمة وليس رجل سياسة. صرخ رجل ورائي، رجال الاسعاف يجرون في كل اتجاه، شرطة النظام ذابت وسط الجماهير.وفي الأخير جلس الخميني علي نفس المنصة المغطاة ببساط حتى يتم تعديل مكبرات الصوت لحضرته، ياله من قدر عظيم انتظر هذا الرجل، أن تلبي أصدق رغبات هؤلاء الخمسة والثلاثين مليون روح، أن تحقق طموحات أمة مقهورة مظلومة في الأغلال، أن يُحرر بلد بأهمية إيران من جوقة الديكتاتورية على يديه، بماذا كان يحدث نفسه ؟ تساءلنا كيف يكون شعوره اتجاه نظرة الجماهير إليه. لماذا ردة فعله لا تكون أكثر حماسة وأكثر تقديسا ؟

الخميني ليس من هذا النوع الرهيب الذي حاولت الصحافة العالمية إظهاره به. وجهه كله سكينة. وعيونه تتسم بالطيبة والطمأنينة في هذه الفترة الموسومة بالجفاء والجهل. وقف مجموعة من الأطفال بنظام، و هم يرتدون قمصانا بيضا وسراويل سودا وينشدون نشيدا تكرر فيه ” جمهورية إسلامية” أكثر من مرة ينظر إليهم الخميني نظرة حانية ويبتسم، هم الأمل، البذرة الفتية لإيران الجديدة، رمز البراءة والخير الممكن في هذا العالم، لقد هدأ هدير الجماهير. جلس الناس على أرض مبللة من جراء تساقط أمطار رقيقة لم تتوقف. ومن كان يهتم بذلك ؟
لقد خيم الصمت على المكان عندما شرع الخميني في الكلام، لقد تلا آية بصوت عذب وهاديء ثم دخل في الموضوع بنبرته المعتدلة، دققنا النظر في هذا الرجل الذي كان العدو اللدود للنظام الملكي، لم يتجرأ شخص قبله ولا آية الله ولا رئيس حركة أوحزب أن يتحدى الشاه ،كلهم كان يرى أن الحل هو في  التعاون معه، من خلال تحصيل بعض من الحريات و المطالبة بالحقوق النقابية والتوافق مع هذه الحركة السياسية أو تلك أو الطموح في جزء قليل من السلطة، كان بإمكان مسداغ أن يعلن قيام الجمهورية لكنه لم يرد فعل ذلك، الجبهة الوطنية لم تطالب أبدا بأكثر من تعديلات دستورية. أما السياسي” توده” فنحن نعرف ماذا قال عنه مؤخرا السيد “بزرقان”.
لم يكن الخميني خلال موت آية الله بوروجرد سنة 1961 إلاّ واحدا من الملالي الكثر آنذاك ،لكن يُنقل  عنه الموقف التالي والذي ذكره مؤلف كتاب ” إيران، الثورة باسم الله ” (Iran, la Révolution au nom de Dieu ) : ففي سنة 1953 عشية مغادرة الشاه بلاده للذهاب إلى إيطاليا ، قام بزيارة إلى آية الله بوروجرد في قم ليعرف رأيه، كان بوروجرد في حوار مع حوالي أربعين من الملالي في أحد المساجد عندما دخل عليهم الشاه فقاموا كلهم وانحنوا إليه باستثناء واحد من بينهم : وهو الخميني، ولما سئل عن ذلك قال :” هذا طاغية واحترامه ليس من الاسلام في شيء“.

في 1963 استولى الشاه على أراضي ” الحبوس” باسم ” الثورة البيضاء”، فانفجرت إضطرابات في كل من طهران ، قم ، مشهد وشيراز و كانت موضوع الساعة، وجه الخميني برقيتين شديدتي اللهجة للشاه نسخ الطلبة منها آلاف النسخ على شكل مناشير ووزعت على كامل التراب الايراني. أقام الخميني اجتماعا في مدينة قم جمع فيه مائة ألف شخص وهاجم الشاه بشدة علنا، لم يتأخر الرد، لقد حاصروا بيته وأوقفوه، صار الخميني على لسان كل إيراني،ضغط الشعب من أجل اطلاق سراحه، ليتم ذلك بعد ثلاثة اشهر.

في نهاية السنة نفسها، صادقت الحكومة الإمبراطورية على معاهدة تنص على أن الرعايا الامريكيين في حالة ارتكابهم جنحة أو جريمة لا تتم محاكمتهم أمام المحاكم الإيرانية، إنها اتفاقية استسلام. فكان رد فعل الخميني أمام هذا الخنوع بنفس الحدة والعنف.لذا تم هذه المرّة نفيه إلى تركيا ثم إلى العراق، لم يستطع الخميني العودة الى وطنه إلا بعد سقوط المملكة التي سيرها بنفسه من المنفى، هذه هي الظروف التي تم التصويت فيها عليه بالاستفتاء الشعبي، لقد عرّف الرأي العام منذ البداية الخميني أنه رجل التطلعات، رجل الإلتزام التام والصارم، والقائد المخلص والزاهد، لقد جعل منه آية الله العظمى ” المرجع والتقليد” وهو من سيحررهم من مملكة الطغيان التي دامت سبعة وعشرين قرنا.
كانت لحظات الوداع مؤلمة، أولا مع مهدي هذا الرجل الطيب والبسيط الذي لم يتردد السافاك، مع ذلك، في تعذيبه عندما أوقفوه في أحد مساجد تابريز سنة 1974 وهو يتحدث عن الخميني. ثم مع أبشار الذي يملؤه الإيمان بمستقبل الثورة، ومما زاد من إعجابنا به أنه بقى معنا حتى لحظة وصول الحافلة التي أقلتنا الى طهران. ما معنى ست وثلاثين ساعة في حياة أي كان؟ لأول وهلة تبدوا ولا شيء، لكن ستا وثلاثين ساعة في العهد النبوي فهي شيء آخر ،تُحسب بوحدات لا يُعرف لها إسم.

قم، الخميني، شريعة ماداري، مهدي ، أبشار… هذه الأسماء لن تبقى وراءنا إلا كمسرحية وأبطالها،و الذين يؤدون قطعة درامية تتسارع فيها الأحداث ولا ندري كيف ستنتهي، و بعيدا عن الواقع وعن السياق الإيراني، يمثل هؤلاء نموذج الرجل الملتزم الذي يحاول مجددا تجسيد مجتمع مثالي ، كما في “يوتوبيا” توماس مور،أو “المدينة الفاضلة ” للفارابي، أو أي مدينة مثالية أخرى. يقول كارل مارس في رسالة كتبها في سن 25 لارنولد روج : ” هذه الصيغة المثالية موجودة منذ القدم في الأحلام ولا ينقصها إلا أن توضع في إطار واضح لتجسيدها حقيقة. سنرى ساعتها أن الأمر لا يتعلق بإيقاف هذه الفكرة الماضية، و نصل بالتالي إلى أن الإنسانية لا تعالج أمرا جديدا بقدر ماهي تجسد هذا الأمر القديم بطريقة واعية “. هذا أمر حقيقي في كل الثورات وفي كامل التاريخ العالمي.

الى أية درجة يمكن أن يكون وعي الإيرانيين واضحا تجاه حلمهم حتى “يمتلكوه حقيقة ” ؟ بشكل أبسط ، ما هي حظوظهم و ومؤهلاتهم؟ وما هي مخاطرهم ومشاكلهم ؟ نعرف عادة مصير الثورات : مواصلة ” القدر المتوقف ” كما يقول بونواست ميشان، لكن ورغم كل شيء من يستطيع أن يحكم على ماذا ينتظر الثورة الإيرانية سلفا ؟ من يجازف بذلك؟ من يستطيع أن يقدم نبوءة واحدة ؟
دخلنا طهران و تفكيرنا فريسة لهذه الأسئلة الخطيرة ، وضعتنا الحافلة في مدينة سوس. تنزهنا قليلا قبل أن نتجه وسط المدينة. جعلنا الطريق نلاحظ الناس، نتوقف أمام الواجهة الزجاجية أو ذلك الكشك الذي يعرض عناوين الصحافة العالمية. ها هو الغلاف الكابوسي لمجلة ” التايم ” يشد انتباهنا بالعنوان المدهش:” إيران، الفوضى والنزوح “، الذي ضحكنا أنا وعبد الرحمن بسببه ضحكة بلا رغبة .

في حين نشرت جريدة ” لوموند” مقالا عنونته ” تفتيش دموي” ،حيث كتب إيريك رولو الذي حرره عن ” ناشطين إسلاميين” من ” لجنة الخميني التي لا نعرف عنها أي شيء بما فيها هوية أعضائها” قبل أن ينهي مقاله بإبداء سخطه قائلا ” لكن بأي دليل يمكن أن نبرر منع الشذوذ ؟” علمنا بعدها بيومين أن ايريك أخذ مقاله هذا من … نيويورك تايمز ، كما أخبرنا باني الصدر.
لقد وصلنا عند حسين، وقبل أن نجلس أخبرنا أن الدكتور بهشتي مؤسس “حزب الجمهورية الإسلامية”  ينتظرنا. إنها السابعة والنصف مساءا .قفزنا إلى سيارة صديقنا وهرعنا نحو منزل الزعيم، وأثناء الطريق أخبرنا حسين ، و هو راض عن انجازه، أنه نجح في أن يأخذ لنا موعدا مع باني صدر ومسؤولي ” مجاهدي خلق” لقد صفقنا بحرارة وانفعال، ثم بدأنا نقص عليه رحلتنا في قم.

صدر المقال في : 03 جوان 1979

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم