الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 الحركى الجدد .. عيون الاستعمار على الجزائر

الحركى الجدد .. عيون الاستعمار على الجزائر

عبد المالك محمدي / باحث

بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال الوطني لا زالت ذيول الاستعمار ومجساته تهتز لصدى أسيادها من وراء البحار، فتنفث سمومها وتبخر بحناجرها ريحا كريها يملأ المكان والزمان، ريحا تعافه الأنفس وتشمئز له أرواح الشهداء.. إنه ريح الخيانة والعمالة لعدو الأمس واليوم.

بالأمس، كان الخائن الذي يبيع وطنه يضع على رأسه كيسا حتى لا يتعرف عليه أهل عشيرته أو حيه، لأنه كان يخاف وربما يستحي من فعله، كان يعلم بأن ما أقدم عليه من جرم في حق أهله ومجتمعه كبيرة لا تغتفر، لكن خونة اليوم صاروا كالمومسات اللائي يمتهن الفجور جهارا نهارا، لا يخافون ولا حتى يستحون، يطلون علينا بسحنتهم الذميمة بلا وجل ولا خجل، فتجدهم يملؤون صفحات الفيسبوك وشاشات اليوتيوب من دون أقنعة أو ستائر، متوعدين معربدين، جاهرين بعمالتهم وخيانتهم وكأنهم أتوا فتحا عظيما.

في مجتمع محافظ كالمجتمع الجزائري، نصدم يوميا بأخبار نقرأها عن سلوكيات شاذة تعج بها المجتمعات الغربية، قد نعلق عليها ونستهجنها ولا نتمنى أن تكون مجتمعاتنا مسرحا لها، ولكننا لا نتوقعها ابدأ، إنها الفطرة، فطرة السواء وفطرة الحلال والحرام وفطرة العقل والمنطق.

كنا نستهجن إقبال مجتمعات أجنبية على تقنين استهلاك المخدرات والشذوذ وامتهان الدعارة والزواج المثلي وإجهاض الحوامل والقتل الرحيم للميؤوس من شفائه، وغيرها من السلوكيات المنافية للفطرة، حتى صارت حقوقا تقرها قوانين بعض الدول الغربية وتجد من يدافع عنها من منظمات غير حكومية ومنابر حقوقية وحتى سياسية، وكنا نغض عنها البصر على مضض، فقد صارت جزءا من العالم الأول المهيمن.

لكننا لم نكن ننتظر ولا نتوقع ولا نتخيل أن يأتي فيه يوم يطالب فيه الخائن بحقه في الخيانة فيؤسس لها منظمة غير حكومية ويرفع لها المنابر ويستنفر لها الأنصار، فيجعل من العمالة للعدو حقا من حقوق الإنسان ومن بيع الوطن في سوق الخيانة شعارا ساميا يتغنى به ويكدح في سبيل تحقيقه.

فكيف لمن أجرم في حق وطنه وجعل من الخيانة مبدئا في الحياة ومقصدا رفيعا يصبو إليه، لدرجة أنه لم يتورع عن محالفة الشيطان في سبيل ذلك، فوضع يده في يد استعمار الأمس واليوم وتعاضد مع المتآمرين على وحدة الوطن واستقلاله وتكاتف مع كهنة الفتنة ورعاة التقتيل والتدمير ومنظري فقه الدماء وغلمان الربيع الصهيوني، كيف له أن يدعي الحق فيما اقبل عليه، فبئس ما آتى وبئس ما أدرك.

وكيف لمن لم يتورع عن مجاورة فيلسوف الخراب برنار هنري ليفي في مضجعه، وتآمر مع عميل الصهاينة مهندس مشروع تفتيت الجزائر فرحات مهني وتحالف مع دعاة الإرهاب ورعاته، وتعامل مع مخابرات أعداء الجزائر، وتنكر لوطنه واستكثر عليه استقلاله واستقراره، أن يصدح ملئ شدقيه بحقه في إسقاط الوطن وإذكاء حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، إرضاء لمروضيه وإرواء لنزواته السادية.

الحق هنا ليس على من خان وطنه وأجرم في حقه فهو كالكلب المسعور لا يركن

إلى مضجع ولا تسكن له رعشة، لكن الحق على من آواه ودفع له ثمن خيانته ومكنه من منابر التشدق ونشر الفتنة والكذب والبهتان.

فكيف للعميل المأجور الهارب من العدالة والمطلوب في جرائم يندى لها الجبين، المدان قضائيا في الداخل والخارج، والذي لم يتورع عن التهديد بإشعال فتيل الفتنة لإسقاط الوطن وافتعال حرب داخلية بين أبناء البلد الواحد، ما يجعله خطرا على النظام العام في أي بقعة من العالم يحل بها، كيف له أن يتحصل على الحق في التهيكل في منظمة خاضعة للقانون ولها تمثيل في دول راعية للربيع الصهيوني.

وكيف له الحق في أن ينشئ منابر إعلامية ويطل من على شاشات التلفزيون وخلف صفحات الجرائد حرا طليقا، وكيف له أن يمارس نشاطه الهدام التخريبي فيحرض على الإخلال بالنظام العام داخل العواصم الأوروبية نفسها بالدعوة للتظاهر والتجمهر على الطريق العام، ويحرض على العصيان المدني في الجزائر ويجهر أمام الناس بشروعه في تنفيذ خطة مرسومة لإسقاط النظام في دولة مستقلة عضو في هيئة الأمم المتحدة، دون أن يطله قانون أو تزعجه سلطة إدارية أو أمنية.

هل يعقل لشخص يمثل كل هذا الخطر على الدول التي يقيم على أراضيها ويحمل كل هذه السوابق الأمنية والقضائية ولا يخجل من الجهر بنواياه الإجرامية والمخلة بالأمن والنظام العامين، أن يعمل في هدوء بل وينشط في إطار تنظيمي يخضع عادة لتحقيقات أمنية شديدة وصارمة، تحول في غالب الأحوال دون تمكينه من النشاط السياسي والجمعوي المشبوه، بل تحول دونه ودون حق الإقامة نفسها، هل يعقل أن يباح له كل هذا دون أن يدفع الثمن؟ ثمن العمالة والخيانة؟

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم