الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 الديمقراطية  في الجزائر :الفريضة الغائبة(2)

الديمقراطية  في الجزائر :الفريضة الغائبة(2)

الحلقة الثانية

خليفة ركيبي

khalifarekibi@gmail.com

الديمقراطية في الجزائر هي فريضة غائبة لأن  الجميع ، سلطة وأحزاب موالاة او معارضة تسير في فلك علاقة تتأرجح ما بين العدائية المطلقة او التعاون الاعمى و في كلتي الحالتين لا يمكن للديمقراطية أن تتطور و تنمو في بيئة صحية فلقد نسي الجميع ان  ما يسمى بالعملية والمسار الديمقراطيDemocratic process  يجب ان يتطور في بيئة سلمية وتعاونية ، بيئة مبنية على الاتفاق حول شكل الديمقراطية التي يجب بناؤها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها ثم اطارها الزمني الذي يتحدد وفق ما اسميه ب”هندسة الديمقراطية ” ، أي التصور الفكري للديمقراطية وأسسها ثم يأتي الجانب “الفني”  أي  كيفية تحويل الجانب الفكري الى اجراءات عملية .

الديمقراطية ككل متكامل هي اليوم في الجزائر في أضعف صورها و حالاتها ، بل إنني يمكن أن اقر بكل تأكيد أنها تعاني من مرحلة “الوهن”  كتلك التي تصيب المريض بأي مرض مزمن والحقيقة أن المرحلة الحالية للديمقراطية في الجزائر هي مرحلة “المرض المزمن” ، فهي مريضة  فكريا وعمليا.

فكريا ، هي مريضة لان اسسها الفكرية غير واضحة و لا تحظى  باتفاق جماعي من  الدين دافعوا عليها في البداية ، إضافة إلى أنها مريضة فكريا لأنها لم توضح دستوريا باعتبار الدستور هو الوثيقة الأساسية والقاعدية لأي بناء  ديمقراطي، كما أنها مريضة فكريا لأن المجتمع بكل فئاته مهما تعددت توجهاتهم الفكرية والإيديولوجية لم –أي المجتمع- يشرب و يستوعب بكل مدركاته ووعيه السياسي مفهوم الديمقراطية حتى تترسخ في الوعي الجماعي – وهذا ما ينقصنا اليوم- بل إننا اليوم أمام 40 مليون مفهوم للديمقراطية  وهي مفاهيم غير مبينة على المواطنة بقدر ما هي دمقرطة لمفاهيم الولاءات العرقية واللسانية والايدولوجية والجهوية والعروشية، هذه الولاءات التي أصبحت “العدسة” التي ينظر من خلالها المواطن للديمقراطية ويسبغ على الاخيرة مفهومه هو وفقا لهذه الولاءات .

وديمقراطيتنا مريضة عمليا منذ اكثر من عقدين من الزمن، فجانبها الفني ترك لخبراء القانون فهم و مازالوا ، الفريق الذي يضع ميكانيزمات الديمقراطية في حين ان الديمقراطية عملية سياسية بامتياز و للتوضيح اكثر  يمكننا ان نشبه البناء الديمقراطي بالتصميم المعماري الذي يحتاج اولا الى تصور ابداعي و خيالي من طرف المهندس المعماري و الذي يحول ابداعه إلى تصميم  ومخطط على الورقblue print واضعا فيه الشكل العام للبناء  ليأتي المهندس المدني لوضع الحسابات الهندسية التي ستمكن “المقاول” من بناء التصميم ، و الذي حدث في الجزائر ان المصمم هي النخب التي يجب ان تضع تصورا عاما للديمقراطية في حين ان المشرع هو “المهندس المدني” الذي يحول التصميم الى  اجراء عملي من خلال القانون و التشريع و لكن في الجزائر هنالك حالة من الهستيريا القانونية ، إذ يتم وضع المشرع في الخط الاول كمصمم و كواضع الاجراء و هذا مما جعل من العملية عبارة عن تشريعات فارغة و جوفاء ،دون روح أو إبداع ، تنقل نقلا كاملا من الضفة الأخرى للمتوسط –عن عمد- و توضع باعتبارها جوهر العملية ككل و نسي “الجانب الإبداعي والتصميمي” ، كإنشاء “المحكمة الانتخابية” لفض النزاعات التي تنشا في الانتخابات و حتى بعدها (كما هو معمول في المكسيك مثلا) . لذلك جاءات دساتيرنا جوفاء  وفارغة هي ايضا، ركيكة لفظيا ومصطلحات مبهمة وغير واضحة، تماما مثل القوانين المنظمة للعملية الانتخابية ومأساة “التمثيل النسبي ذو القائمة الواحدة ” وغيرها من الاخطاء القاتلة التي أضعفت الديمقراطية ، لأنه بكل بساطة طلب من “المشرع” أن يكون مصمما ،مبدعا ومهندسا في الوقت نفسه .

ان ديمقراطيتنا فريضة غائبة لأنها مفروضة بقوة “القانون” لكنها غائبة عن الممارسة والوعي الجماعي، ولا يمكن لأن ننجح أو أن تسير الجزائر قدما اذا ما عدنا الى ما يمكن أن نسميه “بفقه الأولويات”، والأولوية كل الأولوية هي أن نعيد النظر في مسارنا الديمقراطي بهدوء ودون عدائية حتى تتقوى ولكنها للأمانة لن تتقوى إذا بقي منطق الشارع ومنطق المواطن حبيس نظرة  مبنية على الاحتياجات البيولوجية ودون أن يرتقي فكر ووعي المواطن نحو القيم الكبرى التي تبني الدول وتحفظ الأمم وتحافظ على تراث الماضي خدمة لأجيال المستقبل .

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم