الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بين الفكر والسياسة 5 العهدة الرابعة:الشعب و النخبة  
نورالدين بوكروح
بوكروح نورالدين

العهدة الرابعة:الشعب و النخبة  

بقلم : نورالدين بوكروح
الجزائريون بشكل عام لا يحبون كلمة “النخبة” و لا المفهوم الذي تشير إليه، لأنها ترتبط في عقولهم بفكرة التمييز و الحقرة أو حتى العنصرية. و إذا كان هناك شيء لا يطيق الجزائري سماعه، و قد يشهر السكين حينها، فهو أن يقال له ولو على سبيل المزاح أنه يوجد من هو أحسن منه في شيء ما، أو أفضل في مجال معين.

لن يضطر حينئذ للبحث طويلا عن حجة يدافع بها عن نفسه، بل سيجدها جاهزة للاستعمال في نفسيَته و في الثقافة الشعبية التي ترعرع فيها: “كامل اولاد 9 أشهر”، مع أن الدكتورة بوراوي يمكن أن تأكد لنا غير ذلك, و كذلك “كلنا بشر”, أو ربما ” كامل عند ربي كيف كيف” الخ. يمكنه أن يكون أميا أو متسولا أو حتى متشردا، لكنه في هبة المعركة لن يعترف بكونه أميا “الفاهم لهلا قرا”، أو متسولا “وين راه العيب؟”، أو متشردا “الحكومة هي السبب”.

لا يعرف الجزائري العادي العُقَد و لن يهيبه أن يقف أمامه أينشتاين شخصيا: “ألا تعرف من أكون؟” سيرد عليه. حتى قبل أن يشهر سكينه فإن قوة إقناعه ستزلزل أياً كان و تجعله يشك في قدراته العقلية, فلا يسع المرء حين ذلك إلا أن يصمت أو، إن تحلى بالشجاعة الكافية أن يكتفي بالرد:”افعل ما شئت”.

خلال فترة الاستعمار الفرنسي كانت توجد بين السكان الجزائريين “نخبة” اجتماعية صغيرة تشمل عددا محدودا من أصحاب المهن الحرة، الموظفين، المعلمين و التجار؛ كانت أقلية نادرة من بينهم “متجنسة” أي حاملة للجنسية الفرنسية. و كانت هذه الطبقة في أعين الجزائريين الآخرين، حتى لا نقول لا تنتمي إليهم بالمرة، تمثل طبقة من الأعيان و الأثرياء، و هذا ما كان يعتبر في عقليتهم نوعا من “الخيانة”: خيانة للأصول، للجذور، للإسلام أو القضية الوطنية، لا يهم لماذا لكن خيانة رغم ذلك. مع أن الكثير من أبناء تلك “النخبة “كانوا يناضلون من أجل القضية الوطنية في صفوف الPPA تحت قيادة مصالي حاج أو UDMA لفرحات عباس.

خلال عهد الحزب الواحد، بنسخة مساعدية و قايد احمد و يحياوي، كان مصير النخبة السخرية، و كان يفَضَل عليها “المناضل الثوري” حتى لو لم يشارك حقيقةً في أي ثورة. كان يكفيه أن يحمل بطاقة الأفالان ليصبح مثلاً يجب إتباعه، قدوة فكرية و أخلاقية، “الحسام و الصولجان”. و أصبحت تلك الصفة تدر على حاملها أكثر هيبة و دخلاً و امتيازات من حمل الدكتوراه. حتى أدى ذلك بالكثير من حاملي الدكتوراه إلى اعتناق الموضة الجديدة كي لا يؤول بهم الأمر إلى التشرد.

أصبحت الوقاحة و الاكتفاء و الجهل يتربعون على عرش الدولة و الحزب و يتهكمون على المثقفين و المفكرين و المتبصرين، خاصة لو أبدى هؤلاء أي تحفظ على سياسة تسيير البلد. كان يعتبر عاديا و طبيعيا أن يقود المرء أمة و يُنَصب نفسه مثلا أعلى، بمستوى فكري ضارب في الجهل. هذه هي الجرائم التي ارتكبها الحزب الواحد “ضد الإنسانية”، وضد حق الجزائريين في العقلانية و التفكير السليم. لم يتبقى إثر ذلك سُلَم للقيم و الاستحقاق في روح الأمة.

لكل هذه الأسباب إخواني أخواتي, سوف تكون العهدة الرابعة من نصيبكم بإذن الله. ستنالونها لأن مصالي الحاج حصل عليها في وقته و الدولة الجزائرية لم تولد بعد، و حارب جيش و جبهة التحرير المشغولتين بالجهاد ضد المستعمر؛ لما عارض جزأ من اللجنة المركزية لحزب الشعب و حركة انتصار الحريات الديمقراطية، أن يترشح أيضا للخامسة. و لأن بن بلة كان طالبا لها و هو لم يضمن بعد إنهائه للأولى؛ و لأن بومدين لم يفكر قط إثر انتخابه للثانية، بعد عهدة أولي دامت 12 سنة، في إرجاع السلطة لأي كان بعده.

سوف تنالونها لأنكم اقتربتم أن تصبحوا الرَعيَة “لصاحب السمو الفظ” فلان أو فلتان، لو تمكن ال GIA بالأمس من إنزال نظام الخلافة من الجبال والكازمات الى قصر المرادية. سوف نعرف المزيد و المزيد من المرشحين للرابعة و الأبدية في المستقبل، طالما نحن “هكذا”. لقد رأيتم مؤخرا 132 مترشحا للرئاسة و شاهدتم عن قرب ملامحهم و سمعتم كلامهم. كم من بينهم تعتقدون أنهم كانوا ليرجعوا السلطة أبدا لو حصلوا عليها؟ مع أن معظم هؤلاء لم يخرج من السلطة أو الأحزاب أو من مصباح علاء الدين، بل من صفوف الشعب.

أنذرنا من هذه الأشياء في السابق العربي بن مهيدي و عبان رمضان و العقيد لطفي و فرحات عباس و مالك بن نبي و غيرهم. لا بد أنكم قرأتم يوم ما تحذيراتهم، و التَقَيتُم بالكلمات التي أوصلت لنا هواجسهم لكنكم قد لم تتوقفوا عندها طويلا. و كم عدد الخلفاء الذين فرضوا على أنفسهم تحديدا للعهدات؟ كما قال الأمير عبد القادر يوما ” الكرامة في المنفى”، أو كما يقول الحراقة اليوم “الهربة تسلك”.

بوتفليقة لم ينزل إذا من السماء، كما أوضحت في مقال سابق، لكنه يعرف أحسن مني تراثنا الكلامي الذي يعج بالأمثلة و الحكم الشعبية و النكت المعبرة (ليس تلك التي يستعملها سلال), التي يمكنها تبرير المعقول و غير المعقول على حد سواء. و يجد في هذا التراث الذخيرة الفكرية و الدينية التي يمكن بها تبرير ما لا يبرر و تأييد ما لا يمكن تأييده. لم ينزل بوتفليقة من السماء و لكنه خرج من هذا التراث الذهني و ساهم في إثرائه و رفعه إلى مرتبة النموذج الفكري و المثل الذي ستتبعه الأجيال الصاعدة.

رأينا في مسيرة حركة بركات الأخيرة، مواطنين عاديين يتظاهرون على الرصيف، بينهم من كان يلبس ربطة عنق (كنت أحسب عهدها قد تولى بعد الاستقلال و تراجع النفوذ الغربي في مجتمعنا)؛ و رأينا على الرصيف المقابل المئات من العابرين الفضوليين يتفرجون و يتساءلون مندهشين” واش يخصهم باش يتظاهروا؟”. هذا السؤال راجع إلى فكرة مترسخة في ذهن الجزائري العادي هي أن الخروج للتظاهر يُسَببُه حتما المطالبة بسكن، بزيادة في الأجر، بمنحة تقاعد، بتحسين أوضاع مهنية أو بالتوصيل بغاز المدينة.

هذه العقلية المعادية لفكرة النخبة هي ما يحاول دعاة العهدة الرابعة إيقاظه و حشده و إطعامه و إغرائه و شرائه، لأنهم يعلمون جيدا أن فزاعة “النخبة/ خيانة” لا تزال تقوم بمفعولها و أن سوق إقصاء “النخبة البرجوازية” يظل رائجا في عقول الكثير من الجزائريين. و مع أن تلك الصفة المحقود عليها تنطبق كذلك بالضرورة على رجال السلطة (على الأقل في ذهن الآخرين)، إلا أنهم يحاولون بمكر طردها عنهم و إلصاقها بخصومهم فقط. يا له من سلوك شيطاني فعلاً.

لم يَسبق يوما أن كان تجاور كلمتي الشعب و النخبة سلميا في عقول العامة الحذرة, و في نفوسهم المعبئة بالشعبوية، فالكلمة الأولى وُضعَت كمرادف للخير و الثانية للشر، ليس عندنا أو اليوم فقط بل في كل مكان و في كل زمان.

لا أحد ينكر مثلا، و هذه حقيقة عالمية، أن عددا قليلا و استثنائيا من الناس هو الذي يقوم بدفع البشرية نحو التقدم للأمام، و ذلك منذ قديم الزمان و في كل المجالات: العلم، الفكر، التكنولوجيا و الطب. من بين 80 مليارا من البشر سكنوا الأرض منذ نشأتها، لم يَفق عدد هؤلاء بضعة ألاف. و هذا شيء طبيعي لأننا لو انتظرنا أن تقوم الأغلبية من البشر المتعلمين بالتوصل إلى اكتشاف أو أن تبتكر تكنولوجيا لما استطعنا الخروج من العصر الحجري أو القرون الوسطى.

لا أحد أيضا تفاجأ أن الله تعالى تَحَدَث إلى البشر عن طريق بضع عشرات من الشخصيات النبوية التي اصطفاها؛ و أود هنا أن أُلفت النظر إلى شيء أجده غريبا بعض الشيء. يؤكد لنا القرآن الكريم في عدة مناسبات أنه لم توجد أمة من البشر لم يُنزل إليها الله منذرا أو نبيا من أهلها و يتكلم لغتها. لكن السكان القدامى لمنطقة المغرب العربي لم يحضوا بهذا الشرف. لا يُمكن أن يُفَسَر هذا إلا باحتمالين: إما أن نكون قد فقدنا أثر أنبيائنا، أو أن مصطلح “أمة” لا ينطبق علينا. أقترح أن نفسح المجال لتنويرنا في هذا الشأن إلى فضيلة الشيخ شمس الدين.

يحدث في تاريخ بعض الأمم أن يقوم رجل واحد أو بضعة رجال لتحريك أمة و رفعها إلى ما هو أعلى من وضعيتها البائسة أو المتخلفة. كما حدث أيضا أن تسير أمم ضخمة و حاشدة لمدة قرون في التاريخ دون أن يولد من رحمها رجل عظيم واحد، أو أن تكون وطنا لاختراع حاسم واحد؛ و تبقى نتيجة لذلك متجمدة في حالتها البدائية.

نستنتج إذا دون شك أن أقليات صغيرة العدد، أو إن أردنا النخبة الاجتماعية، هي التي بَنَت تاريخ البشرية و لا تزال، وستستمر في بنائه مستقبلا في كافة المجالات: العلم، البحوث الأساسية، التكنولوجيا، الفكر،الفن، الرياضة…و عندما تصبو عبقرية هذه الطليعة الرائدة وأعمالها إلى ما يخدم الصالح العام، تصبح هي الأغلبية الفعلية و هي البشرية جمعاء.

نقول حينئذ أن “الإنسان” اكتشف أو فعل الشيء الفلاني في الزمن و المكان الفلاني و نشعر أن كل الإنسانية شاركت و ساهمت في ذلك. يحس كل واحد منا كنتيجة لذلك، أنه يحمل في ذاته بعضا من ذلك الإنسان المجرد.

لكن ما أن ندخل في السياسة حتى تتعقد الأمور. “البشر يولدون سواسية في الحقوق”، يَنُص مثلا أحد المبادئ الأساسية للحركة الإنسانية، رغم أن المبدأ بحد ذاته لم يأتي إلا ثمرة لمجهود أقليات قامت بتنظيره ثم كافحت لفرضه عبر الزمان حتى أصبح حقيقة ملموسة في جميع المنظومات القانونية البشرية.

أما نحن الجزائريون، الذين أقصانا تاريخنا من الاكتشافات العلمية و التكنولوجية و الفلسفية و الأخلاقية التي طورت البشرية عبر العصور؛ فلا نتقبل بسهولة فكرة أن النخبة تمثل محرك الأمة و كَشافها. و في عهد الحزب الواحد كما اليوم، يثير هذا التفكير نوعا من الحفيظة و حتى الانزعاج عند أغلبيتنا التي تعودت أن ترى ثقافة التساوي و الشعبوية كأنها من فضائل الإنصاف.

من هنا تأتي السهولة التي يتلاعب بها دعاة العهدة الرابعة بمصطلح “الشعب”، ليعترضوا به ,بوقاحة الواثق من كونه على حق، ضد تلك “النخبة التي لا تمثل إلا نفسها” من الذين يخرجون إلى ساحة أودان للتظاهر ضد العهدة الرابعة. شعب هؤلاء هو ذلك الجزء المستفيد، من الجماهير التي لا تكترث بشيء والتي يمدحونها لتبقى في جهلها و جمودها الفكري و الروحي. هذا الجانب من الجماهير هو نفسه الذي اتبع بالأمس الجبهة الإسلامية للإنقاذ و سيتبع غدا و أبدا كل من يدفع له أو يعطيه شيء مقابل ملأ مدرجات ملعب أو استعراض حاشد في العاصمة.

إذا ما انطلقنا من منطق الشعبوية، فإن كل شخص يملك شعبية تأتيه من مهنة أو موهبة فنية أو رياضية يمارسها، تكون حظوظه في الفوز بانتخابات أكثر من أي عالم أو عقل بارز. أليس مثلا لاعبو كرة القدم في النوادي الأوربية أكثر ثراءً من كل العباقرة الذين يزخر بهم العالم مجتمعين؟

لا نستطيع و لا يجب علينا فصل الأقلية عن الأغلبية، لأن شعبا حقيقيا و متينا تصنعه النخبة و العدد مع بعض، القدوة و الجماعة في نفس الوقت. و عندما تلتقي و تتضامن هاتين القوتين يمكن آنذاك لقضية وطنية، لكفاح مسلح أو لحركة احتجاجية أن تفك انسداد طرق التاريخ وتفتحالممرات نحو التقدم و الانتصار.

لكن عندما لا تلتقي بصيرة العقل و قوة العدد، و حين لا تتحد القوتان ولا تتعاونان، و لا تمشيان بخطى متساوية، وحين تفرقهما الشعبوية و الأحكام المسبقة الطبقية؛ فإن القضية السياسية تركد و تتوقف و تخسر عندها الاثنتان. و يصبح ذلك الشعب حينئذ “قابلا للاستعمار” أو “قابلا للاستبداد”، حسب الظروف التاريخية التي يعيشها.

يجب على النخبة أن تغطي أكبر عدد ممكن من المواطنين، أن تتفتح على كل الطبقات و كل الأعمار بلا استثناء. و يجب على الشعب كله أن يصبح نخبةً في ذاته. ففي البلدان المتقدمة يستحيل أن نفرق بين عالم كبير و مواطن عادي عندما نراهما للوهلة الأولى، بل نجد الاثنين يتبادلان و يخلصان الاحترام لبعضهما. بالفعل يجب أن يدفع الغضب الذي يحرك اليوم جزءً كبيرا من شعبنا و نخبته أن يكون محفزا لتوحيدهما، من أجل وضع حجر الأساس الثاني لوطننا الجزائري، بعد نداء أول نوفمبر.

الشعب الجزائري الجديد يقوم الآن بإصلاح ثقافته، بعصرنة عقليته و تقويم مستوى وعيه السياسي، عبر الاتحاد التدريجي في سبيل التصدي لطفرة و خدعة. و المجتمع الطالب للديمقراطية و الحرية الانتخابية و للكرامة لا يتواجد حاليا بعدد كاف، لكنه الآن على شكل مسودة، في طور التشكل عبر ردة فعل الشعب/النخبة الذي يتظاهر, و ينتفض ضد الشتائم, و ينشر العرائض على الانترنيت أو المقالات على الجرائد. هذا هو ما سيغير الوطن و يدفع به نحو التقدم، و هذا ما سيُقَوي الشعور بالوحدة الوطنية و يجعلنا أقرب بعضنا إلى البعض، سواء كنا نعيش داخل الوطن أو خارجه.

في أكتوبر 1988 و في جانفي 2011 كان الشباب مَن خرج للتحطيم و النهب تحت أنظار البالغين الحائرة. و اليوم يتظاهر و يقيم الوقفات الاحتجاجية كهول راشدون تحت أنظار الشباب المندهشة و التي لم ترى مثل ذلك منذ زمن طويل. اليوم الذي سيحصل فيه التقاطع بين الشباب و الكهول، و التلاحم بين الأجيال الحية سينبأ بمجيء الوطن الجزائري الجديد.

لا يجب الشعور بالندم على عهد الحزب الواحد تَحَجُجا بخطر الانقسام. فكلنا متوحدون بقوة ووفاء لا محالة، لحماية أرضنا و استقلالنا و سيادتنا و وحدتنا الوطنية ضد الخارج. لكن يجب أيضا أن نكون أحرارا و أن نستطيع أن نمارس سيادتنا في تعيين الحكام و تنحيتهم، في الداخل.

إن الوطن اليوم يغلي تحت الاستفزازات المتكررة لأعضاء جوق العهدة الرابعة الصاخب. الصحافة تهاجم, الشعب يتحرك و الصفحات الاجتماعية تضيق صبرا. إن موعد 17 أفريل لا يتقدم إلينا كموعد لرئاسة جديدة لكن كنهاية لعهد كامل. لم يبق موعدا انتخابيا, و لم يعد مسألة سياسية, فقد أصبحنا نواجه مناورة خبيثة هدفها مصادرة الدولة لأغراض مافيوية، و يحق لنا إذا بصفة شرعية أن نتصدى لها.

 

 

ترجمه بوكروح وليد

جريدة الخبر 24 و25 مارس 2014

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم