الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بوتفليقة يرفض انتهاج ماكرون لسياسات سابقيه

بوتفليقة يرفض انتهاج ماكرون لسياسات سابقيه

بقلم: د. سليمان أعراج

يشكل ملف الانفلات الأمني في منطقة المغرب العربي قضية مقلقة خصوصًا بالنسبة للجزائر وهي المستهدفة بالدرجة الأولى مما يحدث، فقد كان الملف المالي أحد الاختبارات التي سعت في إطارها فرنسا على الخصوص ضرب الجزائر تحت الحزام خاصة بإسراعها إلى التدخل العسكري في مالي ، لكن اللافت للانتباه مؤخرا هو توالي الاتصالات الهاتفية للرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون بالرئيس بوتفليقة والتي كانت تسبق كل زياراته إلى المنطقة، سواء قبل زيارته الأولى لمالي بعد خمسة أيام من توليه الحكم، أو تلك الزيارة التي قادته إلى المغرب أو تلك الأخيرة للمشاركة في الاجتماع الإقليمي حول مالي والذي انبثق عنه إعلان خمس دول إنشاء قوة افريقية مشتركة لمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة في منطقة الساحل الأفريقي وغابت عنها الجزائر والتي تضم موريتانيا النيجر، بوركينافاسو، مالي، وتشاد.

وأعلن الرئيس الفرنسي في إطار ذلك دعم هذه القوة بـ 70 عربة، فاللافت إذن هو مسألة الاتصالات المتكررة من ماكرون للرئيس بوتفليقة، والتي ترجع إلى محاولات الرئيس الفرنسي الضغط على الجزائر وإقناعها من اجل تغيير نظرتها لمفهوم الأمن في المنطقة والذي تستند فيه الجزائر إلى مجموعة من الثوابت الدستورية أهمها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم تدخل الجيش خارج الحدود، وتأتي هذه المحاولات الفرنسية جراء تصور الرئيس الشاب بأن جملة التحولات التنظيمية التي عرفتها بعض المؤسسات الجزائرية المهمة بأنه أمر سيكون له انعكاس على قناعات الجزائر وثوابتها التي أتاحت لها فرصة صيانة أمنها ومكتسباتها في ظل موجة التحول الذي عصف بالمنطقة العربية.

ماكرون الذي يصف في كل مرة الجزائر بالشريك الاستراتيجي حاول في آخر مرة إقناع الجزائر بلعب دور في القوة الإفريقية المشتركة التي أعلن عنها من مالي، ورفضتها أمريكا في مجلس الأمن بحجة افتقاد التقرير الفرنسي المقدم حولها للدقة المطلوبة، والمقصود من كلام ماكرون حول حث الجزائر على بذل جهد عملي هو محاولة إقناعها بان تكون القوة المشتركة بديلا لإطار التعاون الذي يجمع الجزائر بالدول الخمس في إطار ما يسمى مبادرة دول الميدان التي تجمع قيادات أركان الدول الخمس وتقوم على تنسيق الجهود وتبادل المعلومات حول امن المنطقة، لكن المسالة كلها ترتبط بالمأزق العسكري والاقتصادي للتواجد الفرنسي في مالي، والذي جعلها تهرول إلى إعلان إقامة القوة الإفريقية المشتركة كمخرج تبحث فيه عن من يتحمل أو يتقاسم معها أعباء تواجدها في مالي، وهو ما يفسر الحديث عن تعثر مسار المصالحة في مالي والذي يعود في الأصل إلى شيء واحد فقط وهو تماطل المجموعة الدولية والأوروبية خصوصا عن مسالة الوفاء بالتزاماتها ووعودها بتقديم مساعدات مالية لبعث التنمية في مالي، والتساؤل هنا أيضا حول ما تم إعلانه حول تقديم 50 مليون يورو، هل يمكن لهذا المبلغ المساهمة في التأسيس لفعالية هذه القوة الإفريقية المشتركة التي نعلم بنيتها ومدى قدرتها على مجابهة تنامي خطر التهديدات الإرهابية ونشاط الجريمة المنظمة بأرقامها المخيفة في منطقة الساحل الإفريقي أمام هذه التحولات والمحاولات الفرنسية لاختبار العمق الجزائري.

جاء الرد الجزائري قويا بالنسبة لماكرون، من خلال رسالة الرئيس بوتفليقة بمناسبة الذكرى 55 لعيد الاستقلال، حيث عبر الرئيس بوتفليقة، مذكرا بتشبث الشعب الجزائري بمطلبها لفرنسا بالاعتذار عن جرائمها وربطها بكون أن تحسين العلاقات الجزائرية الفرنسية ستضمنه أكثر وتوسع افقه مسألة تسوية ملف الذاكرة باعتباره مطلبا شعبيا كما وضح الرئيس بوتفليقة في رسالته إلى الشعب بمناسبة عيد الاستقلال، وأيام عقب إعلان ماكرون زيارته إلى الجزائر في الأسابيع القادمة.

رد الرئيس بوتفليقة يعبر عن ثوابت الدولة التي تؤسس لتحركاتها وتعتمدها في مجابهة من يهدف إلى مباغتة استقرار الدولة الجزائرية. من جهة أخرى فان تصريحات أحمد أويحي رئيس ثاني قوة سياسية بالجزائر حول ملف الهجرة غير الشرعية بالجزائر والتي وصفها الكثير بالعنصرية، نجدها في الحقيقة نابعة من حقيقة أن الأفارقة يعجزون على التأقلم مع المجتمع الجزائري نظرا لاختلاف نمط العيش ومن ذلك برزت صعوبة تأطيرهم ، كما يمكن ردها إلى أنها تعبير عن امتعاضه من التحرك الأخير للدول الإفريقية المجاورة مع فرنسا في إطار القوة المشتركة والذي اعتبره خروج عن اتفاق الجزائر في إطار التعاون وفق مبادرة دول الميدان، وتعتبر أيضا رسالة إلى أوروبا وخصوصا ألمانيا وفرنسا، بأنه لا يوجد أي منطق أو عرف دولي يجعل الجزائر تتحمل لوحدها عبء هجرة الأفارقة غير الشرعية وبالتالي يمكن اعتبارها رسالة واضحة بأن الجزائر لا تتحمل مسؤولية تدفق الأفارقة إلى أوروبا لأن أمنها الوطني أصبح مهددا، غير أن مثل هكذا قضايا تدار بدبلوماسية بدل المواجهة المباشرة وبمرونة تتيح لنا اللعب على كل الأوتار.