الرئيسية 5 الجزائر 5 بوكروح ل« OUMMA.COM »: هزني ما رأيته من درجة الانهيار و التقهقر الذي بلغته الجزائر

بوكروح ل« OUMMA.COM »: هزني ما رأيته من درجة الانهيار و التقهقر الذي بلغته الجزائر

ترجمة: بوكروح وليد

لقد أطلقتم عبر صفحتكم في الفايسبوك “نداء لثورة سلمية مواطنة” تناقلته وسائل الإعلام الجزائرية و كان له صدى كبير داخل الوطن و لدى الجزائريين المقيمين بالخارج. لماذا؟ و بالأخص لماذا الآن؟

أشكركم على منحي الفرصة لأتحدث عن أسباب هذا “النداء” قبل التطرق إلى آثاره، لأن هذا جد مهم ليتسنى فهم دوافعه و أهدافه، خاصة في أعين الملاحظ البعيد

السياق: منذ أفريل 2013، تاريخ تعرض رئيسها لجلطة دماغية، لم تعد الجزائر تسيّر بما يناسب أدنى حد من متطلبات الحكم العادية. فهو لم يعد يترأس شيئا و لا يلبي أي من واجبات البروتوكولية، و لم يعد يسافر للخارج إلا للعلاج و يعيش معزولا في إقامة طبية مجهزة. و قد شاهد العالم أجمع صور حالته الصحية من بينها تلك التي التقطها الوزير الأول الفرنسي السابق مانويل فالس. كذلك لم يتكلم مع شعبه منذ ماي 2012 كما لم يعد يظهر ليراه. يتم عرضه من فترة لأخرى على كرسي متحرك، حتى نرى بأنه لا يزال على قيد الحياة، و يجمع مجلس الوزراء مرتين أو ثلاثة في السنة ليصادق في عجلة على مشاريع القوانين الحساسة مثل قانون المالية أو برنامج الحكومة. كما ينتظر منذ بضعة شهور أو سنوات حوالي أربعين سفيرا أن يستقبلهم لتسليم أوراق الاعتماد إليه كما ينص على ذلك الدستور…

قبل و بعد مرضه، قام الرئيس عبر سلسلة من التعديلات الدستورية التي مررها على برلمان مذعن لأوامره، بتخدير دقيق لجميع مؤسسات الدولة (الوزارة الأولى، المجلس الدستوري، البرلمان…)، و قام بسلبها صلاحياتها ليحصرها في دور شكلي بحت. كما أقدم على إعادة هيكلة داخل الجيش واضعا جهاز المخابرات، بكل ما يرتبط به من أساطير عن دوره في الحكم السياسي للبلاد، تحت سلطته الشخصية.

نتيجة لذلك أصبحت كل السلطات المدنية و العسكرية بين يديه بينما هو غير قادر على ممارسة أي منها، و هو ما تسبب في تباطؤ كبير في إدارة البلاد. رئيس في صحة بالغة التدهور، يتحرك بما بقي من النفس و الوعي الأخيرين ليتمسك بالسلطة كما يتمسك العجوز بكيس نقوده في حكاية “البخيل” ل موليار

هذه المأساة التي تمسك بأعصاب الجميع تستمر منذ سنوات، و كلما مر عليها الوقت كلما غاصت الجزائر في جو متوتر من نهاية حكم لا آخر لها. فضائح الرشوة تتوالى و الشعب يتساءل عن هوية الذين يسيرون البلاد في الحقيقة، و عما سيكون عليه مستقبله. البلاد في الواقع لا تسيّر و إنما هي متروكة لتتدحرج لوحدها، بينما تتوجه كل الأنظار إلى أخيه الذي يشغل منصب “المستشار الخاص” له منذ القرن الماضي

في هذه الأثناء، خسرت البلاد ثلثي عائداتها من النفط و الغاز و هي كل ما تملك لأن اقتصادنا لا يصدر شيئا آخر، بينما يلزمنا 70 إلى 80 مليار دولار في السنة لنتمكن من مواصلة العيش كما تعودنا عليه و لم يعد يدخل خزينتنا غير ثلث هذا الرقم. هذا العجز تغطي حتى اليوم بفضل احتياط الصرف الذي تبقي منه اليوم ما يكفي حوالي سنتين أي حتى نهاية العهدة الرابعة للسيد بوتفليقة (أفريل 2014). لكن هذا الأخير لا يعد حاليا لذهابه بل يستعد للبقاء لعهدة خامسة، أو لانتقال السلطة إلى أخيه آخذا مثال فيدال كاسترو.

التوقيت: لقد صدم الجزائريون هذا الصيف بأحداث لم يعرفوا لها مثيلا في السابق. وزير أول حديث التعيين يصرح في البرلمان بأن حكومته ستبادر نظرا للأزمة الاقتصادية بكبح لجام ما أطلقت عليه أنا اسم “مافيا الاستيراد/استيراد”، و ستحاول الفصل بين السياسة و لوبي المال الذي تطور في السنوات الأخيرة ليصبح جزءا لا يتجزأ من دوائر صنع القرار

و خلال ترأسه لنشاط عمومي، طلب من القائمين على التشريفات بأن لا يتركوا لرئيس منظمة أرباب العمل مكانا للجلوس بجانبه كما اعتاد سابقه فعله، و ذلك حتى يبقى منسجما أمام ما صرح به للعلن. إلا أن هذا القرار نال استياء هذا الأخير الذي بادر بمغادرة القاعة جليا، و تبعه في ذلك بكل غرابة مسئول النقابة “الرسمية” للعمال. بعدها بدأت الصحافة تتداول أخبارا و إشاعات بأن المعني بالأمر اشتكى لأخ الرئيس و أن أيام الوزير الأول صارت محدودة على رأس الحكومة. كان هذا يبدو لا يصدق و من ضرب المستحيل، لكنه كان ما وقع بالفعل بعد أيام معدودة.

فخلال جنازة رسمية شارك فيها المسئولون الأربعة (رب العمل، الوزير الأول، النقابي و أخ الرئيس)، حظر هذا الأخير إلى المكان محاطا بمدير تشريفات الرئيس وبحرسه الشخصي، في سيارته الرسمية، و هو ما يعني أنه لبس حلة الرئيس كاملة، و هي تعتبر أول مرة منذ 1999 يقع فيها مثل هذا.

في نهاية الجنازة التي صور خلالها الشركاء الثلاثة و هم يتبادلون الضحكات على بعد بضعة أمتار من الوزير الأول الذي كان وجهه جنائزيا، ليس فقط حزنا على روح الفقيد بل على مصيره أيضا ؛ قام أخ الرئيس باصطحاب رئيس منتدى المؤسسات معه في سيارة الرئاسة، و انصرف الاثنان يعانقان بعضهما في لقطة توحي بأنهما الثنائي الرئاسي.

في اليوم الموالي، و بينما كان الوزير الأول في باريس ليلتقي مع نظيره الفرنسي، بدأت قناة تلفزيونية معروفة بقربها من أخ الرئيس بسرد لائحة اتهامات طويلة ضده. ثم صدرت قرارات نسبت إلى الرئيس تأمر الوزراء بأن يوقفوا العمل بالإجراءات الاقتصادية التي اتخذها الوزير الأول سابقا. هل هذه تصرفات تناسب طريقة عمل دولة؟

و ما أن عاد الوزير الأول إلى أرض الوطن حتى صدر قرار إنهاء مهامه بمجرد بيان مقتضب أصاب البلاد بأكملها بالذهول، إذ ظهر الدليل القاطع أمام أعين الجميع بأن سلطة القرار انتقلت إلى أيدي أخ الرئيس و رجال الأعمال. و ما لم يكن سوى إشاعات و تكهنات أصبح حقيقة و واقع: فالبلاد أصبحت فعلا بين أيدي عصبة لم تعد تخشى أن تظهر للعلن أو أن تتحرك في وضح النهار

بصفتي مثقفا و رجلا سياسيا، و بصفتي المساهم رقم 40 مليون في ملكية هذا البلد، فقد هزني ما رأيته من درجة الانهيار و التقهقر الذي بلغته الجزائر. لم أصدق ما رأته عيناي و أدركه عقلي من الانحراف و الشر و الإذلال، فجاء ردي على الأحداث في ثلاثة مقالات تعبر عناوينها عن محتواها: “لم نعد دولة بل…” ؛ و “شغب على رأس الدولة” ؛ و ” الجيش، صامت لا يريد الاستماع “.

 

لكن هل تعتقدون أن هذا النداء يمكنه أن يحرك الأشياء في بلد يبدو يائسا و مرتابا من المبادرات السياسية التي في كل مرة تنطفئ في اليوم الموالي لإطلاقها؟.

أجبت على السؤال “لماذا” بوصفي لحالة تتدهور باستمرار منذ 2013 و ستؤدي لا محالة لو واصلنا تركها تسير بديناميكيتها الحالية إلى الفوضى، و أجبت على “لماذا الآن” الذي هو مرتبط بالأحداث التي وقعت خلال الشهر المنصرم.

المعادلة الجزائرية لمن يلاحظها بدقة هي معادلة ذات مجهولين. الأول من جهة و هو السلطة التي هي في أصلها ذات طبيعة غامضة غير شفافة، و وقعت خلال السنوات الأخيرة بين أياد غير مسئولة بالمعنى المزدوج للكلمة: القانوني لأنها غير شرعية، و الأخلاقي لأنها مرتبطة بالمال الوسخ ؛ و التي هي اليوم تحظر بنشاط لعهدة خامسة بحلول انتخابات 2019 الرئاسية، و ذلك ليتسنى لها الاستمرار في الاختباء في ظل رئيس عاجز، أو ضمان انتقال السلطة على النحو الذي تفاهمت عليه دوائر محدودة داخلها. من جهة أخرى يوجد الشعب الذي يشله ما عاشه خلال التسعينيات و ما رآه في الدول العربية التي شهدت “ربيعا” قاد جميعها باستثناء تونس إلى الجحيم

لو بقيت الأمور على ما هي عليه، السلطة منساقة خلف مشروع جنوني و الشعب مشلولا بقوة الجمود التي تطبق عليه، الأولى مصممة على انحرافها لأنها لا ترى شيئا من غير المصالح الفردية لأعضائها المدنيين و العسكريين، و الثاني غير مبال بمصيره لخوفه من أن يتعرض للأسوأ ؛ لو بقيت الأمور هكذا فإن البلاد ستتجه نحو هلاكها. لقد صرح الوزير الأول في لقاء سياسي سري الأسبوع الماضي بأن الحكومة لم تكن تملك ما تدفع به رواتب شهر نوفمبر. هل تتخيلون ما يمكن أن تمثله فرضية مثل هذه؟ ما يمكن أن تؤدي إليه؟ سيكون الانفجار العام و الدخول في دوامة جهنمية.

الوزير الأول الجديد (الذي في الحقيقة يتولى المنصب للمرة العاشرة منذ 1995) قدم إلى البرلمان “مخطط عمل” يرتكز على اللجوء الصريح إلى طباعة العملة لتمويل العجز في الميزانية، و هو ما سيؤدي (رغم نفيه لذلك) إلى تدهور في العملة و إلى تضخم خارج السيطرة، فالاقتصاد الجزائري لا ينتج أي ثروة أو قيمة مضافة تقريبا بما أن %70 من المنتجات التي نستهلكها تأتي من الخارج. تدهور الدينار سوف يقضي على القدرة الشرائية و يرجع بالجزائريين إلى فقر نسوه منذ انتهاء العهد الاستعماري.

الإشكال الذي يطرح نفسه على الإنسان الوطني و العقلاني في ظروف كهذه هو: ماذا، متى و كيف يمكن أن نفعل لنتجنب هذه الأخطار؟ فالسلطة عالقة في هلعها مثل بخيل موليار أن يسلبه أحد ماله، و المواطنون متشتتون و مبعثرون، لم تعد أغلبيتهم تنتخب أو تنتظم في أي إطار سياسي كان.

تكنولوجيات الاتصال الحديثة التي غيرت العديد من جوانب الحياة العصرية يمكنها أن تساعد أيضا في عملية تحسيس و توعية و تجنيد. في الماضي كانت السياسة تتغير عبر الأفكار الثورية، التجمعات الشعبية، المظاهرات و المسيرات، المنشورات أو حتى بالمتاريس و السلاح، و هي الوسائل التي تجند بها عادة قوة المواطنة للوصول إلى التغيير لحياة أفضل ؛ أما اليوم فيمكن لأغلب هذه النتائج أن تحقق بواسطة وسائل الالتقاء و التبادل و النقاش الجديدة التي تتيحها شبكات التواصل الاجتماعي للتوصل إلى قراءة موحدة للوضعية، و إلى إرادة جماعية للعمل، و خطة طريق توافقية لإيجاد الحلول؛ كل ذلك في ظل الهدوء و احترام القوانين و المؤسسات و سلامة الأملاك. اليوم لم يبق أمامنا إلا سنة و نصف لنجهز للقطيعة مع نمط سياسي ذي جذور استبدادية هي بقايا عهد بائد، و لنبني لها بديلا مختلفا

“النداء” الذي أطلقته كان يحمل رقم 1، و قد قلت بوضوح في خاتمته بأنه ليس إلا مرحلة أولى هي مرحلة التوعية، من مبادرة أكبر و سوف تسير نحو مراحل أخرى تتعلق على وجه التحديد ببناء البديل

 

تنادون على كل واحد بأن “يبدأ العمل انطلاقا من المكان الذي يوجد فيه”. هل يعني هذا أنكم تنادون إلى استيقاظ ضمير جزائري جماعي يتخطى الحدود، و أن “الثورة المواطنة” التي تنادون بها ستؤثر على مزدوجي الجنسية و تدفعهم إلى التحرك للتأثير على رئاسيات 2019؟

بالنسبة إلى فإن مزدوجي الجنسية ليسوا أنصاف مواطنين بل هم مثل باقي الجزائريين و يحملون كامل و نفس الحقوق و الواجبات، و يحملون نفس الآمال و الأحلام لجزائر أفضل. يعرفون بأن بلد منشأهم أو أصلهم أو قلبهم، لا تهم الكلمات، قد أصبح اليوم مضحكة أمام العالم ؛ و أنه أصبح اليوم يحتل المراتب الأخيرة في كل شيء بعد ما كان في أوائل الستينيات يعتبر من دول العالم الثالث البارزة. فجميع بلدان إفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية التي كنا نشاركها نفس الوضعية و المؤشرات قد تقدمت اليوم علينا

في السنوات الأخيرة استقر الكثير من الجزائريين أينما أمكن لهم في العالم، لكن هؤلاء في غربتهم و منفاهم لا زالوا يحملون الجزائر في قلبهم و مخيلتهم، و هم يعانون عندما يرونها رهينة بين أيدي الجهل و عرضة للافتراس. كذلك الكثير من مزدوجي الجنسية الذين لم يولدوا في الجزائر قرروا الاستقرار و العمل فيها رغم الصعاب. يمكن لجزائر متحررة من الاستبداد، واعية بحس المواطنة و متوجهة في اتجاه التاريخ و العالم أن تصبح خلال بضعة سنوات فقط بلدا جذابا. و مساهمة المغرّبين في إعادة نهضة البلاد تعتبر واجبا عليهم و سوف يمكنهم هذا الواجب لو قاموا به من اكتساب حقوق جديدة

ندائكم أثار ردود أفعال عنيفة في أعلى هرم الدولة من بينهم رئيس المجلس الشعبي الوطني الذي حذركم من “المساس برموز الدولة”. كما كنتم تتوقعون “الشروع في متابعات قضائية بهدف إسكاتكم و كسر المبادرة السياسية التي أطلقتموها”. لكن يبدوا أن السلطة منذ هذا الصباح قد بدأت تتراجع و أنها قررت حسب كلام الوزير الأول بأن “لا تعاقبكم”؟

أنا لم أمس بأي رمز للدولة، لكن في المقابل فإن شخصا مريضا في جسده و عقله هو الذي حولّ هذه الدولة إلى مريضة معه لم يتبق منها إلا الرموز. صدور مقالاتي الثلاثة المتتالية أثار ردّين رسميين من وزارة الدفاع و ثالثا من لواء متقاعد، تهديدات بالمتابعة القضائية من الناطق الرسمي لحزب الوزير الأول، تحذيرات من رئيس المجلس الشعبي الوطني، و وابلا من القذف و الشتم من وسائل إعلام تابعة لهم، دون أن ننسى هجمات متعددة ل”قناصين” متعطشين للشهرة ؛ و هذا كله هو الذي دفعني إلى الدفاع عن نفسي

علمت مثلكم بأن الوزير الأول صرح هذا الصباح في البرلمان بأن السلطة قررت أن “لا تعاقبني” و أنها ستكتفي بتجاهلي. هو لم يقل “تحيلني إلى القضاء” أو “تحاسبني” أو “تحاكمني” بل قال “تعاقبني”، ربما لأنه لم يجرأ أن يقول “تقتلني”، فقد أضاف بعد ذلك: “لأن لا نجعل منه شهيدا”

اللغة التي استعملها فقط تكفي لإطلاعنا على الطريقة التي يفكر بها المستبد الصغير، زعيم الدوار، “شامبيط” العهد الاستعماري، و هو نفسه التفكير الذي يسيّر الجزائر بالجهل، بانعدام الحياء و الكفاءة، و العنف. لقد نشرت الدولة طيلة قرابة شهر كافة وسائلها و مؤسساتها لتحارب رجلا لا يملك إلا صفحة فايسبوك. المؤكد أن دولة كهذه ليست قائمة أو مسيّرة، بل هي دولة معطوبة و هائمة

كما أن هذا الوزير الأول يعتبر رمزا حيا للعبودية، فهو ينتمي إلى حظيرة السلطة الأليفة منذ عشرين سنة. يعيّن و يطرد من المناصب دوريا دون أن يهمس ببنت شفة. يفرد عضلاته عندما يشير له أسياده بمهمة قذرة يأمرونه بإنجازها، و ينصرف مطأطئ الرأس حين يطردونه. لو كانت “السلطة” تتجاهلني فعلا فلماذا هي تتكلم عني في المجلس الشعبي الوطني إذا؟
أنا لست خارجا عن القانون بل أعرف القوانين و أحترمها أكثر منهم. كذلك لست من المنادين بالفوضى و لم أدعوا الجزائريين إلى التمرد على الدولة، بل دعوتهم لأن يعيشوا ثورة مواطنة و معنوية ستجهزهم لأن يصبحوا فاعلين في تقرير مصيرهم خلال الأشهر القادمة. هذه الثورة الفكرية، الثقافية، السياسية و الديمقراطية تهدف إلى تغيير العقليات و طريقة النظر إلى العالم عند المواطنين الجزائريين؛ و أنا سأستمر فيها بالوسائل المتاحة إليّ: الأفكار، الفكر و العقلانية. أنا أفعل ذلك لمستقبل بلادي و للأجيال الجديدة ؛ و من المفروض أن يساعدني في ذلك من بقوا يصلحون في المؤسسات الجزائرية بدل أن يعارضوني

في حوار نشر على موقع “Maghreb Emergent”، يأكد المحلل السياسي لهواري عدي أن “القول بأن الرئيس و أخاه يقرران كل شيء هو أسطورة تهدف إلى تركيز السخط على الشخصيتين و صرف النظر عن أصحاب القرار الحقيقيين الذين يتحملون مسئولية كبيرة في الوضع الذي آلت إليه البلاد”. من يقرر فعلا في الجزائر؟ ما هي حقيقة الشلطة في البلاد؟

لا أدري إن كان هذا الحكم يعاني من إفراط في استعمال المنهجية البنيوية في التحليل، أم يحمل نية في التخفيف من مسئولية الإخوة بوتفليقة في تحطيم الدولة الجزائرية. أنا و لكوني لاحظت من قريب هذه الدولة، و كوني دخلت بعض الشيء في دواليبها و عرفت بعض من الرؤوس و “أصحاب القرار”، أملك فكرة أدق بعض الشيء من هذه

تحدثت عن الإفراط في البنيوية لأنه، و إن كان في السابق صحيحا بأن تعدد مراكز القرار هو منذ زمن بعيد واقع، إلا أنه لم يعد كذلك منذ أن تمكن الرئيس من اكتشاف الثغرة في كتلة المقررين العسكريين، ثم استغلها بإثارة المواجهة بين قيادة الأركان و جهاز المخابرات و قام أخيرا بوضع هذا الجهاز الرهيب تحت سلطته الشخصية. كان يمكن لما فعله هذا أن يشكل ميلادا للديمقراطية، لدولة القانون و “الدولة المدنية” التي يتوق إليها كل الجزائريين و التي دافعت عنها شخصيا طوال مسيرتي، لكن بوتفليقة لم يقم بذلك سوى للبقاء في السلطة مدى الحياة و لضمان التداول الذي يرغب فيه هو بعد موته، و هذا في المقابل شيء لا يرغب الجزائريون فيه. لقد فعل ما فعله لحماية نفسه فقط، لا لحماية الدولة أو الديمقراطية

لقد نددتم مرارا بأن الجزائر مفخخة بالقبلية و الإسلاموية و الجهوية و المحاباة التي تمنع بناء مجتمع ديمقراطي حقيقي مبني على العدالة و المواطنة؟

الانفتاح الديمقراطي الذي قرر في الجزائر عام 1989 فشل لنفس الأسباب التي فشلت بسببها الثورات العربية عشرين سنة بعدها: لأسباب ثقافية و فكرية. هذه الشعوب التي تعيش منذ 14 قرنا (اليوم هو الأول من السنة 1439 عند المسلمين) في ظل ثقافة استبدادية يضنون بأنها فرض ديني كما علمهم ذلك العلم الديني القديم و قصص ألف ليلة و ليلة، هذه الشعوب لم يكن في مقدورها عند حدوث انفتاح ديمقراطي أو ثورة، إلا أن تصوت بالأغلبية على التيار الديني. فهذه الثقافة لا تفرق بين “المؤمن” و “المواطن”، و قام سلّم ثقافي أصبح مع مرور الزمن جينيا، بتنصيب الأول فوق الثاني. لا ترى هذه الشعوب الفارق بين فكرة “الشعب” و فكرة “المجتمع”

سنة 1979، تنقلت إلى إيران لأعيش الثورة من الداخل، كما ذهبت إلى تركيا في 1980 بعد الانقلاب لأدرس إلى أين كانت قد وصلت الأفكار في عاصمة الخلافة العثمانية سابقا، و كتبت عن البلدين الكثير منذ ذلك الحين إلى غاية يومنا هذا. في 1997 ألّفت كتابا حاولت فيه أن أفسر فشل التجربة الجزائرية بعنوان “الجزائر بين السيئ و الأسوأ”. و في 2006 أيضا ألّفت كتابا عنوانه “الإسلام دون الإسلاموية”. كما رافقتُ الثورات العربية بعشرين مقالا صدرت في الصحافة الوطنية. يمكن القول عن المبادرة السياسية التي أعلنت عنها بأنها قد أتت نتيجة تجربة حياة كاملة، كما أن “النداء” الذي نشرتموه منها لا يعتبر إلا خطوة أولى منها. مقابلة مع « OUMMA.COM »
ت

 

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم