الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بين الفكر والسياسة 5  تغيير تصورنا لذواتنا/ ذهنيتنا: خشونة و عناد (الخيشينيزم)
نورالدين بوكروح
بوكروح نورالدين

 تغيير تصورنا لذواتنا/ ذهنيتنا: خشونة و عناد (الخيشينيزم)

بقلم نور الدين بوكروح

ترجمة ساعي عايـدة

تغيير الإنسان لا يقل أهمية عن إصلاح الوطن…و على الثورة الثقافية أن تساعد في محو كل البنى الذهنية المؤذية التي تعرقل تطورنا و تشوش على نظرتنا للعالم” ( الميثاق الوطني- ص 63 و 70)

في مقالنا السابق” عبقرية الشعوب”، حاولنا، ربما مع شيء من القسوة، توصيف و الإحاطة بالحال المزري الذي كنّا عليه عندما فجاءنا انطلاق حملة ” محاربة الآفات الإجتماعية ” .أما في هذا المقال، الذي يعتبر امتدادا و تعميقا لسابقه، سنحاول العودة إلى ما نعتقد أنه السبب الرئيسي في الوضع الموصوف سابقا. و تجدر الإشارة إلى أن الشروحات التي سنستهلها هنا غير كاملة، وغير كافية في حد ذاتها، لكن أهميتها، حسبما نعتقد، تكمن فيما يمكن أن ينبثق عنها، أو ما يمكن أن تفرزه من رؤية، تفكير و بحوث بعيدة المدى. سنصدِم مرة أخرى، لن نُحصّل رضا الجميع، هذا أكيد، لكنا سنواصل التفكير، بعيدا عن كل عناد تصلب أو مكابرة، في أن العلاج و الإستشفاء يكمن في تحرير نفسيٍّ  حقيقيٍّ و لا يمكن تجنبه. ألا  يطلعنا علم النفس أنه يتم التغلب على جزء كبير من أي عُصاب إذا تمكنا من إخراجه إلى منطقة الوعي في “الأنا”؟

 

الخشونة ليست فلسفة وجود، أو تصور ما عن الإنسان، بل هي حدة و عناد: ليكن ما يكن مهما كان، بأي ثمن و على أي حال.هي ليست نظرة عالمية، نظام مبني على مسلمات، بل هي انحراف، وضع غريب حيث ” لاشيء يبدو ممنوعا و لا مسموحا، لا مشرفا و لا مخجلا، لا صحيحا و لا خاطئا…”، “الخشونة” ليست بمعتقد، و لا حقيقة، بل جهل و عبودية. ليست واجبا أخلاقيا، أو حالا نودّ أن نميل إليه، بل لا مبالاة، واقع رهيب معاش لكن في سلام تام.  بالنهاية، الخشونة ليست عدوى مفاجئة، تلقيح حديث، بل فيروس قديم و نقيصة عتيقة جدا. و بالرغم من ذلك هي ليست قدرا محتوما، و لا طبع ثان، أو عرضٌ يعمل للأبد، بل شرّ ظهر في الفترات الحزينة من حياتنا الوطنية، فاستحوذ علينا الفصام – الشيزوفرينيا- في اكبر أوقات ازدواجيتنا، لحظات التراخي لدينا، و الاشمئزاز حتى من  أنفسنا..

 

إنّ نتاجه ” الإنسان الخشن”، إذن الرجل و المرأة على السواء، فهي ليست فكرة تجريدية، كلمات مجازية أو شبح، بل حقيقة مزعجة، مشخّصةٌ في أفراد من الواقع الحالي، حضور ذو أشكال متعددة و معاملات سيئة لا محدودة. هو ليس رجل الشارع، ” الآخر” الأبدي الملقى على عاتق الناس، و باختصار الكائن الخيالي الذي نستحضره تلقائيا في ضمير الغائب، بل هو أنا، أنت، و الكثير من بيننا. الأمر لا يتعلق بشيء آخر غير مأساتنا، عنادنا العتيق ” تاغنانت”، سخافتنا الضاربة في القدم و التي تُعرّفنا عندما نحاصر، نُدفع إلى آخر حد لنا، بأنّنا ذلك الـ “خشين الرأس” : غير القابل للتصحيح من العرق القديم، غير قابل للعلاج، معترض، مقاوم، ليس له ربٌّ و لا مُعلم …و نتج عن هذه الآفة ” استقلاليات” (ما تسالنيش)، “لاعقلانية” ( أنا هكذا)، “حق فيتو” (ما تحوسش تفهم)، و “عدمية” (خليها تخلى).

 

” الخشن ”  بيننا بامتياز، و مهما كان مستواه الإجتماعي، هو من يفكر مع إيمان قويّ أن كل شيء مسموح له، أنّ لديه كامل الحقوق، لا يجب أن يُرفض له أي شيء، هو من لا يفهم أننا نريد وضع حد له، نقيّده، هو الذي لا يقبل أن نعارضه أو نناقشه، أن نُخضعه لقاعدة تقلل من قيمته السامية، هو الذي لا  يرضى عندما نُسائِله، عندما نواجهه بالحكم على التزاماته هو، و صورته هو.هذا الكائن يجهل منذ الأزل مفهوم الإستحقاق، لا يرى المطلق أبدا، لا يرى ذرة شك في قيمته و في مهاراته.هو مبغض، سريع الإنفعال، حقود، هو وحدة واحدة :” من يحبني يحبني بمخاط أنفي” ( طوعا أو كرها، لا أعلم كيف يمكن جعل هذه “الأدبيات” ملعونة مذمومة و قد اعترفت بها أجيال كاملة بل و حثت عليها).

يبدو الخطأ عند الخشن كالصحيح، لقد اكتفى لما تبقى من عمره ببضعة يقينيات للجهل الملتقط من حياة طويلة خاطئة و متقلبة، و التي عمد رغم ذلك على إظهارها كقدوة في الدوائر التي يتطور فيها ( أو بالأحرى التي ركد فيها خاصة) و هكذا انتشر، امتدّ، استمر في الشركات المؤسسة عن لاعلم عام تحت معتقد الفظاظة ” الخشانة” بالمعنى الحقيقي و المجازي للكلمة.

 

لم يشغل المعطى الاقتصادي البال أبدا كما فعل هذا القرن، فلنتأمل الفكرة التي تكونت لدى” الإنسان الخشن” في باطن نفسيته، إذ وضعت ” الخشونة” مفهوم الحق المكتسب، المحصل بدون مقابل. لقد ألغت فكرة الواجب ووضعت بدلا عنها عقلية المطالبة الطبيعية بالحقوق الشرعية و غير المشروطة. يعتبر الخشن وجوده في هذا العالم فقط السند الكافي ليصبو إلى كل متع حياة حرة من القيود و القواعد الإجبارية.استرجاع الإستقلال، كما يتوهم، قدم له هذه الحقوق بل و أكثر. و هو يعيش الآن في عالم فردوسي مقارنة بالماضي الإستعماري، لا يرى جيدا حتمية نظام اقتصادي إلزامي و متطلب كثيرا. ينتظر جحا الطيب أن تنفذ ” الرحمة الإلهية” و أن يتوقف المنّ من الهطول على رأسه كي يبحث عن حيلة “عفسة” جديدة.

من “الإنسان الإقتصادي”، لم يرض بالاعتراف إلا بعملية “الاستهلاك”، فالإنتاج و الاستهلاك بالنسبة للخشن ليسا فعلين متكاملين يعطيان معناً لاقتصادٍ ما. ليس شرطا احدهما للآخر، بل نشاطين لا يربطهما أي شيء، قطبين تم قمع أحدهما على حساب الآخر. كلما تحدث عن العمل، يخلق في عقلك ارتدادات فضولية. لن تدرك من هذه الكلمة فعلا طبيعيا، شرطا للحياة، شيئا تلقائيا ينبع من ذاته، بل مهمة خارقة تحتمت عليه عنوة، مجهود بروميثي الهي، تضحية استحثيناه على تقديمها قربانا للثورة، و هو يعتقد أنه وجد في الإستهلاك الجامح، العوض الذي يخفف شعور النقص لديه. يُظهر الخشن شراسة، فرط استهلاك، عطشا لا يروى، على قدر جوعه و حرمانه الهائل. إلى درجة انه يلتهم كل ما يجد، كل خير يباع حتى مالا يعرفه كحال تلك المرآة العجوز التي رأت طابورا من المصطفين في شارع مايسوني، فأسرعت لتأخذ مكانها قبل أن تستعلم ممن حولها عن الطريقة التي يمكن أن تستعمل  بها هذه “الحبوبات” (يتعلق الأمر بالأناناس)، أو هذا الشغوف بالأبهة الذي يقاطعك في شوارع العاصمة بنموذج سيارة خرجت لتوها من المصنع الأوروبي.

عندما ” يعمل”، أو بالأحرى عندما ” يعاقب أو ينتقم”  (لان كل ما يفعله معوجّ)، يفضل الخشن أن يحيط نفسه بالأسرار، يعلن لك عن طيب خاطر نية، مشروع، عملية، مخطط، لكن كي يعرف ماذا يفعل فذلك من أعجب الأعاجيب .النفسية الاقتصادية التي طوّرها ليس لها مثيل لا في اللاوعي و لا في المتناقضات، نكشف عنها كعملة نادرة، شعارات، أساليب تفكير لا يشك أيّ كان في ضررها و هاهي بعض العينات :

لا يخطأ إلا من لا يعمل“، لقد وجدوا تصريفا لكل من الخطأ، الزلة، الإهمال، اللاإتقان، اللاكافاءة، الإرادة السيئة…الخ. قدّر الخشن إمكانية وقوعها، فوجد لها مكانا في مخططه المحاسبي، و مررها في ” النفقات العامة” و الأسوء من ذلك لقد جعلها كإثبات على الكدّ و الحماسة، و رفعها إلى رتبة معايير العمل..

في وقت كانت الفعالية قاعدة، لم يجد الخشن أفضل من أن يوصي بالإفلاس، بالحقارة، بالسهولة، و التماس الأعذار أيضا. بدل الحث على الصرامة، الجدية، العمل المتقن، عندما كان عليه أن يصبو إلى الأفضل، تفادي العواقب الوخيمة، إلى الكمال الممكن، كان يسعى للتراجع و الهروب خلف اللاّعصمة البشرية: ” لا يخطأ إلا من لا يعمل” كما يفضل الترديد مع إضافة ” العصمة و الكمال لله وحده“، بمعنى آخر:” لم تخطأ أخي سوى لأنك اشتغلت، و إن تكررت أخطاؤك فلأنك تعمل كثيرا…”

أكيد، خلال السنوات الخمس التي تلت استقلال الدولة الجزائرية في 1962، كان من الممكن أن يكون مفهوما إن لم نقل مبررا، أن تُرتكب الأخطاء لأننا لم نكن حينها سوى ” متدربين” غير متعودين على تسيير دواليب اقتصاد عصري. لكن اليوم، و بعد 17 سنة من “التدريب”، صار من الإجحاف الواضح و الخشونة المطلقة استحضار الادعاء بـ” الحق في الخطأ”.

 

من يشتغل في العسل لا يمكنه إلا أن يتذوق منه“. كونوا على ثقة أن هذه المقولة، ليست من تأليفي. لقد تلفظ بها “الرئيس بومدين” مع انتشار ظاهرة اختلاس المال العام في بلدنا. لا أعلم أي تفسير يمكننا أن نستخلص منها أيضا، لكن من جهتي أعتقد أن فيها حث على التهاون، على التساهل، على التسيب أمام الاختلاس:” إذا سرقت يا أخي، يمكننا تفهّم ذلك، أنت عرضة لإغراء من الطبيعي أن تستسلم له “.

أراد أحد وزراء روزفلت يوما، أن يضع نموذجين من رجال السياسة في الميزان: الثوري و الليبرالي، وفي خطوة واثقة، غش في اختياره للرجل الثوري لأسباب نفهمها، لكني لا اعتقد انه كان بعيدا كثيرا عن حقيقة الخشن، إذ قال باختصار:” الثوري هو ذلك الرجل الذي يريد تفجير محطة و توقيف القطارات إلى أن يتم تشيد أخرى، الليبرالي هو من يتمنى بناء محطة أخرى، في الوقت الذي تتواصل الخدمات في المحطة الموجودة“.المشكل هنا ليس في الأداة، في النمط السياسي، لكن في النية الحسنة و الفعالية. لذا، هل النفسية الاقتصادية المذكورة آنفا هي التي علينا أن نأخذها بعين الاعتبار و ليس خاصية الثوري في حد ذاته لان الإنسان الذي يحمل الخشونة ليس بثوري و لا يمكن أن يكون كذلك.

الخشن، حتى و إن كان ليبراليا أصيلا، هو من يصنف لك مثلا الفوضى، التبذير، التبديد..الخ من الشروط التي لا غنى له عنها للتنمية. هو أيضا من يجعل البرنامج السياسي برنامجا مرادفا للفقر المدقع، لعقوبات مستمرة، لانهيار المستوى الفكري و الأخلاقي، وإفسادٌ للأراضي…الخ، هو من يتحدث عن مملكة الحرية، السياسة الواضحة، رفعة الإنسان…، هو من يخلط و يغّلط الغير في ” مكتسبات الثورة”، الذي يعرض عليك مدرسة و لا يقول لك ماذا تُخرّج، و الذي يشير لك إلى كتلة من المباني دون أن يواصل شرحه إلى ما تمثله بالنسبة للطلب و لسعر المتر المربع المبني…ممكن أنه لا يعرف ذلك أو حتى لا يهتم و يستهزأ بذلك. هذا هو المعنى الحقيقي للخشونة، نفسيته الاقتصادية هي التي تخلق هذه الانحرافات، و صفة الثوري لا علاقة لها بذلك رغم عكس ما أراد رجل الدولة الأمريكية أن يوحي به. الاشتراكية لا دخل لها في تشكل الخشونة، هذه الأخيرة سابقة لمجيئها، فالاشتراكية أيضا ضحية لها.

 

هذا هو الجانب الخشن الذي نريد تعريته، الذي علينا جميعا كشفه، نظرا للارتباك الذي قد يحدث إن لم نفعل، الخشونة كتركيبة ذهنية مسيطرة على عدد كبير بيننا يمكن أن تُلحق الضرر بفكرة الاشتراكية و تشوه سمعة الثورية المثالية. لكني لا اعتقد أنها يمكن لها فعل ذلك لأجل غير مسمى:” الثورة في العقول، حسب الميثاق الوطني، لا يمكن فصلها على الثورة في المؤسسات“، و بالتالي إذا تمكنا من تحقيق هذا التحول المزدوج، ستختفي الخشونة فورا من مشهدنا الذهني، السياسي، الاجتماعي و الاقتصادي، لن نسمع الخشن يردد أرقاما مجردة لا معنى لها، بعيدة عن كل معايير و عناصر التقييم بدل أن تترجم من حيث التكاليف الآجال التوقعات، الاستهلاك، المكسب أو الخسارة.

لن نر أبدا ذلك الجاهل الذي يرى في نفسه أعلى درجات الفهم بمجرد تحصيله للدكتوراه في الإقتصاد، يدرس ” نقل التكنولوجيا” على أنها الانتظار في شواطئ ميناء العاصمة  كي توزع علينا السفينة الإلهية و التي فُتحت في وجهها كل الأبواب، الخبرات التقنية و الهندسية. لن نلتقي أبدا، ذلك ” الطماع”، الذي يحمل ملفات ضخمة تحت اليد تغمره السعادة، يصرخ بكل قوة :” الحضارة أصبحت عالمية”، و كله ثقة فيما هو أكثر سذاجة منه، أن النظام الاقتصادي الجديد سيعوضنا قريبا لأننا كنا طويلا غائبين على قضايا العالم.

الخشن اللعين لن يكون له تواضع السياسي الكبير و هو يعي أن:” السياسة السامية ما هي إلا النية الحسنة الموظفة في الأشياء العظيمة”، ليس اسمه ما سنجده في صفحة الجريدة الأولى:” انتحر السيد س نتيجة فشله”. ليس هو الذي من شأنه، و هو المزهو بحياته التي يعتقدها حافلة، أن ينْظّم إلى فرقة “الملامتية” ، هؤلاء الصوفيون الذين يحملون على عاتقهم احتقار الآخرين لهم كتكفير لأخطائهم السابقة.لا فهو أسمى من ذلك، هو بعيد تماما عن هذا الجنون، هو يبدو لك دائما نضر، واثق من نفسه، متجدد، مطمئن، حتى بعد أسوء الفضائح أو الإنهيارات الضخمة، هو لا يرى ذلك، بل أنتم لا تفهمون، من لا تواكبون الوضع، هي له طور فقط، الأمر طبيعي، هي مرحلة ضرورية…

لا يمكن جسّ أغوار و أعماق الخشونة، أضرارها لا تُقدر، حصيلتها كارثية، هي تمسك الكثير بيننا، و لقد قيدتنا طويلا، لكن لابد أن نستأصلها يوما من أرواحنا، من لاوعينا الجماعي  من تصرفاتنا .ما هي أصولها؟ هي تعود لحقبة بعيدة في ماضينا. لقد وقعت علينا كوباء في الفترات المظلمة من الإحتلال، عندما، كي نعارض الاستعمار بكل مشاربه، ركضنا خلف كل الأفعال السلبية الممكنة و التي يمكن تصورها، مع مرور القرون تسلّلت في ذواتنا الأساسية، استقرت بمكر في أسالبينا اليومية، في حركاتنا ، في هتافاتنا، في عادتنا، في ردود الفعل أو التفكير إلى أن أصبحت بدورها احتلالا مشؤوما لنا.

 

سابقا ، كان هناك  ربما عدل كي تكون و تثبت أنك مُنكِر، عدميّ، تتمرد على القانون، على الزي النظامي و” التبعية”، كان  هناك عدل في اعتبار الممتلكات العمومية شيء غريب عنك، عن ميدانك و مصالحك. كان هناك عدالة في أن تكون سريا، متكتما، حذرا، عنيفا، لا يمكن اختزالك، مستقلا عن كل شيء…لكن الآن؟

 

جريدة “المجاهد” 17 أكتوبر 1979

 

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم