الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بين الفكر والسياسة 5 تغيير نظرتنا إلى الآخرين

تغيير نظرتنا إلى الآخرين

بقلم: نور الدين بوكروح

ترجمة: عبد الحميد بن حسان 

إنّ الجنس البشريّ عندما يُنْصِتُ إلى نداء الكون يدرك أنّه كائن آتٍ من أعلى عِليّين، كما أنه يعرف بالفطرة أنّه سيرجع إلى حيث أتى، ورجوعه يكون إمّا بالجسد أو بصورته الذرية الأصلية، وإمّا بالرّوح على الأقلّ. فذلك هو معنى الحياة الروحية: هي نظرة إلى الأعلى، أو إحساس بأنّ الإنسان جزء من محيطه الكوني. وإذا نظرنا إلى القرآن حسب ترتيبه الزمني لوجدناه يضع الإنسان في مجموعة كونية متواصلة  Cosmique Continuum، إذ أنّ الأرض جزء من هذا الكون العظيم الذي ينبض بحياة مجهولة، وهو يسيربقوانين ثابتة : “وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (الذاريات: الترتيب الزمني67، الترتيب الحالي51، الآية47)، “إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا “( فاطر: الترتيب الزمني43، الترتيب الحالي35، الآية41).

إنّ الأديان الثلاثة الكبرى تشهد بوجود ذلك التواصل بين السماء والإنسان: فعند اليهود يعدّ صعودُ الرسولِ إدريسَ (Enoch) شاهدا على ذلك، وفي المسيحية يشهد على ذلك صعودُ المسيحِ، وفي الإسلام نجد قصة الإسراء والمعراج. كما تشهد على ذلك الحكايات الأسطورية لدى الشعوب القديمة (الهنود، و المايا، و الأزتيك، والمصريين القدماء، والأفارقة) والتي تنصّ على وجود اتصالات غريبة أو ملحمية بكائنات آتية من السماء، وهي آلهة أو شياطين أو ملائكة أو كائنات أجنبية عن الأرض. وتلك الحكايات مثّلتْ مادة أولية لظهور نظرية جديدة تسمى”رواد الفضاء القدامى”la théorie des anciens astronautes، وهذا بما تنطوي عليه من عناصر تُقَرِّبُها من المحتمل.

لا وجودَ لميثولوجيا mythologie أو ديانة تنظر بين قدميها بحثا عن الله، ولا إلى أعماق الأرض والمحيطات بحثا عن الأرواح. إنّ كلّ الديانات رفعت أعينها إلى السماء المُرَصَّعَةِ بالنجوم لتُسائلَها في سكون. ذلك أنّ الشمس التي تُدْفئهم توجد في السماء، والمطرَ الذي يُخْصِب الأرض ليأكلوا من ثمارها يأتي من فوقهم. و من هذه الوضعية ظهر علم التنجيم وعلم الفلك ثمّ علم الفضاء حديثا. تلك هي الأعماق الكونية التي يرمقها منظار”هوبل”Hubble الذي تمّ استبداله بمنظار آخر أكثر قوّة وهو”كيبلر”  (Kepler) الذي سيسمح للعلم بالرؤية على بعد ملايير السنوات الضوئية. وقد خُصِّصتْ لهذا المنظار العديد من محطات استقبال والتقاط الأصوات والذبذبات المبهمة الآتية من الفضاء.

ثُمّ إنّ القرآن يضع الإنسان في مجموعة تاريخية متواصلة Continuum Historique تعود إلى الجماعات البشرية الأولى. إننا لا نعرف كلّ شيء عن ماضي الإنسان، وعن الحضارات الإفريقية القديمة والسابقة لكريستوف كولومبوسChristophe Colomb ، والحضارات الهندية والأوروبية، ولا عن بعض الإنجازات العبقرية التي لم يوجد لها تفسير، مثل بناء الأهرامات بأشكال متشابهة في مختلف أصقاع المعمورة، و التماثيل العملاقة التي تتجاوز قدرات الإنسان في زمانها، كتلك الموجودة في جزيرة “باك”   Île de Paquesأو “ستونهنج”Stonehenge  في بريطانيا أو أماكن أخرى في آسيا أو أمريكا وأوروبا.

منذ عشرين سنة تمّ اكتشاف معبد عمره 12000 سنة، أي من العصر الحجريّ، وذلك في “جوباكلي تيبي” Göbekli Tepe، وهي مدينة قريبة من “كوباني” التي ارتفعت شهرتها بفضل مقاومة “الباشمرقا” لـ”داعش”. وقد كان من نتائج هذا الاكتشاف الأركيولوجي إعادة النظر في كل ما كان مُسَلَّماً به بخصوص تطور الإنسان و سيرورة تحوّله إلى كائن اجتماعيّ، إذ يتضح في هذا المقام بالذات أن الثورة الروحية سبقت الثورة التي وقعت في الفترة الممتدة بين عصور ما قبل التاريخ وعصر اكتشاف المعادن (Néolithique)، وهي الفترة التي عُرِفت بأنها الفترة التي بدأ فيها الإنسان بالخروج من الحيوانية.

وأخيرا جاء الإسلام كخاتمة لسلسلة الأديان والنبوءات التي يأتي في مقدمتها “صاحب الحوت” (النبي يونس) إذا قرأنا القرآن حسب ترتيب نزوله الزمني، إذ يشير إلى أن هذا النبي كان من “أهل الصلاح” فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ” (القلم، الترتيب الزمني 2 ،الترتيب الحالي 68 الآيات  48،50) ثمّ تتابع الرّسل الذين نعرفهم وهم : نوح وإبراهيم وصالح ولوط وشعيب وموسى و داوود وسليمان وأيوب وإسحاق ويعقوب وإسماعيل وعيسى. و أغلبية هؤلاء الرسل لم يأتوا بشريعة ولا سُنّة، بل كانت مهمتهم تتوقف عند دعوة أقوامهم إلى التوحيد وإلى الأخلاق الحميدة ومراعاة العدل في الميزان والكيل إذا مارسوا التجارة، وإلى مساعدة الفقراء والبعد عن الإفساد في الأرض. و قد أصيبت الأقوام التي كذبت الرسل أو اضطهدتهم بعذاب من الله كالطوفان أو الزلزال أو الصاعقة أو الإعصار. و كل أشكال العذاب هذه تتماشى مع الفكرة الشائعة حول “ملك الكون”.

وبالإضافة إلى هؤلاء الرسل المعروفين أو غير المذكورين بأسمائهم فإنّ القرآن يشير إلى رجال (مُلهَمين) كان لهم أكبر الأثر في عصورهم بفضل ما أوتوا من الحكمة والحدس الفلسفي، وبفضل اجتهادهم الروحي ومدرسة الفكر التي أسسوها أو الاكتشافات التقنية التي أبدعوها. ويعتبر لقمان الحكيم من بين هؤلاء مع أننا لا نعرف بالضبط متى وأين عاش. فقد خيّره الله بين النبوّة والحكمة فاختار الثانية. يقول تعالى في سورة لقمان: ” وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ” (لقمان، الترتيب الزمني 57، الترتيب الحالي 31، الآية 12).

ومن بين النصائح التي تركها لقمان الحكيم لابنه تلك الواردة في قوله تعالى: ” يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) ” ، ولنا أن نفهم الآيات بمعناها المباشر وغير المباشر. وليس من المستبعد إدراج شخصيات إنسانية كبيرة أخرى ضمن هذه الشريحة، مثل تلك الشخصيات التي ظهرت قبل سقراط (Socrate)، على غرار بوذا (Bouddha) و كونفوشيوس  (Confucius)ولاو تسو    (Lao Tse)وفيثاغورس(Pythagore)، وسقراط ذاته، أو شخصيات أخرى من ثقافات وحضارات أخرى من العصور القديمة. يقول تعالى: ” وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ” (غافر، الترتيب الزمني 60، الترتيب الحالي 40، الآية 78).

إنّ نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام موصوف من بداية الوحي إلى نهايته بأنه “منذر مثل المنذرين الذين سبقوه”. يقول تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ “( سبأ: الترتيب الزمني 58، الترتيب الحالي 34، الآية 28) ويقول أيضا: ” مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ” (فُصّلت: الترتيب الزمني 61، الترتيب الحالي 41، الآية43) . وحتى بعد اعتلائه سدّة الحكم في قومه بالمدينة المنورة بعد الهجرة، بقي محافظا على مكانته كمرسول للناس كافة. إنّ الدين الذي جاء لينشره ما هو إلاّ امتداد لملّة إبراهيم وموسى وعيسى، وهو كذلك دين يتماشى مع التقاليد الدينية السابقة. ولقد ألّف عالِمُ الميتافيزيقا الفرنسي روني غينون René Guénon الذي أسلم في بداية ق 20 تحت اسم عبد الوحيد يحي، ألّف كتبا مدهشة تمكّن فيها من إيجاد قاسم مشترك واحد بين كل أشكال الحياة الروحية وأنماط التصوّف المعروفة وبين الديانات التي تدعو إلى التوحيد، وأدرجها جميعا في إطار واحد سمّاه: “الدين الحنيف” أو الدين الطبيعيّ -الأصلي، البدائي، الفطري – (la tradition primordiale).

إنّ القرآن الكريم لا يعطينا أية معلومات حول الكتب الدينية الأخرى غير تلك المعروفة، لكن بالإمكان إضافة “كتاب إدريس” (le Livre d’Hénoch) الذي عُثِر عليه بين الوثائق التي تمّ اكتشافها في البحرالميّت، كما يمكن إضافة بعض الأناجيل غير المعترف بها في الكنيسة، والنصوص “الآشورية”  assyriensالتي قد تكون التوراة la Thora, partie de la Bible استوحت منها أشياء عند تأليف “كتاب أيوب” le Livre de Job ، والألواح السومرية التي ذكرت قصة  “الجنة”   le jardin d’Edenتسعة قرون قبل ذكرها في العهد القديم l’Ancien Testament ، كما ذكرت خلق الزوج الأول من الطين وإغراء التفاحة و”الخطيئة الأولى” péché originel. وبخصوص إدريس جاء في القرآن الكريم: ” وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) ( مريم: الترتيب الزمني 44، الترتيب الحالي 19). وفي التوراة جاء أنّ إدريس، جد ماتوسالم Mathusalem “أخذه الله إليه فجأة”.

بإمكاننا الاعتقاد بأنّ الله أرسل رسله وأنزل أديانه إلى الناس ليأخذ بأيديهم في الطريق المؤدّية إلى تكوين المجتمعات البشرية الأولى. كان لا بد من إخراج الشرذمات والعشائر التي كانوا يعيشون في ظلها من طور الغريزة، ودعوتهم إلى التحلّي بالأخلاق الحميدة وإلزامهم بنظام سلوكي يقودهم إلى تكوين مجتمع في سبل العلياء التي من أجلها خُلِقوا، أي: أن يصيروا خلفاء الله في الأرض، ومن ثَمّ خلفاءه في الكون. لم تكن هذه الأديان غايات في حدّ ذاتها، بل كانت ممرّاً اضطراريا لتربية الناس و هدايتهم إلى الطريق التي توصِل إلى المحافظة على الكون والارتقاء بالإنسان في مدارج الحياة الاجتماعية والأخلاقية والثقافية كي يصبو إلى الغاية الكونية القصوى التي بدأت تباشيرها بالظهور بفضل العلم والتكنولوجيا.

إنّ الشعوب القديمة التي تمكنت من بناء حضارات هي تلك التي التزمت ـ انطلاقا من هذه الإرهاصات الفكرية ـ بسلوكات موافقة للصالح العام والمشترك وللحياة الإقتصادية والثقافية. إنّ كلّ أشكال الشرك والوثنية والميثولوجيا لم تكن إلاّ نوعا من الجاهلية في مرحلة سادها الجهل والجور والفوضى والجرائم الفظيعة كتلك المتمثلة في وأد البنات في بلاد العرب قبل الإسلام.

إنّ المتأمّل في أولى الآيات بالترتيب الزمني يندهش لعنايتها بالمسائل الاجتماعية، مثل التضامن مع الفقراء ورعاية اليتامى وتحرير الرقاب واحترام المعوّقين. وغَنِيّةٌ عن الذكر قصة عتاب القرآن للرسول (ص) بسبب إعراضه عن مكفوف جاء يسأل مسألة. هذا بالإضافة إلى دعوة تلك الآيات إلى الحرص على العدل في الميزان والكيل. إنّ هذه المسائل تمثل بؤرة العقيدة الإسلامية، وهي تتخلل النص القرآني من البداية إلى النهاية، إذ أن الإيمان لا ينفصل أبدا عن مفهوم الخير.

الإسلام شكل جديد – وأخير – لرسالة شاملة وقديمة ضُيِّعتْ أو حُرّفتْ. يقول تعالى:” وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (يونس، الترتيب الزمني 51، الترتيب الحالي 10، الآية 37). والقرآن الكريم كثيرا ما أكّد ذلك من خلال عشرات، بل مئات الآيات، لكن المسلمين حوّلوه إلى دين قَـبَـليّ، عربيّ، واستنتجوا منه أنهم وحدهم الذين يُجسّدون كلّ ما هو إلهي. هذا مع أنّ الله تعالى لم يقل في القرآن أنّه كرّم المسلم أو المؤمن، بل الإنسانَ دون النظر إلى أصله أو لونه أو ملّته أو جنسه، أي أنّ التكريم يشمل الرجال والنساء في كل زمان وفي كل خليقة. يقول تعالى: ” وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ ” (فاطر: الترتيب الزمني43، الترتيب الحالي 35، الآية 28).

إنّ على المسلمين أن يُغيّروا رؤيتهم إلى الغير. ومَنْ هم الغير؟ هم كل الأشخاص والأفكار و السلوكات والأشياء الأجنبية عن مجالهم الكوني وعن معارفهم التقليدية. إنّ الغير هم أولا إخوانهم في العقيدة: الشيعة بالنسبة للسنة والسنة بالنسبة للشيعة. إنهم المسلمون بالإنتماء الإجتماعي دون التزام بالشعائر، وكذلك اللائكيون والعرب غير المسلمين وأتباع الديانات الأخرى من غير المسلمين في كل أصقاع المعمورة، وربما حتى الكائنات خارج كوكب الأرض، وكلّ أنواع الذكاء التي سيكون علينا أن نلتقي بها في مستقبل قد يكون قريبا أو بعيدا، ذلك أن هذا الكون العجيب وغير المحدود لا يُعقَل أن يكون قد خُلِق لنا وحدنا. هذا دون الحديث عن الفرضيات الواردة فيما يسمى بنظرية الأوتار Théorie des cordes والتي تنطلق من فرضية وجود عوالم أخرى.

كان بإمكان المسلمين أن يكونوا ” خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ” قبل العصر الحديث، وبإمكانهم أن يصيروا كذلك بعده. وهذا ليس بناء على امتياز وراثيّ ولا على تفضيل إلهيّ، لكن بفضل الإتقان في المجالات الثقافية و الإجتماعية و الإقتصادية والتكنولوجية التي برهنوا على تفوّقهم فيها عندما كانوا خير أمّة فعلاً، والتي عليهم اليوم أن يثبتوا جدارتهم فيها إذا أرادوا أن يسترجعوا مكانتهم. و هذا ما لن يتحقق إلاَّ إذا صاروا هم القوة المُحرِّكة للتاريخ، ومثالا لـ “الأصالة والفعّالية” تُجاه الأمم الأخرى. والواقع أنهم بعيدون جداًّ عن هذا لأنّ أقلّية منهم تكفّلت بتدمير صورة المسلمين في عيون بقية الأمم. ولولا البترول لكانوا في المؤخرة في كل المجالات. ذلك أن الإحصائيات المتعلّقة بإنتاجهم الفكريّ ومنتوجهم الفردي الخام PIB و مؤشّر التطوّر البشريّ IDH متوفرة وشاهدة على ذلك، ومثلها هذه الحرب العالمية بين المسلمين والتي هي في بدايتها.

إنّ المسلمين اليوم لا يعُونَ التحوّلات الكبرى التي من خلالها سيدخل العالم مرحلة جديدة – خلال القرن القادم على أقصى تقدير – مرحلة توصف بأنها نمط من الحياة لم يسبق أن عرفته البشرية، تكون فيها القيادة دولية، اتحادية، موحدة، وقد تتخذ شكلا آخر. أمّا المسلمون فلا يبذلون أيّ جهد للبحث عن سبل ووسائل التكيّف مع التطورات التي بدأت إرهاصاتها بالظهور. إنهم على نقيض ذلك، فهم يفعلون كلّ شيء من أجل توحيد العالم ضدّهم. فلقد ظهرت فكرة طرد المسلمين من دول الغرب وإجلائهم جماعيَّا عند الإسلاموفوبيين المُعَادِين للإسلام، والذين ما فتئت صفوفهم تتكاثر حتى أصبحت هذه الفكرة اليوم موضوع نقاش عام، وبإمكانها أن تصير يوما ما برنامجا سياسيًّا.

إنّ رجال الدين في العالم العربيّ يُرهقون أنفسهم من أجل تقديم الإسلام بمفهوم ضيّق في الوقت الذي نحن بأمسّ الحاجة إلى إعادة التفكير فيه من أجل تمكينه من الظهور على حقيقته التي لا يحتمل غيرها. إنهم يعتبرون أنفسهم مقرّبين من الله أو”ورثة الأنبياء”، وهم بهذا يفرضون مشروعا أخلاقيا واجتماعيا تولّدت عنه مجتمعات متحجرة، منغلقة على نفسها، ومعادية لكلّ تغيير. إنّ الأفكار التي يلوكونها بنفس الألفاظ ونفس الصّور منذ قرون قد صارت بمثابة عوائق تحول دون وجود علاقات إنسانية متسامحة وسلميّة، ودون تفتّح الإنسان المسلم في رحاب الحرّيّة، كما صارت تصرف الإنتباه عن العلوم الحقيقية إلى “علم” مزوّر و خاطىء وإلى علاجات مغلوطة. وبتوجيه من رجال الدين هؤلاء صارت أعمال المؤمنين موجّهةً لإعداد الفرد للحياة الأخرى ليفوز بمكان في الجنة. إنّ تفكيرهم وأعمالهم ليست ذات طابع جماعيّ، فكلّ شيء رهن الرغبة الشخصية ورهن رأي الفرد وميله إلى الملك العام أو النزعة الذاتية. إنّ المجتمع غائب عن اهتماماتهم، والدولة أكثر غيابا، ذلك أن الدولة ما هي إلاّ فكرة باهتة عند من يعتبرون أنفسهم مؤمنين أولاً، أي بمثابة إلكترونات حُرَّة. و من كلّ هذا نجم تأخّر معظم الدول العربية الإسلامية وعجزها عن بناء مؤسسات قارّة.

إنّ الخطاب والتعليم الإسلاميين يجب أن يتجنّبا اعتبار الآخرين دوما على خطأ واعتبار المسلمين كائنات ملائكية أو ضحايا مظلومين، وأنّ الآخرين على باطل وهم على حق، وأنّ على الآخرين أن يُقدّموا تنازلات وهم ليس عليهم ذلك. يجب أن نتجنّب اعتبار الأديان الأخرى انحرافات أو أشكالا من الشرك، واعتبار أتباعها حطباً تُحمى به نار جهنم، كما يجب أن نتجنّب اعتبارهم كفارا لا لسبب إلاّ لأنهم يؤمنون بما تعلّموه وتلقّوه. علينا أن نرجع إلى جادّة الصّواب ونرى في الوضع اختلافا أراده الله ولن نفهم سبب ذلك إلاّ بمشيئته. جاء في حديث للرسول  صلى الله عليه وسلم: “لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم و قولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون “.

إنّ هناك جانبا من الحقيقة في كلّ ديانة، وفي كلّ موقف من القداسة، وفي كلّ حدس روحيّ، وفي كلّ إلهام ميتافيزيقيّ، وفي كلّ حكمة، وفي كلّ نظرية فلسفيّة (كالفيثاغورية والسقراطية و الكونفوشيوسية و التاوية…). والكلّ يُشكّل التراث الفلسفيّ والدينيّ الإنسانيّ، والكلُّ حرّ في الإغتراف مما يناسبه ويُعجبه. إنّ الحقائق الجزئية ستتقارب يوما لتُشكّل حقيقة واحدة، حقيقة إلهية وإنسانية في آن واحد. و لهذا فالمسلم يجب ألاّ يعتبر نفسه منفصلا عن شُعب “الدين الحنيف”، وعن وحدة الجنس البشريّ، وعن وحدة مصير الإنسانية. يجب عليه ألاّ يفرض نفسه كمحتكر للحقيقة أو كزبدة للجنس البشريّ، أو أن يرى أنّ الآخرين مصيرهم أن يُقتّلوا بالسيف على أيدي الإرهابيين أو أن يُرْموا في نار جهنم خالدين فيها حسبما يدّعي علماؤهم في وعودهم.

إنّ المسائل التي تنتظر من المسلمين مراجعة وإجابة خالية من اللُّبس هي تلك التي تتعلّق بتنظيم الدّولة والسلطات العموميّة، وهي العلاقات بغير المسلمين، وهي مسائل حقوق الرجل والمرأة. إنّ القانون الدولي، ووثيقة الإعلان عن حقوق الإنسان، ومبدأ التعامل بالمِثْل في العلاقات الدولية، كلُّها لا تقبل بأن يرزح أُناس تحت نير التفرقة بسبب دينهم. على المسلمين أن يتخلّوا، من تلقاء أنفسهم، عن فكرة الدولة الإسلامية لاستبدالها بفكرة الدولة العصرية، الديمقراطية والمدنية، لأنّه لا وجود لدولة مكوّنة من أتباع ديانة واحدة أو من جنس بشريّ واحد. ينبغي أن يقبلوا بفكرة أن يكونوا أقلّيةً في دولة وأغلبيةً في دولة أخرى، وأن يتبنّوا بينهم تنظيما سياسيا عادلاً بين المواطنين الأصليين والمقيمين الشرعيين، كونهم هم أنفسهم يطالبون بذلك عندما يكونون في بلد أجنبيّ. لقد ولّى زمن العصبيات وحلّ محلّه زمن تتعايش فيه الثقافات والأديان في مجتمع واحد.

إنّ من السّهل إيجاد ما ندحض به ما اقترحناه هنا إذا رجعنا إلى القرآن والحديث الشريف. فهناك عدة آيات قرآنية وآثار أخرى تدعو إلى عكس ما ندافع عنه في هذا المقال. وتلك من أكبر معضلات الفكر الإسلامي، إذ بالإمكان تأييد موقف وضده، والحكم على سياسة ما بأنها رشيدة ومعارضتها، وذلك استنادا إلى نفس المصادر. و العلماء يرون في هذا الإختلاف “رحمة” وبركة من السماء، والحقيقة أنّ ذلك ليس إلاّ مصدرا للشقاق والفرقة عندما يتطلب الأمر الإتفاق بالإجماع على تطبيق رأي في مسألة من المسائل الجوهرية. و لو أنّ القرآن فُهِم فهما ظاهريا كما يفعل العلماء في كثير من المواضيع لما تجاوز الإسلام حدود مكة المكرمة بناءً على الآية الكريمة: ” وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ “(الأنعام، الترتيب الزمني 55، الترتيب الحالي6، الآية 92.)

إنّ تغيير نظرتنا إلى غيرنا يتطلّب تغيير نظرتنا إلى أنفسنا أوّلاً. وعندئذٍ تتغير نظرة غيرنا إلينا. فبدون إصلاحات عميقة وصارمة في البنية الفكرية للحضارة الإسلامية القديمة، ستبقى هذه الأخيرة تجترّ القديم إلى قيام الساعة، واثقة بنفسها و بموروثها الفقهي وبما تحمله من حقيقة حول الكون، كما كانت في بداية ظهورها، وهي في حاضرها تعيش على أفكار قديمة إذ أنّ أحدث تلك الأفكار يعود إلى عشرة قرون من الزمن. إنّ السلف كان لهم الفضل في بذل مجهود جبار وإعداد تفسير عجيب في منطقه اعتمادا على مستوى المعرفة في عصرهم. لكنّ هذه المعرفة تغيّرت وجاءت مكانها معرفة جديدة ابتداءً من القرن الماضي على الخصوص، وهو مستوى من المعرفة لم يتولّدْ عنه تفسير جديد يتطلبه عصرنا.

إنّ إصلاح الإسلام يعني تجديد المعرفة والتأويل اللّذيْن بُنِيَ عليهما، ولا بدّ أن تنجرّ عن ذلك تحوّلات في طريقة النظر والتفكير لدى النُّخَبِ الدينية، وفي عقلية الجماهير ومحتوى التعليم: وهذا يدعو إلى العمل على عدّة جبهات، وهو عمل يستلزم عشرات السنين ابتداء من وقت انطلاقه. إنّ مستقبل المسلمين في المحافل الدولية مرهون بكيفية تعاملهم مع مشكلة إصلاح نظرتهم إلى العالم. لقد أصبح لزاما عليهم أن يُغيِّروا أنفسهم بأنفسهم، بعبقريتهم الخاصة، وذلك بالتكيف مع مقتضيات العصر وبواسطة مواردهم الثقافية التي لا تزال نقيّة… وإلاّ فإنهم سيُواجهون ظروفا يصيبهم فيها صغار وخزي من جديد. إنّ عليهم أن يتموقعوا، بمحض إرادتهم، في المجموعة العالمية المتواصلة Continuum Universel  ، قبل أن يوضعوا فيها رغما عنهم أو أن يصيروا تُبَّعا للأمم الأخرى. والله أعلم.

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم