الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بين الفكر والسياسة 5 تغيير نظرتنا لذواتنا: الشعوب والتاريخ
نورالدين بوكروح
بوكروح نورالدين

تغيير نظرتنا لذواتنا: الشعوب والتاريخ

بقلم نور الدين بوكروح

ترجمة عبد الحميد بن حسان 

مَنْ يجِدُّ دوما في طلب الحرية والحياة وحده يستحقّ أنْ ينعم بهما…”جوته.

هناك أيّام في حياة الأمّة أثقل في ميزان التاريخ من قرون عديدة. إنّها الأيام التي تُسطِّر فيها لنفسها أهدافاً أبعد وأكبر من إمكاناتها، وهي الأيام التي تثور فيها ضدّ وضعية تاريخية جائرة، وترمي بنفسها في بحار اللّجّة إنقاذاً لشرفها. إنها الموعد الذي تنتفض فيه الأمّة بعد نكسة تاريخية، وتُحقِّقُ طفرة مُفاجئة تنقلها من حياة الخمود إلى حياة العمل والنشاط، وتسلك طريقها إلى مُستقبل لا تعرف عنه شيئاً، لكنها مُصرّة على بلوغه لأنها تريد أن تخرج من ظروفها المُشينة الشّقية.

ولا مجال لحساب تلك الأيام اعتماداً على الزمن الكرونولوجي، لأنّها لا تُحسَبُ إلاّ بالزمن البيوتاريخي. ولا يعبر عنها بالمدة بل بغناها وكثافتها، ويمكن القول إنّ هذه الأيام هي الوحدة التي نقيس بها المنعرجات التاريخية المصيرية، ونزن بها التوّجهات، ونُقيّمُ بها الإنجازات التي تبقى آثارها على مدى قرون من الزمن. وتلك هي الأيام التي تُعيد الاعتبار للشعوب المُتعثّرة، وهي التي تُعطي دفعا لمسيرتها وتزيدها سرعةً بعد أنْ كانت بطيئة، وتتّجه بها إلى آفاقٍ أجمل. هي الأيام التي توحي لنا بأن هناك “الحس المشترك بالهدف” يقف وراء مسيرة التطور الإنساني، وهو دافع لا يُدركه العقل المحض.

ويُعتبر الفاتح من نوفمبر يوماً من تلك الأيام في تاريخ أمّتنا. إنّه اليوم الذي بدأ فيه وطننا بالخروج من الورطة التاريخية التي زجّ به فيها تزامن بين نوائب الدهر واستهتار أجيال سابقة لم تتحمل مسؤوليتها. الفاتح من نوفمبر هو اليوم الذي قرّر فيه الإنسان الجزائري أن ينزع عن بدنه بذلة العار التي يسمونها (أنديجان) والتي عفّروه بها طيلة أزْيد من قرن، وأن ينزع أسمال المنبوذين التي سلّطوها عليه، وأنْ يستبدل ذلك بالبذلة الزكيّة التي يرتديها الأبطال عند استعدادهم لأعظم التضحيات في سبيل قضيةٍ عادلة وقد عقَدَوا العزم على الدفاع عنها حتى ولو دفعوا أنفسهم ثمناً لها.

كان ذلك اليوم أكثر أيامنا أصالةً، وكان أجملها وأعظمها على مدى تاريخنا منذ عدة قرون. إنه اليوم الذي بُعِثْنا فيه من جديد لندخل باب التاريخ الحديث، وهو اليوم الذي عُدْنا فيه إلى الظهور لنحتلّ مكانتنا بين الشعوب الحُرّة، واسترجعنا فيه التحكم في مصيرنا. هو اليوم الذي تصالحنا فيه مع أنفسنا ومع تاريخنا الذي حدث لنا أنْ اختصمنا معه وفارقناه. وهو يوم “تجديد الرابطة” بين الإنسان والمثل الأعلى، وبين الماضي السّحيق والحاضر. إنه اليوم الذي تسامتْ فيه الأرواح ببطولاتها واتّحدت فيه القلوب بِعُرى الأخوّة. وما نحن إلاّ نتيجة لذاك اليوم العظيم.

بوركتم جميعاً يا أبطال نوفمبر، المعروف منكم والمغمور، فأنتم بحقٍّ آباء لهذه الأمّة التي انبعثت من قبرها، والتي غسلتم وجهها ونقّيتموه من عار الاستعمار إلى الأبد. هل سنكون نحن يوما خير خلف لخير سلف كي نستحق نصيبا من إرث بطولاتكم العظيمة.

إنّ أزْيَد من نصف سُكان الجزائر الحاليين لم يعرفوا الاستعمار. وهذه الكلمة القديمة التي لم تَعد تعني شيئا مفهوما كانت بالنسبة لآبائنا وأجدادنا واقعاً مأساوياًّ، وفظاعة اكْتَوَوْا بها طول حياتهم، وشيئا أشبه بظروف الحياة اللاّإنسانية التي تعيشها اليوم شعوب إفريقيا الجنوبية والتي تُسمّى التمييز العنصري “أبارتايد”. أما النصف الثاني من الجزائريين الذين كانوا من بين” شاقي الطريق أو معبديها”لثورة نوفمبر الخالدة، وخاصة الأحياء منهم، هذا الجيل الذي عايش الفترة الاستعمارية يعرف تمام المعرفة أنّ الشعب الجزائريّ شعبٌ عائدٌ من ماضٍ سحيق.

مَن ذا الذي كان، منذ ثلاثين سنة، يستطيع أن يتكهّن بأن سبع سنوات من الثورة كانت كافية لدخول الجزائر في المحافل الدولية دخولاً مُدْهِشاً وأنْ تسترجع كلّ مُكوّنات سيادتها وكرامتها التاريخية؟ مَنْ ذا الذي كان يتصوّر أن الجزائر ستصير بعد ثلاثين سنة، سنة 1984، أمّةً مُعتزّة بنفسها، تعيش في مظاهر القوة والرّخاء التي نُمتع بها عيوننا في هذا اليوم الأغرّ؟

لم نَكُنْ، قبل ثلاثين سنةً مَضَتْ، موجودين وجوداً إيجابياًّ في التاريخ لأنّنا لم نكن مقٍّررين لمصيرنا، ولا أسياداً على أرضنا. لم نكُنْ موجودين بالمعنى الألماني الذي يُعبّرُ عن الفعل “وُجِدَ exister” في اللغة الفرنسية بكلمتين بينهما اختلاف يُهمّنا نحن الجزائريين. الأولى هي “dasein” التي تُعبّر عن المصير الذي يُسلّط علينا، وعن الاستسلام. فوجود الإنسان بهذا المعنى وجود في الزمان لكن بطريقة عفوية وخارج أيّ قانون، وكأنه مُعطى من المُعطيات البسيطة. والثانية هي “existenz” التي تُعبّر عن الحيوية، والدّفع البروميثي. والإنسان بهذا المعنى موجود كفاعل لا كموضوع، كقائد لتوجّهاته، وكمُحقِّقٍ لتاريخه. أمّا كلمة التاريخ هنا فيجب أن تؤخذ بمعناها الأصيل الذي يعني “الأشياء المُنجزة”.

ونخْلُصُ مِنْ كُلِّ هذا إلى أنّ الحياة التي نعيشها اليوم ليست هي حياتنا في كلّ الأزمنة الماضية. فحاضرنا ليس استمراراً لماضٍ يشبهه. كما نخلُصُ إلى أنّ ثورة نوفمبر أحدثت تغييراً جذرياًّ في تاريخنا المُعاصر. هذه الثورة كانت هي اللحظة التي قرّر فيها شعبنا مُمَثَّلاً في نخبته الوطنية التي راحت تتّسع كلّ يوم تحت لواء جبهة التحرير وجيشها المجيديْن، قرّر أنْ يُحقّق الخلاص الأكبر مهما يكن الثمن، وهذا من أجل إنجاح حركة المُقاومة التي طال اضطرابُها، لكنّها لم تتوقّف منذ سنة 1830. كانت هي اللحظة التي دوّى في ضميرنا نداء جاءنا من نظرية جوته في الوجود: “لطالما لم تفهم نداء “مُتْ وحقق مصيرك!”، فأنت لست إلاّ ضيفاً مغموراً على هذه الأرض المُظلِمة…”. جوته.

لكن، لماذا كان من المحتوم أن تجري الأمور على هذا الشكل في حياة الناس؟ إنّ جيل الاستقلال، وخاصة مِنْهم مَنْ كان خارجاً مِنْ طور الطفولة، يتمنّون أن يفهموا هذه التفاصيل المُميِّزة الدقيقة لكنها ذات نتائج خطيرة، يريدون أن يفهموا هذه التّحوُّلات الجذريّة في حياة الشعوب، ويفهموا لماذا يجب أن نموت أحياناً لكي نتغيّر نحو الأحسن.

يجب أن يكون الإنسان مُستعداًّ للإجابة عن أسئلة مطروحة بسذاجة، وهو يُشاهد التلفاز، أو وهو خارجٌ من المدرسة بعد حضور درس في التاريخ، أو وهو مُسافر في الخارج. ومِن تلك الأسئلة: لماذا كل هذا العدد من الشهداء (مليون ونصف)؟ ماذا تعني الثورة؟ وماذا يعني الاستقلال؟ لماذا استُعمِرْنا؟ لماذا جاءت فرنسا إلى بلادنا؟ ماذا فعلنا بها كي تفعل بنا ذلك؟ لماذا يُقال عنّا إنّنا بلد ضعيف وفقير ومُتأخِّر؟ إنّ الطفل لا يطرح في العادة هذه الأسئلة بهذه الطريقة، لكن فضوله يُلفتُ انتباهنا بقدر أهمية هذه الأسئلة. وقد حصل لي أن سمعت طفلاً في السادسة من عمره يسأل أباه حول أسباب الوجود الفرنسيّ في الجزائر بعد أن شاهد حصة تلفزيونية حول الأحداث الكبرى في ثورتنا. ما السبب في هذا؟ وما السبب في ذلك؟

كُنّا نُريد أنْ نُمجّد بلادنا وثورتنا أمام أبنائنا فوجدنا أنفسنا مُطالبين بتفسير مشاكل كبرى. لكن الواضح أن تبنّي فكرة بنفسك لنفسك أيسر من تبليغها لغيرك أو إقناع شخص لم يعش ما عشته أنت. إنّ مثل هذه التساؤلات ستشحذنا وستدفع بنا إلى تعميق تفكيرنا حول معنى العالم، وتسلسل الأحداث والأسباب، وأسلوب حياة الشعوب في خضم الزمن، وحول أدائنا في التاريخ العالميّ، وحول عواطف الناس، والمصالح الضيقة عند بعض الأمم…لابد علينا أن نفهم نحن أولا ونقدم أجوبة منطقية حتى نتمكن بعدها من نقلها وبالتالي توعية الضمائر البريئة المتسائلة بشكل صحي وذكي.

ولا بُدّ من ترجمة القواعد والمبادىء العامة المتحكمة في مصائر الشعوب في التاريخ إلى لغةٍ بسيطة، تلك القواعد التي تجعل أمّةً تنتقل من العظمة إلى الانحطاط أو مِن الانحطاط إلى أعلى قمم الشموخ، وتتحوّل من “مُجمّع مَرَضيٍّ” إلى “نواة للإمكانات”، ومن قانون الأنديجانا إلى روح نوفمبر…

إنّ التاريخ التأريخي بسيط، لا يطرح أي مشكل ولا يخلق أية مُضايقة لأنّ الأحداث فيه تأتي مُشتّتة. فهو يُروى ويُقرأ للمُتعة، وهو مليء بالأحداث الطّريفة. لكن هذا الزخم من “الأشياء المُنجزة” أو التي سُلّطتْ تسليطاً، وتأويلها العام، وقراءتها من خلال نافذة الزمن مهمّة أصعب من مجرد الرواية والقراءة، وهي موضوع لكثير من القلق. إنها على كل حالٍ ضرورية ليس من أجل معرفة الماضي فحسب، بل وكذلك من أجل فهم الحاضر والتأثير في المستقبل وفي مصائر الناس وفي كلّ أفعالهم المستقبلية. وهذه المشاكل هي التي تُشكّل مادةً لِما يُسمّى بفلسفة التاريخ.

إنّ الشعب الجزائريّفي صورته الذهنية الحالية شعبٌ لم يعُدْ به نزوع إلى العمل الجزئي، بل صار مياّلاً إلى عظائم الأعمال. إنه يشعر بالحاجة إلى التسامي والارتفاع إلى مصاف عالم الألفية الثالثة. لا يريد أن يبقى تبعاً للأمم المتقدّمة، إذ هو يتوق إلى التخلّص من التبعية الاقتصادية، ومن الفقر والتأخر وكلّ ما له صلة بالانحطاط والإفلاس الشامل والاستعمار… فلا بُدّ من إعطائه الدفع الحيويّ اللازم لكلّ ذلك.

والتاريخ القائم على المواعظ ليس تاريخاً صحيحاً، فلهذا العلم قواعد صلبة مثل الحديد، ونظريات صارمة، والنتائج فيه إمّا أن تكون صحيحة وإلاّ فهي خاطئة. والشعوب ذات الشأو البعيد، والتي يستمرّ وجودها الفعّال في التاريخ زمناً طويلاً، هي الشعوبُ التي تُلْزِمُ نفسها بتوجّهات مُعيّنة، والتي تسير على ضوء القاعدة القائلة: “لنكُن واقعيين، ولْنَسْعَ إلى تحقيق المستحيل”. لكن هذا الطلب يجب أن يُوجِّهَه الإنسان إلى ذاته، وإلى أرضه، وإلى وقته، ولا يوجهه إلى هيئة الأمم أو إلى المساعدات الدولية.

إنّ شعوباً كهذه تعرف التّمييز بين الهدف البسيط من جهة ومخطط التنمية والمهام التاريخية الكبرى من جهةٍ أخرى. فالهدف قد يتمثل في تأسيس مدارس، أو مُضاعفة أعداد أسواق الفلاح، أو تدشين مكان للتخزين ( !) على يد وزير. أمّا المهمّة التاريخية فتتمثل في استصلاح الأرض الصحراوية، أو تشييد مدن جديدة في الهضاب العليا، واستكشاف الجنوب، كما فعل الأمريكان في استكشافهم لغرب القارة الأمريكية. المهمّة التاريخية هي خلق ثقافة عالية، وهي تجنيد الشبيبة في إطار مشاريع ذات النفس الطويل، وهي بروز عبقرية وطنية أصيلة. والأهداف ليست إلاّ مراحل جزئية ونقاط إشارية موضوعة في مسار إنجاز الأمة لرسالتها في الأرض. وإذا كان للهدف غاية في حدّ ذاتها، فإنّ المهمّة التاريخية لا تخضع لعامل الزمن لأنها أبدية.

ولقد ذكر رئيس الجمهورية مراراً ذلك الصّراع المرير بين الأمم القوية والأمم الضعيفة، وأكّد على ضرورة أنْ نصير أُمّة قوية لأنّ مَنْ كان ضعيفا فمصيره الفناء. وهذا هو معنى “الاعتماد على النفس” لأنّ الحظّ لا وجود له في حياة الأمم. والأمة القويّة تنبني عل قيم مثل قيم نوفمبر، أيّ: روح الإيثار، وروح القدوة الحسنة، وروح التفاني، والعدل، والمساواة… وبوّابة التاريخ لا تنفتح لِمن بيده قفّة وفي وجهه أمارات المستهلكين الكبار، فلا مكانللاتكال ولا حتى بعدها للندم.

والشعوب لا تموت في التاريخ موتاً طبيعياًّ، بل إنّها تنتحر. وليس انتحار أمّة موتاً فيسيولوجياًّ بسبب كارثة طبيعية أو حرب أو هجرة السكان، بل هو تحلّل الروح الاجتماعية الذي يمس الأعماق، والذي يُمزّق “الرابطة” النفسية بين الأفراد، ويُفتّتُ الجماعة البشرية ويُشتتها ويجعل منها قبائل وعشائر وأفراداً مُستقلاّ بعضهم عن الآخر.

عندما بدأتْ الحضارة اليونانية تحتضر بعد حروب داخلية مثل حرب البيلوبوناز، وبعد ارتكاب جرائم مثل إدانة الفيلسوف سقراط، فإنّ الفيلسوف لوكراسLucrèce لم يرَ في ذلك خروجا لليونان من التاريخ، إذ لم يَعُد هناك أيّ مُسوِّغٍ لبقائها فيه، بل رأى في ذلك انهياراً كاملاً للطبيعة والكون بأسره. فقد اعتبر هذا الانتحار بمثابة “شيخوخة كونية شاملة”. وللعلم فإنّ لوكراس يحتل عند اليونان المكانة التي يحتلها ابن خلدون عندنا، مع ملاحظة أنأحكام ابن خلدونأكثر صوابا ولديه بُعد النظرأكبر. فهو شاهد على انحطاط الحضارة اليونانية وعلى انتحارها التاريخي. وإذا كان ابن خلدون يعي أنّ الحضارة الإسلامية وصلت إلى قمة هرمها، وإذا كانت أعماله قمّة شامخة في فلسفة التاريخ، فإنّ عبقريته جاءت مُتأخرة. فلقد أسدل الانحطاط ستائره على بلاد المغرب، ولم يعد مجيء الاستعمار إلاّ مسألة وقت وظرف مناسب… فكيف ستكون الجزائر بعد ثلاثين سنة، في عام 2014 من الألفية الثالثة؟

لا أحد بإمكانه أن يجيب عن مثل هذا السؤال طبعاً، لكننا إذا كُنّا نعرف قوانين التاريخ الحديدية ونظريات الحياة العملية يمكننا أن نُجازف ببعض التكهنات حول أهمّ الشؤون… هل يمكننا أن نكون خير خلف لخير سلف كي نكون في مستوى التضحيات الجسام التي قدّمها مُجاهدونا، ونحتلّ مكانتنا من بين أولئك الخارجين عن فئة المُعذبين في الأرض أو الفقراء في هذا الكون الشاسع.

 

 

( 01 نوفمبر 1984« Algérie-Actualité »)

 

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم