الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 تونس: معضلة العائدين من بؤر التوتر

تونس: معضلة العائدين من بؤر التوتر

خليفة ركيبي

وزارة الداخلية التونسية كشفت عن رقم ليس بالهين، 800 تونسي عادوا من ساحات الحرب من سوريا والعراق (و غيرهما ) وهم في نظر الحكومة التونسية ووفقا للقانون إرهابيون يجب ان يطبق عليهم قانون العقوبات التونسي  بالرغم من المعارضة الشديدة للأحزاب التونسية  لاستقبالهم و التي طالبت بإسقاط الجنسية التونسية عنهم . في الحقيقة ، تونس تواجه معضلة معقدة تماما كالتي واجهتها مصر و الجزائر مع العائدين من أفغانستان ، لكن تونس تود ان تحاكم من يجب ان يخضع للمساءلة القانونية وان تراقب استخباراتيا وامنيا من يجب ان يخضع لهذه المراقبة و في كلتي الحالتين ، تونس ستتعامل بالمنطق العقابي- الأمني مع مشكلة جذورها ليست امنية و لا قضائية  بالرغم من ان الوسيلة القانونية متفق عليها  لما يقتضيه مبدأ  “دولة القانون و سيادته” إلا انه لا يمكن ان ينجح دون توفر شروط “المحاكمة العادلة” لمن قاتل مع اي تنظيم ارهابي مسلح و هنا المشكلة الأساسية ، هل سيتم توفير هذه الشروط ام لا. اما  المراقبة الامنية ايضا لها حدودها بالرغم من أنها “مستحبة” لأنها وقائية و ستمكن اجهزة الامن من  استباق اي محاولة لاعتداء ارهابي يطال تونس و  لكن تماما مثل شروط المحاكمة العادلة ، هل ستكون الرقابة الامنية خاضعة لشروط قانونية و قضائية حتى لا تتهم أجهزة الأمن التونسية بأنها تخرق الحريات الفردية وترجع إلى عهد “القمع الأمني” بدلا من أن تكون أجهزة لإنفاذ و تطبيق القانون .

اذن  تونس اليوم اما معضلة  لا تكمن فقط في الاستراتيجية المتبعة بل في كيفية تطبيقها . لكن يمكن التعامل معهم وفق سلم درجة الخطورة . لا يجب ان ننسى ان هؤلاء يشكلون خزانا معلوماتيا و معرفيا ليس بالبسيط الذي يمكن الاجهزة الامنية التونسية من الالمام و التعرف بدقة على المسار الذي اخذوه بدءا من التعبئة الفكرية و الدينية ثم الانضمام و القتال و اخيرا العودة . نعود إلى درجة الخطورة ، إذ يمكن تقسم هذه الفئة بحسب درجة خطورتها الى 3 أقسام على  السلم ، الدرجة الأعلى خطورة و هم الافراد الذين يشكلون خطرا داهما إلى الأمن القومي، وهؤلاء يجب ان يخضعوا الى المحاكمة وفقا للقانون و هم على الأغلب “المقاتلون الفعليون” في جبهات القتال و لكن قسم منهم قد يستغل و يمكن ان “يُستثمر” كمتعاون مع الأجهزة الامنية . القسم الثاني  ينتمي الى الدرجة الوسطية و هؤلاء على الاغلب لم يكونوا مقاتلين بل “تابعين”  أي مكلفين بالأعمال الثانوية جون ان عني ذلك أنهم شاركوا فعليا وعملياتيا في القتال و هؤلاء ايضا على الاغلب يمكن ان يوضعوا تحت الاقامة الجبرية او بالسوار الالكتروني لمراقبتهم مراقبة اكثر فعالية  لكنهم ايضا يمكن ان يستغلوا في “العمل الاستخباراتي” كمتعاقدين مع الأجهزة الامنية بمقابل التخفيف من الظروف المشددة و العقوبة في حالة ادانتهم قضائيا و هم بذلك سيستغلوا ويستثمروا خدمة للصالح العام و قد يعيدهم هذا الاجراء مرة اخرى إلى أحضان المجتمع وأن يعوا أنهم ليس بالمنبوذين بل يمكن ان ينالوا العقاب و ان يرجعوا كما كانوا مواطنين تونسيين مما سيقوي من انتمائهم لبلدهم و مجتمعهم و لن يدفعهم هذا الى مزيد من التطرف و اعتبار “تونس” العدو الأقرب كما هو متعارف عليه في الادبيات الجهادية للتنظيمات المسلحة التكفيرية .القسم الثالث و هو القسم الأقل خطورة ، و هم “المغرر بهم” دون أن يكون لهم دور يذكر في بؤر التوتر سوى المشاهدة و التفرج و دون ان يساهموا في اراقة الدماء بشكل مباشر بل هم اقرب إلى  فكرة “القطيع” الذي يتأثر بالخطاب المتطرف و يخوض التجربة ،هؤلاء افضل ان أطلق عليهم تسمية “المغامرين” الذين يبحثون على كل ما يثير شهوتهم و نزعتهم الانسانية نحو كل ما هو غير عادي ،غير طبيعي او مناقض لقيم المجتمع و هم في الأغلب “متمردون” على سلطة معينة ايا كان مصدرها (أبوية ،أسرية ، سياسية ، إدارية ،قبلية ….الخ) و هذا القسم يمكن “ترويضه” بجعله  إما أن يحاكم بعقوبة “الخدمة العامة ” للمجتمع (و هي مجموعة من الساعات التي يقضيها المحكوم  لتأدية خدمة عامة معينة يحددها القاضي) مما سيقربهم أكثر فأكثر من المجتمع الذي رفضوه و رفضهم ، كما سيغذي أيضا عندهم الشعور  بالانتماء تدريجيا ، كما أن قسما منهم يمكن أن يستغل في محاربة التطرف بإرسالهم إلى المدارس و الثانويات و الجامعات و السجون لتقديم تجربتهم امام العامة  للاستفادة منهم ، والتصالح معهم بشكل غير مباشر ، و يمكن أن تتحول هذه “المراجعة الفكرية” إلى أداة تستخدمها الدولة التونسية للوقاية من الافكار الهدامة و ايضا كوسيلة لرصد بؤر التطرف المحتملة في الاماكن التي سيرسلون اليها .

قد تكون هذه أفكارا اولية قابلة للنقاش و النقد لمواجهة المعضلة ، معضلة “العائدين” من بؤر التوتر في تونس لكنها لن تكون ايجابية أو فعالة إلا إذا وضعت الدولة التونسية نصب اعينها استراتيجية متكاملة و شاملة لمواجهة الارهاب ليس فقط على المستوى العملياتي بل على المستوى الفكري و لكن لن يتحقق ذلك دون نظرة عميقة لأسباب التحاق هؤلاء المغرر بهم بساحات القتال ، ومعرفة الأسباب الموضوعية وراء ذلك ،وهذا لن يتأتى إلا ببرنامج بحثي اكاديمي على نطاق واسع ، تضعه الوزارات المعنية و توفر له كل الوسائل العلمية والبشرية والمادية اللازمة التي ستمكن من دراسة الظاهرة دراسة بحثية و نقدية عميقة و جريئة بعيدا عن الاطر الفكرية الجامدة و الأفكار المسبقة ، أي أخيرا انه يجب على التجربة التونسية ان تستعين بالعلم كحل وسطي بين المقاربة القانونية و المقاربة الامنية و عندئذ لن تكرر اخطاء جيرانها في الثمانينات من القرن الماضي .

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم