الرئيسية 5 اتصال 5 ثورة نوفمبر 54 ثورة القيم التي ترجمت مبادئ الإنسانية وقبول الأخر
الأمير عبد القادر الجزائري

ثورة نوفمبر 54 ثورة القيم التي ترجمت مبادئ الإنسانية وقبول الأخر

*لم تستهدف أماكن العبادة غير الإسلامية ولم تقسم الشعب على أساس إيديولوجي 

قلم: عبد المجيد بن جدو

لا يختلف فيه اثنان في كون الثورة التحريرية المجيدة  هي واحدة من أعظم الثورات في تاريخ البشرية  ,عظمة استمدتها من  احترامها حتى لإنسانية العدو ، وهو الامر نفسه بالنسبة للمقاومات الشعبية التي سبقتها ، حيث لم تخل الثورة يوما بأخلاقيات المقاومة من أجل الاستقلال، حيث لم يعرف عنها استهدافها لأماكن العبادة من الديانات غير الإسلامية رغم كثرتها خلال حقبة الاستعمار الفرنسي مجسدة في ذلك أصالة وقيم الشعب الجزائري في قبول الآخر والعيش معا في سلام وإشعاع المثل العليا لقيم التسامح والحوار  وهو الأمر الذي انعكس  إيجابا على الثورة وعلى الجزائر بعد الاستقلال  داخليا وخارجيا التي حققت العديد من الإنجازات انطلاقا بيان نوفمبر 1954 .

لم تكن مبادئ العيش معا في سلام التي أقرتها هيئة الأمم المتحدة يوما عالميا في 16 ماي من كل سنة بدءا من 2018 بمبادرة من الجزائر ، وليدة اليوم في المجتمع الجزائري، بل لها جذور ضاربة في التاريخ الوطني القديم ، وذلك بدءا بالمقاومات الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي , وأحسن دليل على ذلك هو الأمير عبد القادر الذي تعتبره البشرية أول مؤسس للقانون الدولي الإنساني الذي أعطى دروسا للعالم في أنسنه الحروب تجلت في  احترامه لحقوق المدنيين أثناء الحروب، ومعاملته الإنسانية لأسرى الحرب، ودفاعه عن حقوق الأقلية المسيحية في سوريا سنة 1860، إضافة إلى معاملاته الدبلوماسية مع الحكام الأوروبيين،  حيث اعتبر الأمير أن حماية حقوق الإنسان مسؤولية كل قائد، وهي مبادئ سامية استقاها الأمير من تعاليم الدين الإسلامي والثقافة الجزائرية المعتدلة والسمحة ، وبهدا يبقى الأمير عبد القادر حسبما صرح به المؤرخ لحسن زغيدي لـ الجزائر اليوم  أسمى قائد انساني عرفته البشرية على مر التاريخ من خلال المبادئ الإنسانية  التي كان يجسدها وهو في قمة المقاومة مع الاستعمار الفرنسي، وهو بذلك لقن ولايزال يلقن أعرق الديمقراطيات العالمية مبادئ حقوق الإنسان .

 

إنسانية الثورة الجزائرية صنعت الفارق مع  الثورات الأخرى

كانت الثورة التحريرية ولاتزال نبراسا لأي مشروع وطني وذلك بالنظر إلى قيمة وحجم تضحيات  تلك الملحمة التاريخية العظيمة وكذا لاعلائها ونصرتها للقيم الإنسانية النبيلة المكرسة لأسمى معاني الحرية والعدل وحقوق الإنسان ، ويرى الدكتور زغيدي أن دستور الثورة الجزائرية المتمثل  في بيان أول نوفمبر 1954 ترجم المعاني السامية للإنسانية قبل اندلاع الثورة ، حيث عكست هذه الوثيقة حسب المتحدث الثقافة والوعي الكبيرين للقيم الحضارية والمبادئ الإنسانية  لكاتبي البيان ، ومن حكمة البيان أنه لم يقسم الشعب الجزائري على أساس عرقي او ديني أو أيديولوجي وعبر البيان عن انفتاح الثورة لكافة العناصر الوطنية وكل فئات الشعب الجزائري من أجل تحقيق  المشروع الوطني الهادف الى الاستقلال وبناء الدولة الوطنية .

 

الثورة التحريرية اتسعت لكافة الديانات وقدست حرمة دور العبادة   

كما يعتبر المؤرخ زغيدي في حديثه لـ الجزائر اليوم ، ان الثورة التحريرية تعتبر الثورة الوحيدة في العالم التي قدست أماكن العبادة من غير الديانة الإسلامية التي كان يعتنقها الغالبية العظمى من الشعب الجزائري، فهي بعكس الثورات الأخرى لم يستهدف أي كنسية أو أماكن العبادة اليهودية التي كانت منشرة بكثرة خلال الحقبة الاستعمارية بالجزائر بعكس الاستعمار الفرنسي الذي حول المئات من المساجد والزوايا الى كنائس وادارات استعمارية وعسكرية ، كما أعطت قيادة الثورة –يضيف المتحدث– أوامر للثوار بعدم تنفيذ حكم الإعدام امام المساجد او دور العبادة أو أمام المليء، وعدم استهداف رجال الدين من المسيحين واليهود ، وهي مبادئ وقيم إنسانية انعكست إيجابا على الثورة التحريرية التي وجدت تأييد دولي في ظرف زمني وجيز  حتى من قبل الكنيسية الكاثوليكية وتجلى في تعاطف العشرات من الأباء البيض مع الثورة التحريرية , حيث وعلى سبيل المثال التزام الكاردينال دوفال رئيس أساقفة الجزائر أنذاك  شخصيا  بالدفاع عن القضية الجزائرية وكان يستنكر علنا التعذيب الذي كانت تمارسه القوات الاستعمارية ضد الجزائريين ونادى صراحة بحق الجزائريين في تقرير مصيرهم سنة  1956، وهو الموقف الذي دفع بقادة الثورة الى الإشادة بموقف الكنسية الكاثوليكية تجاه القضية الجزائرية في مؤتمر الصومام 20 اوت 1956 .

مجموعة الستة

كما ساهمت القيم الإنسانية السامية للثورة الجزائرية حسب نفس المؤرخ في انضمام العديد من الشخصيات الأوربية والفرنسية اليها من ديانات مسيحية ويهودية وتيارات سياسية مختلفة، على غرار  المناضل موريس أودان الذي اغتالته قوات  الجنرال ماسو في  11 جوان 1957 الى جانب هنري مايو الذي استشهد سنة 1957 وكذا المناضل فرنان ايفتون الذي حكم عليها فرنسا الاستعمارية بالاعدام كما دفعت القيم الإنسانية للثورة وقبول الأخر الى تأسيس مايعرف  شبكة الفيلسوف الفرنسي فرانسيس جونسون  او حملة حقائب الثورة التحريرية التي كانت توفر المأوى لمناضلي جبهة التحرير الوطني و تنظمهم  داخل نقابات اليسار حتى أصبح أعضاء هذه الشبكة أنفسهم مطلوبين لدى العدالة الفرنسية و تمت محاكمتهم في 5 سبتمبر 1960 بتهمة الخيانة العظمى , وهي المحاكمة التي شكلت فضاء أخر لتدويل القضية الجزائرية .

وخلص المؤرخ زغيدي الى التأكيد على أن المؤرخين المهتمين بمجال احترام حقوق الانسان في الحروب يجزمون على ان سر انتصار الثورة الجزائرية على الجيش الفرنسي الاستعماري المدعوم بحلفائه يكمن في ارتباط هذه الثورة من بمبادئ وأهداف ودلالات وقيم  حضارية إنسانية نصت عليها أهم المواثيق والإعلانات العالمية التي تدعو إلى نبذ الاستعباد وترسيخ قيم المساواة  واحترام الأخر ولقنت بذلك فرنسا الاستعمارية التي نصبت نفسها، وصيا للقيم درسا في مجال الرقي بالقيم الإنسانية السمحاء.

كنيسة السيدة الافريقية بالعاصمة الجزائر

المبادئ السامية للثورة مستمرة باستمرار شموخ الجزائر

ولم تتوقف الثورة الجزائرية بمبادئها الإنسانية السامية على تحقيق الاستقلال فقط بل ساهمت مثلها العليا وقيمها الحاملة للمحبة التسامح والتضامن والحوار على بناء الفرد الجزائري كما شكلت هذه المبادئ أساس كل المشاريع الوطنية مابعد الاستقلال في جويلية 1962  وفي تجاوز المحن والصعاب والأمثلة في هذا السياق كثيرة منها ما حققته مشاريع الوئام المدني ثم المصالحة الوطنية  اللذان أرسهما الرئيس المجاهد عبد العزيز بوتفليقة في 1999 و2005 في حقن لدماء الجزائريين والحفاظ على وحدتهم، وكذلك  قانون الشعائر الدينية الصادر في سنة 2006 والمستمد من روح الدستور الجزائري هو الآخر ترجم بصدق المبادئ السامية للثورة التحريرية في احترامها للأخر و الديانات من خلال تنصيصهما على حرية المعتقد بالجزائر .

الرئيس عبد العزيز بوتفليقة

وفي هذا السياق أوضح رئيس المجلس الإسلامي الأعلى ان الجزائر التي تستمد كيانها من الثورة التحريرية تعتبر دولة نموذجية في حرية ممارسة الشعائر الدينية مؤكدا في تصريح لـ الجزائر اليوم أن قانون تنظيم الشعائر الدينية لغير المسلمين الصادر سنة 2006 ، يعتبر من أكبر الضمانات القانونية التي توفرها الدولة الجزائرية لممارسة طبيعية للشعائر الدينية لغير المسلمين، وهو القانون الذي يستند على أدبيات الفقه الإسلامي ومقاصد الشريعة وتقاليد وأعراف المجتمع الجزائري المعروف بتسامحه واحترامه لشعائر غير المسلمين، ويأخذ القانون أيضا في الاعتبار كل المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تنص على حرية العبادة، باعتبارها حق من حقوق الإنسان الذي تضمنها الدستور مبرزا ان العديد من المراسلات لشخصيات دينية عالمية اعتبرت الجزائر  نموذجا يقتدى به في مجال صون الحريات الدينية , وأبرز في نفس السياق ان كل  يتم تداوله من تقارير بخصوص ممارسة الشعائر الدينية بالجزائر  تندرج في إطار الحملات الإعلامية التي تستهدف الجزائر للنيل من استقرارها، دون ان تكون لهذه التقارير أدلة واضحة على زعمها، وفي الغالب فإن التناقض والغموض وعدم الدقة هو ميزة هذه التقارير مستدلا بإحصاء الجزائر لعديد من أماكن الديانة والجمعيات غير الإسلامية .

وفي نفس السياق أكد أسقف الجزائر بول ديفارج على عدم وجود أي مشكل في حرية ممارسة الشعائر الدينية في الجزائر التي يكفلها و يضمنها القانون الجزائري .

وفي الأخير يمكن القول ان تبني المجموعة الدولية لمبادرة اليوم العالمي للعيش معا في سلام هو اعتراف بجهود الجزائر تحت قيادة رئيس الجمهورية  السيد عبد العزيز بوتفليقة  في غرس قيم  السلام والأمن والإنسانية التي كرستها مشاريعه والمستمدة من روح بيان نوفمبر 1954 بدءا من  المصالحة الوطنية والوئام المدني وصولا إلى ترسيم اللغة الأمازيغية واعتبار يناير يوما وطنيا بالإضافة الى جهود حثيثة لنصرة السلام العالمي حيث لم تتوقف الجزائر  إلى يومنا عن إظهار تشبثها الشديد بالقيم الانسانية السامية، ومبادئ حقوق الانسان التي رسختها ثورة نوفمبر المجيدة ، في كل مناسبة لاسيما ماتعلق بنصرة القضايا العادلة ي العالم، والدفاع عن الحقوق والحريات وقيم العدل والمساواة، ورفض الاضطهاد كما تنص عليه مواثيق الشرعية الدولية .

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم