الرئيسية 5 الرئيسية 5 جواب السيد نورالدين بوكروح على اللواء علي غديري

جواب السيد نورالدين بوكروح على اللواء علي غديري

سيادة اللواء،
لقد قرأت بفرح وسرور أفسدهما عليّ القليل من الأسف، جوابك على مقالي الذي أَردتُ لهُ أن يلفت انتباه المسئولين السامين الحاليين والسابقين في الجيش الوطني الشعبي، بعد ما عشناه خلال الشهر المنصرم من أحداث بالغة الخطورة. لم أكن لأجد ما أضيفه زيادة على ما كتبته أنت بذلك الأسلوب الجميل رفيع المستوى لو لم تستوقفني سوى بعض النقاط التي أود اقتراحها حتى يتسنى لك تصحيح النظرة التي ألقيتها على ما أردت أنا الوصول إليه في مقالي.
نبرة الأسف التي أتحدث عنها تملكتني منذ السطور الأولى لمقالك، حيث اكتشفت أن رسالتي وصلت إلى عنوان خاطئ، وأن مقالك الجميل بأكمله قد بني على سوء تفاهم. إذ أنك حينما كتبت بأنك تجيبني ” بصفتك واحدا من هذا وذاك المسئولين السابقين”، قد وضعت نفسك ضمن المجموعة التي كنت أقصدها، بينما في الواقع يعلم العام والخاص أنك لست واحدا منهم. اطمأن إذا يا سيادة اللواء فأنت بريء ممن قصدتهم براءة الذئب من دم يعقوب، وابتهج فشرفك مصان لا غبار عليه، كما لا يمكن لأحد أن يدعي محاسبتك.
أنا لم أقصد في مقالي متقاعدي الجيش الوطني الشعبي، وذلك مهما كانت رتبهم، بل قصدت الحفنة الصغيرة من مسؤولي الجيش السامين السابقين التي أتت بالرئيس الحالي، والذي لم يعد يريد الذهاب مهما كلف بقائه للبلاد من أزمات. هذا وقد كتبت أيضا أنك تعتبر بأن ” عليك الإجابة على بعض النقاط التي تخصك برسم الصفة التي تحملها”، لكنك لم توضح لنا ما هي هذه الصفة، ولا ما هو جوابك حقيقةً على تلك النقاط.
وأسهبت أيضا بعد بضعة سطور كاتبا ما أجده معاكسا لما قلته من قبل: ” أما في ما يخص الجيش فكنت أحبذ ألا أتكلم عنه، فيوجد في الجيش من يمارس الوصاية عليه “، وهذا ما أعتبره اعترافا صريحا منك بأنك لست واحدا من أولئك “الوصاة” على الجيش. ثم تابعت بعد ذلك في ما أعتبره نوعا من “تغيير الوقائع”، الذي حتما ارتكبته عن غير قصد، بقولك ” للجيش من يمارس الوصاية عليه، و هؤلاء تفاديت جيدا أن تقسو عليهم مفضلا الهجوم على “السابقين””.
بكل بساطة كان يكفي يا سيادة اللواء أن تتابع قراءة مقالي لتجد أن ما كتبته هو عكس ذلك تماما. فقد ذكرت بالاسم نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش حين أعبت عليه عدم ملائمة التصريحات التي أدلى بها في الأيام الأخيرة. هل يوجد من هو أعلى منه في الجيش يا سيادة اللواء؟ رئيس الجمهورية ؟ لقد أخذ هو أيضا أكثر من نصيبه في هذا المقال وفي آخرين قبله. وهاهي الفقرات التي لا أدري كيف تغاضيت عنها:
” حيث عندما أتحدث عن هذه المؤسسة العزيزة على قلوب كل الجزائريين وهو ملكهم وإرثهم المشترك، بما فيهم أنا الذي خدمته بكل فخر واعتزاز مدة 27 شهرا في إطار الخدمة الوطنية، فإنني أقصد قياداتها العليا وليس مجمل قواتها الأرضية والجوية والبحرية بجنودها وضباطها وهياكلها وعتادها وفرق المخابرات التابعة. لا يمكننا القول بأن جيشنا صامت بما أنه يعبر عن رأيه بانتظام عبر افتتاحيات مجلته الرسمية “الجيش”، أو شفويا عندما يتحدث قائد الأركان باسمه في مناسبة أو أخرى، وهو يمثله رسميا، كما فعل مؤخرا اللواء قايد صالح من قسنطينة للتذكير بأن الجيش الجزائري “جيش جمهوري”. لكن “هْنا يختلفوا العلماء” جنرال!
لكن في واقع الأمر، لقد تحول الجيش الجزائري بقيادة اللواء قايد صالح إلى جيش الرئيس ووزير الدفاع الذي غير الدستور عدة مرات خلال عهداته الأربع ليخيطه على مقاسه بل وليلتصق بجلده كما بعض ملابس الرياضيين والفنانين.
ما معنى أن نقر بالولاء للجمهورية حين نعلم أن هذه “البيعة” ليست “للشعب السيد” بل لرجل مخفي، لا ينطق ولا يتحدث ونعلم أنه مريض مقعد، منقوص القدرات الجسدية والفكرية. عندما تحولت أركان الجيش بين الفينة والأخرى، بعد سلسلة من القرارات، الساعد المسلح والمهدِدِ الذي يحتمي وراءه نظام محتضر يحكم البلاد، بل ضيع البلاد بأن أفرغ الدولة من محتواها ودورها، وجعل منها كيانا لا يسير شؤون البلاد ولا يضمن سلامة الشعب والتراب. والكل يرى بأم عينيه أنها دولة هائمة على وجهها في القفار؟
أعلن مؤخرا قائد الأركان وهو يبدي علامات رضا بالنفس ذكرتني بصدام حسين بأن جيشنا من بين أقوى الجيوش في العالم. هنا أيضا “يخْتلفوا العلماء” جنرال!
وأنا أستند في قولي عما يقول به العلم الحربي العالمي، واستند على تجارب آخر الحروب في العالم لكي أقول أن جيشا لا يستند إلى اقتصاد وتكنولوجيا مستقلة وفعالة، ولا ينتج العتاد العصري المستعمل اليوم، بل يشتريه من غيره، وبأن جيشا لا يملك صناعة قادرة على صنع الأسلحة التقليدية والاستراتيجية على غرار الصين وروسيا والهند وكوريا الشمالية، دون الحديث عن بلدان الغرب واليابان، إن جيشا كهذا لا ولن يصلح سوى أن يضرب شعبا ضعيفا ومستضعفا لكي ينقسم ظهره أمام مستبد صغير لا يعدو يتجاوز استبداده ساحة دوار صغير أو سمالة”

يبدو واضحا إذا أنك لم تكن على صواب حين كتبت عني: ” إن الهجوم بشراسة على “السابقين” أسهل من مهاجمة “أسياد الوقت الحالي”. أين الشرف و أين الشجاعة في ذلك إذا، وأنت تحاسب “السابقين على فقدانهم إليهما؟ “. لم أفهم كذلك كيف غاب عنك أيضا ما كتبته في نفس المقال عن المحاكمة التي جرتني إليها وزارة الدفاع الوطني في 1991. ألم يكن أولئك “أسياد ذلك الوقت”؟
هل تعرف الكثير ممن بلغت بهم “الجرأة” أن يقولوا ما قلته أنا كتابيا و ليس بالهمس في الآذان فقط ؟ وأنت بنفسك، هل جربت فعل ذلك؟ أتريد المزيد من الأدلة على ما قلته عن “أسياد الوقت الحالي” في إطار ظروف أخرى؟ ستجدها في العديد من المقالات الأخرى، لا سيما ذاك الذي صدر في جريدة ” Le Soir d’Algérie » بتاريخ 10 جوان 2015 تحت عنوان (و يا للصدفة) ” ألم نعد سوى جبناء؟ “:
” لو كان قايد صالح مجرد “شومبيط” مكلف باستتباب هدوء القيلولة في دواره، لما اكترث أحد برسالة المبايعة التي أرسلها مؤخرا إلى عمار سعداني الذي يعتبر آخر “بنادم” في الجزائر يستحق أن يوضع على رأس الآفالان، حتى و هو كما هو اليوم ملطخ و راكع تحت سنوات من الخنوع، لأن هذه الحروف الثلاثة لا تزال تمثل الرمز الذي استشهد من أجله مليون و نصف من الشهداء. لكن المشكلة أن ذاتَ القايد صالح يحمل رتبة فريق، و يمارس وظيفة قائد أركان الجيش الشعبي الوطني، و يتبوأ منصب نائب وزير الدفاع الوطني. و بسبب هذه الصفات الثلاث، لم يكن من حقه أن يوجه رسالة كالتي وجهها إلى من فُرضَ بالقوة على رأس الأفالان، و لا إلى أي كان في حزب آخر. و بما أن “الحق” ليس في صفه، فلم يبق له إلّا “الدوس على الحق”، كمبرر لهذه المبادرة التي لم يسبق لها مثيل منذ 1989، سنة انسحاب الجيش رسميا من الحياة السياسية.
فلمن يمكننا إذا أن نشكو هذا التعدي الصارخ على الأخلاق العامة والحق و الديمقراطية و مصلحة البلاد معا؟ إلى الله؟ يجب علينا أن ننتظر يوم القيامة لنعرف ما سيقرره. إلى الجيش ؟ لكن قايد صالح هو الجيش، و هذا الأخير “في غاية الانضباط” على حد قوله. إلى “القاضي الأول في البلاد” إذا؟ لكن هذا الأخير هو المهندس الأول لكل المؤامرات التي تحاك ضد الأخلاق العامة، الحق، الديمقراطية و مصلحة البلاد، ناهيك أن المشتكى منه هو في نفس الوقت مساعده المكلف ب “العصا”.
بما أنه لا يمكننا انتظار شيء من الله في الوقت الحالي، وأن الجيش سيبقى صامتا أمام التعدي على الأخلاق العامة والحق و الديمقراطية و مصلحة البلاد، و أن “القاضي الأول” ليس ملاذا بل المصدر الأساسي للمشاكل، لا يبقى لنا إلا حل وحيد و ملاذ أخير هو نحن، الشعب، الذي كما ينص عليه الدستور الحالي، هو “صاحب السيادة الوطنية”…”
هل يكفيك هذا كدليل على الشجاعة؟ إن لم يكف يمكنني أن أعود وإياك إلى1998 و قضية “بتشين” التي كلفتني الاعتقال والاستجواب طيلة يومين في المحافظة المركزية للشرطة. أنت كنت آنذاك في منصب يجعلك تعرف جيدا أن بتشين كان في أوج قوته حينها. هذا وأود أن أضيف هنا أنه، و بالرغم مما حصل في الواقع، إلا أن التاريخ سجل بأني أنا الذي كنت السبب، و هو ما استغربه و أعترض عليه، في “سقوطه” لمجرد أني كتبت بعض المقالات في الصحف
يمكن أن أعود بك كذلك إلى سنوات الثمانينيات حين كتبت في مقال “اشتراكية البقرة الحلوب” الصادر ب “الجزائر الأحداث Algerie-Actualité” لـ 10 أكتوبر 1985:
مما لا يمكن إنكاره أو إخفاؤه، في الخارج و إلى وقت قريب، لا يتحدثون عن “جزائر جبهة التحرير” بل عن “جزائر الكولونال”.هو أكيد أسلوب لاستفزاز الجزائريين، و تشبيههم بالعديد من الدول الإفريقية حبيسةُ قدر الانقلابات. لكن من جهة أخرى لان حزب جبهة التحرير لم يظهر إلا كإطار نظري، كظل شبح، و كأنه “وزارة الكلام الفارغ” التي تُكلف بمهام غير حقيقية كقيادة حملة التشجير أو المشاركة المناسباتية كديكور في حملة انتخابات بلدية.
و كتبت في مقالك أيضا، دائما في سياق رغبتك بإلصاق صورة الجبن أو الإنتهازية بي: ” كلنا مسئولون أمام التاريخ لأننا قبلنا، من باب أن السكوت علامة القبول”. لا يا سيادة اللواء، أنا لم أقبل و قلت لا، أو بالأحرى كتبت ” لاااااا ” . قلتها منذ 1971، و كتاباتي التي تشهد على هذا منشورة على صفحتي بالفايسبوك. يمكنك الاطلاع عليها هناك و ستفاجأ بما ستجده داخلها.
إليك إذا بعض من “البراهين” التي أتمنى أنها ستطلعك على حقيقتي أكثر مما يمكن أن تفعل الشائعات و أنصاف المعلومات:
( 1في جريدة المجاهد ليوم 15 أفريل 1981، نشرت مقال” الجزائري ووجهة العالم” ، أين شجبت الأنظمة المستبدة بهذه الكلمات:
” إنّ الشعوب المنعتقة من الاستعمار، وبعد مرور فرحة سنوات الاستقلال الأولى واصطدامها بواقع يزداد تعقيدا في كل عام، هذه الشعوب لم تعُدْ تتحمل هذا (الحق الإلهي ) الذي يحظى به حكامهم والذي يسمح لهم بسوء التسيير، فقد انتبهت الشعوب إلى أنّ الأشخاص لا قيمة لهم، وأنه من الضروري إيجاد مؤسسات لا تفنى بفناء الأحداث أو الرجال… وبما أنّ هذه الشعوب قد اكتوتْ بنار تجربة عبادة الأشخاص، والمهدي المنتظر، والرئاسة مدى الحياة، وليقينها الآن بأن الرئيس يمكن أن يكون مجرّد شيطان أو حرامي حقير، ولاقتناعها بأن قيمة الشعب تقلّ كُلّما عُظِّمَ الشخص الواحد، لذلك كله انبرت بالقضاء على هؤلاء القادة المزيّفين الواحد تلو الآخر: بدءاً بالشاه ومروراً بـ سموزا، وانتهاءً بـ بوكاسا”
ربما يذكرك هذا الكلام بشيء من واقعنا اليوم؟ هذا أكيد، رغم أن هذا المقال يعود إلى 36 سنة مضت

2) في “الجزائر الأحداث” ليوم 04 أكتوبر 1984، نشرت مقال “مثلث برمودا الجزائري” الذي جاء فيه:
” سيأتي يوم لن يبقى لنا فيه ما نقوله، لن نجد وصفا مناسبا لما نحسه من توجّس وخيبة، ولن يجد أيّ منّا ما يُعاتب به غيره، وستكون الكلمة الأخيرة لقوة الكُمون التي ستأتي على آخر طاقاتنا… ولقد مرّت بلادنا على مرحلة هذيان كان لها بالغ التأثير في تصوّراتنا الذهنية للأشياء.
ولا زالت بعض تلك الآثار إلى يومنا. فلقد كنا نتخيّل في تلك الفترة أننا صرنا بروسيا في حوض البحر المتوسط، وكنا نعتقد أنّ الرفاهية ستتحقق في نهاية المخطط الخماسي الثاني ببعض البراميل من البترول. أما الاستقلال الوطني فكان لكل واحد منّا استقلاله.
وهكذا رحنا ننفخ عباءاتنا ونقنع أنفسنا بالأوهام حتى انزلقنا في هاوية جنون العظمة. وبهذا انتهى بنا الأمر إلى إقحام أنفسنا (لا شعوريا؟ )في دروب الفساد، ونشأ نوع من العقد الضمني بين الميول الأبيقورية الشائعة لدى بعض كبار المسؤولين وبين الزيغ الفرويدي الشائع عند كثير من المحكومين، وبمقتضى ذلك العقد يتمّ تقاسم الثروة الوطنية حسب أسلوب الاستحواذ الذي يتبنّاه كل طرف. وكان ذلك أشبه شيء بالنهب المُنسّق. لكنْ، حذارِ ! مهلاً ! فنحن كثيرا ما نميل إلى ربط الفساد بالمال وإلى حصر نظرتنا في (الكبار).
وفي هذا خطأ لأنّنا نتجاهل أو ننسى أنّ أخطر أنواع الفساد هو فساد العقل، ذلك الفساد الذي يُذيبُ الشأن العام، ويقضي على روح التمدّن، وعلى الضمير الوطني. فالضمير الوطني يبقى ويستمر رغم أنّ المال لا يطرح أي مشكل. وبالإضافة إلى هذا فإنّ فساد المواطن البسيط ليس أقلّ ضرراً، بل بالعكس، لأن فساد المواطن البسيط يتغلغل في كلّ مكان ويمسّ كلّ شيء، ويُشوّه أبسط العلاقات الاجتماعية في كلّ المجالات.
ذلك أنه إذا كان هؤلاء الكبار قد استغلوا مواقعهم ضمن تسيير الشؤون الكبرى في جمع الثروة، فإنّ كثيرا من (الصّغار) لم يترددوا في الاستيلاء على كلّ ما وصلتْ إليه أيديهم: فهذه فوائد غير مُستَحقّة، وتلك رواتب فوق التأهيل والمردود، أوعمليات مالية احتيالية، أو تزوير بكلّ الأصناف…
وهكذا حُوّل رأسمال كثير من المؤسسات إلى البطون، بل إنّ الأثاث نفسه كاد أنْ يُلتهم. ولهذا فإنّه ليس من الحكمة أن ننحاز إلى طرف على حساب طرفٍ آخر، والمسؤولية يتقاسمها الكبار والصغار على قدم المساواة. ومِنْ جهةٍ أخرى فإنّ تحميل المسؤولية للطرفين بهذا الشكل قد يؤدي إلى الوقوع في شباك لغة الخشب.
ويعني ذلك أنّ تحديد الطرف المُدان لا يكون بالاختيار بين النظام ورجاله من جهة ـ هذا إذا جاز أن نُفرّق بينهما ـ وبين المظاهر الخارجية من جهة أخرى  « إنّ تأثير الأشخاص كان بالغاً في شؤون وطننا على كل الأصعدة.
وإنّ أفدح خطإٍ ارتُكِبَ في هذا البلد من الناحية العملية هو تجاهل مُسلّمةٍ أساسية في حياة الأمم، وهي: أنّ المبادىء أقدس من حياة شخصٍ أو مجموعة من الأشخاص. فإذا أعطيت الأحروية لشخصية الأفراد وحدها، وهي في الأصل لا تُعطى إلاّ للمبادىء والقيم والأفكار والقوانين، فلا شيء يمنع من أن يصطبغ النظام كلّه بطابع أولئك الأشخاص، بما يرتكبونه من أخطاء..
. وما يُشيّدُ على مثل هذه الالتباسات هو أسرع شيء للانهيار. أما الأمم التي تُسْنِدُ مصائرها للمبادىء والقوانين فهي أمم باقية وخالدة ”
3) في 01 نوفمبر 1984، احتفلت الجزائر ببذخ ربما يمكنك أن تتذكره بالذكرى الثلاثين لاندلاع الثورة. في هذا اليوم أيضا صدر عني مقال عنوانه “الشعب و التاريخ” على صفحات “الجزائر الأحداث”، حاولت فيه أن أخفف بعضا من الحماس المفرط الذي انتابنا آنذاك، و اقترحت عليك و على الجزائريين أن نضرب موعدا في جزائر… 2014. فقد كتبت حينها:
ماذا سيكون حال الجزائر خلال ثلاثين سنة؟ سنة 2014 من الألفية الثالثة؟ من المؤكد أن لا أحد يمكنه الإجابة على سؤال كهذا، لكن لو عرفنا القواعد الصلبة و نظريات الحياة النشطة في التاريخ، يمككنا المجازفة قليلا و التصريح على الأقل بما هو أساسي…
هل سنستحق التضحيات النبيلة لشهدائنا و مجاهدينا، أم سنظهر في تلكم اللحظات من بين الملعونين في الأرض أو المحرومين من فضاء ما بين المجرات”
هاهي المفاجأة الربانية الموعودة بين عينيك اليوم يا سيادة اللواء: العهدة الرابعة و نتائجها.

4) في مقال “واجب الأحياء” الصادر في 06 ديسمبر 1984 على “الجزائر الأحداث” أيضا، عدت إلى موضوع الاستبداد:
”  ما أكثر الملايين من الأرواح البشرية التي أزهقت وضُحّي بها على معبد الخطأ بأيدي قادة أخطؤوا في فن الحكم أو قيادة الثورات الاجتماعية، فراحوا يُثخنون شعوبهم ضربا بالسيوف. وللأسف فإن عهد (الزعماء) و(القادة) و (آباء الأوطان) لم ينته بعدُ على هذه الأرض التي لا زلنا نرى فيها أشخاصا مغرورين وهم يستعدون لإقحام شعوبهم في مغامرات كالتي عرفها الشعب المصري أو الغيني أو الشيلي .”
سيادة اللواء، إن النظرة التي تحملها عني خاطئة وآمل أن تصححها، ليس لأني أحتاج لذلك، فأنا معتاد على مثل هذا، و لكن لتتمكن، إن قررت أن توجه لي إجابات أخرى في المستقبل، أن توثق جيدا هذه الأخيرة. فأنا شخصيا “ضربت المثل”، كما أوصت بذلك مقولة ألبير كاميAlbert Camusالتي ختمت بها مقالك، و إنما لم يكن في بلادي أحد آنذاك ليفهمني، ناهيك أن يحذو أحدهم حذوي أو يمشي على خطاي. و هذا الكلام يبقى صحيحا حتى في وقتنا هذا
أما الفقرة التي بدأتها ب: “نحن مسئولون جميعا أمام التاريخ…” فلم أستطع مواصلة قرائتها قبل أن أود مقاطعتك حالا لأبرهن لك أنك في هذا أيضا مخطأ، لكن هذه المرة فيما يخص شخصي أنا. فأنت تعترف أنك “قبلت”، و هذا اعتراف يشرفك، لكن من فضلك لا تقحمني مع هذا ال “جميعا”، لأن مكاني ليس داخله. مشكلة التعميم هذه وجدتها في كامل مقالك يا سيادة اللواء، فأنت تضع نفسك في موقع لم يضعك فيه أحد، و تضع الآخرين في مواقع ليسو فيها.
الآن يمكن أن أكمل فقرتك: “… مسئولون أمام التاريخ لقبولنا أن استحواذ أقلية على هويتنا الوطنية، و جماعة من الأصوليين المتوحشين على ديننا، و لجيل واحد على تاريخنا…” هل تريد أن أريك أمثلة عن مئات المرات التي تكلمت فيها و كتبت عما أسميته “العصبيات”، و التي عرّفتها على وجه التحديد بالاستحواذ و…الخ، و ذلك منذ 1989؟ إذا كان يوجد في الجزائر من يزعم أنه وصفها كما وصفتها أنا، و أنت أولهم، فليتقدم و يجهر بذلك.
بقي موضوع آخر فتحته في مقالك و لكنني لن أتطرق إليه اليوم، و هو مشاركتي في “الحكومة”، و التي أتمنى أنك تعرف جيدا بأنها تختلف عن “السلطة”. هذا لأن هذا الموضوع سيتطلب مني أن أملأ صفحات و صفحات من هذه الجريدة. لقد سبق لي و تحدثت عن نبذات منه على صفحتي في الفايسبوك منذ 2011، أو مجيبا على الأسئلة التي يطرحها علي أصدقاء ذات الصفحة الذين وعدتهم بأني سأتكلم في ذلك يوما ما. أضن الآن أن هذا اليوم قد اقترب.
الذين توجهت إليهم في مقالي الأخير يا سيادة اللواء هم القادة العسكريون “أصحاب القرار السياسي” و ليس كل الجنرالات، و أنت تعرف أن هؤلاء يعدون على أصابع اليد الواحدة. أنا شخصيا عرفت واحدا منهم فقط، كان أهم واحد فيهم و هو مذكور في ذات المقال. هو أيضا قرأ ما قرأته أنت، وليكن في علمك أيضا أنه سمع مني شخصيا أكثر مما قرأته. فماذا نفعل الآن؟
مع فائق احترامي

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم