الرئيسية 5 الجزائر 5 حوار نور الدين بوكروح مع هيرالد تريبين الأمريكية. American Herald Tribune 

حوار نور الدين بوكروح مع هيرالد تريبين الأمريكية. American Herald Tribune 

 

ترجمة : عبد الحميد بن حسان

 

إنّ كتابكم المَوْسُوم: “الإسلام بدون إسلاموية: حياة مالك بن نبي وفكره” يُعَدُّ كتاباً مستجيبا لحاجة مَنْ أراد أن يفهم الإسلام والإسلاموية، وهو ضروري لذلك أيضاً. فهل يمكن اعتبار الإسلاموية نفياً للإسلام في نظركم؟

في وقتٍ مضى، أي مِن القرن 18 إلى القرن 20، كانت هاتان الكلمتان تُحيلان في اللغات الأوروبية على معنى واحد، وهو الديانة الإسلامية.

أمّا في اللغة العربية فإنّ كلمة (إسلاموية) لم تكن موجودة لغياب سبب وجودها، ولم تظهر إلاّ حديثا قياساً على مثل كلمة (أصولية)، أو (سلفية: وهي أرثودكسية مشتقة خاصة من المذهب الحنبلي الذي هو أشدّ المذاهب الفقهية السُّنّيّة تشدّداً). و(إسلاموية) كلمة تتكون من حروف أصلية هي (إسلام) مُضافاً إليها صيغة النسبة (وي) للدلالة على ما يقابلها في الفرنسية (isme)، وهي تعني التسلّط والتفوّق والاستبداد بكلّ شيء…

والحقيقة أنّ هناك إشكالية مطروحة بخصوص الإجماع على مصطلح واحد، لكن المسلمين انتهوا إلى الإقرار بحقيقة الفرق بين المصطلحين لمّا بدؤوا يُحسّون بوجود تيارٍ دينيٍّ سياسيّ بين ظَهْرَانِيهِمْ يسعى إلى حصر الإسلام في عالمه الخاص، وإلى حبسه في رسالته وتاريخه الأصليين، إلى درجة إحالته إلى ديانة شبه قبَليّة مركزُها شبه الجزيرة العربية. ومنذ ذلك الحين راحوا يبحثون عن أسلوب لعزل هذا التيار عن الإسلام التاريخي، أي الإسلام الذي جاء به القرآن والذي كان بالأساس متفتّحاً، مُستنيراً، متسامحاً ومُنشغلاً بتحقيق الخير للجنس البشريّ.

وانطلاقاً من هنا يمكن بالفعل أن نستنتج أنّ الإسلاموية التي تريد أنْ تضع الإسلام في مواجهة مع بقية العالم، ومع الثقافات والحضارات والأديان الأخرى، والتي تَرفض إسهامات البشرية في مجال العلوم وفي مجال التسيير الديمقراطيّ للبلدان، هذه الإسلاموية ما هي إلاّ نقيضٌ لروح القرآن.

وقد اخترتُ هذا العنوان الشامل لكتابي حول المفكر الجزائريّ مالك بن نبي (1905-1973) لكي أحدد موقعه منذ البدء في إطار الفكر الإسلاميّ المعاصر الذي يشمل كلّ الذين كتبوا حول الإسلام، سواء أكانوا مع الإسلام أو مع خصمه الأول، أي الإسلاموية التي تُمثّلها اليوم (داعش) في أفظع صورها.

إنّ مالك بن نبي هو ذلك الرجل الذي كان يَستشهِد في مؤلفاته الأولى الصادرة في الأربعينيات بكتاب وندل ويلكي Wendell Wilkie (1892-1944) الذي عنوانه : “العالم واحد”، وهو الذي شرع منذ أول عهده بالكتابة في وضع مصير الإسلام في إطار عولمة العالم والاقتصاد والمعرفة والقيم الإنسانية.

ما السّرّ في غياب الفكر النّقدي في العالم الإسلاميّ؟

إذا استثنينا عصور الانحطاط وعصور الاحتلال الأجنبي التي ساد فيها صمتٌ جنائزي، فإنّ تاريخ الإسلام تخلّله ظهور عقول نيّرة بأعداد قليلة وفي مختلف أرجاء البلاد الإسلامية، كانت لها الشجاعة الكافية لمواجهة تشدد الأرثودكسية الدينية، ودعتْ إلى “إعادة فتح باب الاجتهاد”، وبتعبير آخر إلى فسح المجال لروح النّقد فيما يتعلّق بالتفكير في شؤون الإسلام وحالته الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وفي آفاق عودته إلى حركية التاريخ.

وكان لهؤلاء الرّجال فضلٌ في الحفاظ على شعلة حرية الفكر في زمن المعتزلة (القرن 8- 13م)، والحفاظ على روح النقد في عصر ابن خلدون (القرن 8هـ الموافق للقرن 14م)، وعلى التجديد والنهضة بين القرنين 18 و 20م، إلى يومنا الحاضر الذي يشهد تلك التيارات التي تسمى بالتيارات التنويرية والقرآنية (وهي تهتم بالبحث في الدّوال الأساسية في القرآن بعيداً عن التفسير التقليدي) والتي أعتبر نفسي منتمياً إليها.

وفي بداية هذه الألفية الثالثة، وبفضل شبكات التواصل الاجتماعي، صار الوضع مناسباً لتظافر الجهود الفكرية التي تظهر في البلاد العربية الإسلامية، ولمُضاعفتها من أجل الوصول إلى تشكّل تيار فكريّ مُهيكل، تماماً مثل المجاري المائية والوديان والأنهار عندما تلتقي في تيار واحد.

قال لنا أحد رجال الثقافة الأمريكان، وهو الدكتور كيفن باريت Kevin Barrett، في مقابلة صحفية حديثة العهد، أنّ مالك بن نبي كان أحد المفكّرين الرّئيسيين في النهضة الإسلامية. فما رأيكم في هذا التصريح، بوصفكم أشهر تلاميذه، وبكونكم أكثر الكُتّاب تناولاً لفكره في العالم، وبحوزتكم مذكرات بن نبي الخاصة ومخطوطاته ومؤلفاته غير المنشورة، والتي استلمتموها من عائلته وورثته؟

كُنْتُ أعرف منذ السابق اثنين من رجال الثقافة الأمريكان، هما: البروفيسور آلان كريستلو Allan Christellow الذي شرّفني بتحرير مقدمة كتابي “الإسلام بدون إسلاموية”، والقس ديفيد جونستون David Johnston. ولقد عرّفْتُ أحدهما بالآخر عن طريق المراسلة.

ومِن الصُّدَف العجيبة أنّ كُلاًّ منهما كان قد اكتشف مالك بن نبي صُدفةً، لكن ذلك كان بواسطتي: فالبروفيسور كريستلو تمّ له ذلك بشراء مجلة في سنة 1972 كُنْتُ نشرْتُ فيها مُقتطفات من فكر مالك بن نبي، أمّا القسّ جونستون فكان ذلك بعد أن اشترى كتاباً لمالك بن نبي سنة 1976 كُنْتُ نشرتُه مشفوعاً بمقدمة وبعض الملاحظات من تحريري.

أمّا فيما يخصني، فقد اكتشفْتُ كتابات كريستلو سنة 1992، وتعرّفت على رجل الكنيسة الجامعي جونستون سنة 2003 في الجزائر العاصمة. وبعد عام من ذلك أرسل لي هذا الأخير نسخةً من العرض الذي قدّمه في الندوة السنوية التي تنظمها الأكاديمية الدينية الأمريكية (American Academy of religion)، وكان العرض تحت عنوان: “الحدود الواهية بين الحركات الإصلاحية والإسلاموية: فكر مالك بن نبي ورشيد غنوشي حول الحضارة”. (Les frontières indistinctes entre les mouvement réformiste et islamiste : les pensées de Malek Bennabi et de Rachid Ghennouchi sur la civilisation). والحقيقة أنّ الغنوشي الذي تعرّفتُ عليه في الجزائر العاصمة في بداية التسعينيات قد استوحى أفكاره كُلَّها حول الحضارة من بن نبي، وهو يُصرِّح بذلك علناً.

وكمْ تمنّيتُ لو أنّ الدكتور كيفن باريت اهتمّ بما نشره الدكتور كريستلو مِنْ كتابات! فسيجد فيها تأكيداً للحكم الذي صاغه حول بن نبي الذي كان قد قام بجولة من المُحاضرات في الولايات المتّحدة عاما واحداً قبل وفاته. ومِنْ بين الأعمال التي قام بها آلان كريستلو يمكن أن أذكر: ” مالك بن نبي: مُسلمٌ بنزعة إنسانية” (Un humaniste musulman : Malek Bennabi) مقال صادر عن مجلة (The Maghreb revew) سنة 1992، و ” مالك بن نبي والحدود الثقافية في عصر العولمة ” (Malek Bennabi et les frontières culturelles de l’ère globale) خلال أشغال الندوة الدولية حول فكر مالك بن نبي بالجزائر في أكتوبر 2003، وكذا: ” مالك بن نبي ونظريتان أنجليزيتان حول العولمة: نموذج أرنولد توينبي Arnold Toynbee وويندل ويلكي Wendell Wilkie” (Malek Bennabi et deux visions mondiales anglophones : le cas de Arnold Toynbee et Wendell Wilkie) في سبتمبر 2005.

ويمكن أن أضيف إلى تصريح الدكتور باريت أنّ خصوصيّة مالك بن نبي لا تنحصر في “النهضة الإسلامية”. فهو مِنْ بين مُفكري العالم الإسلامي في كل العصور، الوحيد الذي استبعد إمكانية قيام نهضة في العالم الإسلامي بمعزل عن باقي العالم، أو باعتبار ذلك العالم الإسلامي جماعة روحية، إنسانية ، ثقافية، سياسية أو اقتصادية منفردة. فالنهضة في نظره لن تقوم إلاّ باندماج المسلمين في ديناميكية تاريخية لم تَرَ النّور بعدُ، أي في مسار اندماج إنسانيّ على جميع المستويات، بما في ذلك الجانب الروحيّ والفكري والثقافي. وهذه الجوانب تتميز بصعوبة تحقيق الإدماج فيها قياساً بالإدماج الجغرافيّ والاقتصاديّ والسياسيّ. وهذا هو الوجه الذي لم يستوعبه أحدٌ في فكر هذا الرّجُل، وهو ما حاولتُ أنْ أشرحه في كتابي المذكور.

أليس بن نبي ذلك المفكّر الذي استعصى فهمُه في كل العصور؟ أليس هو ذلك المفكر ذو النظرة الاستشرافية، والذي كان سابقاً لزمانه؟ ولماذا يُفضّلُ الجزائريون (عُلماء البلاط) والمُشعوذين الذين تبثّهم شبكات الاتصال العَفِنة على هذا الرجل ذي الفكر النقديّ والمستنير؟

كُنْتُ أشرْتُ لكم منذ حين إلى السبب في أنّ هذا المُفكر الذي أتيح له أن يرى ما لم يهتدِ إليه الفكر الإنساني في أيّ مكان أو زمان، لمْ يُفْهَمْ، ولم يَكُنْ ليُفْهَمَ، لا في إطار الفكر العالمي الذي يجهل عنه كلّ شيء، ولا في الأوساط الفكريّة الإسلاميّة العاجزة عن تصوّر الإطار الفكري الذي يتموقع فيه هو. فهذا الرّجل ليس بمُنظّر “النهضة الإسلامية” فحسب، بل هو مُنظّر النهضة الإنسانية بِرُمَّتِها.

ويبدو لي أنّه كان هو نفسه يخاف من جسامة نظرته، وأنّه حاول أنْ “يُلَطِّفها” وأن “يُموِّهها” اتّقاءً لشراسة مُعاصريه وتفادياً للمُقاطعة والإقصاء. فقد أُصِبْتُ أنا شخصياًّ بِدُوارِ عندما اكتشفْتُ ذلك في مذكراته الشخصية التي سمّاها “الدفاتر”(les Carnets). فهذا الرّجل الذي مات منذ نصف قرنٍ لا يزال سابقا لزمانه بنصف قرنٍ آخر.

بماذا تُفسّرون تحوّل العالم الإسلامي إلى دار حربٍ وكون كثير من بلدانه مُهدّدة بالتلاشي، وهذا بعد ظهور الإسلام بعدّة قرون؟

أعتقد أنّ صِيغاً مثل “العالم الإسلاميّ” و “الإسلام” و “العالم العربي”، والتي كثُر ترددها في اللغة العادية وبالغتْ في توظيفها كلّ من الدراسات الأكاديمية ودراسات المستشرقين، لم تَعُدْ لها أيّة قيمة لأنّها لم تَعُدْ تعكس الواقع الذي يدلّ على أنّ التّباين أعمق ممّا يبدو في الظاهر.

وأكاد أقول إنّ “العالم الإسلاميّ” لم يكن له وجود كمجموعة سياسية أو دينية مُوحّدة ومُسيّرة تسييراً مركزياًّ، ومُتجانسة أو مُتّحدة اتحاداً فيدرالياًّ على نموذج الولايات المتّحدة الأمريكية مثلاً. ذلك أنّ هذا “العالم الإسلاميّ” قد انقسم فور وفاة الرّسول (ص) من الناحية الدّينية إلى مذهبين، هما: المذهب السّنّي والمذهب الشّيعيّ.

فعاصمة المُلْكِ صارت في تنقّل وترحال باستمرار تبعاً للصراعات الدّاخليّة على السلطة. فبعد أن كانت في المدينة المُنوّرة في العصر الراشديّ انتقلتْ إلى دمشق على عهد الأمويين، ثُمّ إلى بغداد على عهد العباسيين، ثُمّ انشطر العالم الإسلاميّ إلى عدة إمارات وخلافات على رأسها أسر غير عربيّة بعيدة جغرافياًّ، ومستقلّة بعضها عن الآخر (منغوليا، والصين، ومصر، وإفريقيا الشمالية، وإسبانيا، وإيران، وتركيا، وآسيا الوسطى، وإفريقيا السّوداء، وشبه الجزيرة الهندية…). وأخيرا استقرت العاصمة في إسطنبول في عصر الخلافة العثمانية.

وليس العالم العربي أقلّ من العالم الإسلاميّ تنوّعاً، فهو يتضمّن عرباً أصليين في شبه الجزيرة العربية، كما يتضمّن أمازيغ في شمال إفريقيا، وأكراداً في تركيا وإيران وسوريا، ودروزاً في لبنان، وسوداً في إفريقيا. وفي العالم العربي كذلك ديانات أخرى غير الإسلام ( مثل المسيحية بمخلف كنائسها والطّرق المتشعبة عن الإسلام…)

وقد أدّى كلٌّ من الاستعمار والأمبرايالية إلى ظهور “العالم الإسلامي” بالوجه الذي عُرِف به في نهاية القرن العشرين، أي حوالي خمسين بلداً ديانتها الرئيسية هي الإسلام، لكنها لا تجتمع على موقف واحد فيما يتعلّق بالسياسة الدولية، ولا يجمع بينها أي مشروع للوحدة الاقتصادية على غرار الوحدة الأوروبية. والقاسم المشترك الأصغر والوحيد الذي بقي بين هذه البلدان هو الثقافة الدينية التقليدية، والتي لمْ تتجدّدْ منذ ألف سنة، وهي ثقافة تنطوي على نظرةٍ باليةٍ إلى العالم. وقد تولّتْ رعاية هذه الثقافة القديمة جامعات إسلاميّة في العالم العربي، وأهمّها جامع الأزهر ومعاهد أخرى في العربية السّعوديّة.

هذا هو الرُّكامُ الثّقافي الذي نشأت فيه الإسلاموية خلال النصف الأول من القرن العشرين بواسطة مؤلّفات رجلٍ هندي باكستاني هو المودودي، وآخر مصري هو سيد قطب، وهُما اللذان أضفيا على الإسلاموية مظهر نظرة جديدة إلى العالم وقابلة للتطبيق في السياسة والاقتصاد وأسلوب الحياة، وقادرة على إحياء العالم الإسلاميّ واسترجاع عظمته. لكن لتحقيق ذلك كلّه كان لا بُدّ من الوصول إلى الحكم.

تلك هي الكيفية التي تكوّنت بها الآفة الإيديولوجية، وتعاظمت مثل الإعصار الذي راح يكتسح البلدان واحداً بعد آخر، تلك الآفة التي أقحمت البلدان الإسلامية في مسلسل جهنمي من التدمير الذاتي الذي أتى على كلّ المكتسبات العقلية والفكرية والاجتماعية، والتي لم تُكتسب إلاّ بشقّ الأنفس خلال القرن العشرين. لم يكُنْ مِن شأن العودة إلى العامل الديني لتأويل الحاضر والإعداد للمستقبل إلاّ أنْ يُحْيي النعرات الدينية التي ظهرت بين الشيعة والسُّنّة، وبين العرب والفرس منذ فجر الإسلام.

وقد تكرّس هذا الوضع إلى درجة أنّ العالم الإسلاميّ تحوّل إلى منطقة حروب أهليّة ضاعت فيها قوى عدّة بلدان بأساليب مختلفة لكنها تتفق كلّها على هدف واحد وهو تدمير تلك البلدان: العراق، سوريا، ليبيا، الصومال، أفغانستان، باكستان، مالي، نيجيريا، وقد لا تنجو حتى مصر والجزائر من ذلك مستقبلاً.

ما رأيكم في تلك الجدلية التي تؤكّد على أنّ القادة السّياسيين هم صُنّاع الفشل في البلدان الإسلامية، وهو الفشل الذي فتح الباب أمام التدخّل الأجنبيّ؟ أوليس القادة العرب من الناحية الموضوعية حلفاء لأعدائهم؟
إنّ أولى الأوطان التي تحوّلت إلى دول ( Etats-nations) ظهرت في أوروبا، وكان ذلك كثمرة لمسار تحوّلات فكريّة أَوْجَدتْها عوامل جديدة مثل النهضة، والإصلاح، والإنسانية، والديكارتية، وفلسفة الأنوار، ومفهوم “حقوق الإنسان” الذي وضعه توماس باين Thomas Payne (1737- 1802) مُلْهم الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية في نهاية القرن 18 اللّتين شارك فيهما بصفة شخصيّة. إنّ أمريكا مَدِينَةٌ بالكثير لهذا الرجل (البريطاني) ولكتابه المُعَنْوَن: The common sense، أمّا فرنسا فهي مَدِينَةٌ له بإعلانها الشهير عن “حقوق الإنسان والمُواطِن”.

لقد عادت البلدان الإسلامية إلى التاريخ في القرن العشرين دون أنْ تُحقق أيّ تحوُّلٍ فكريٍّ أو ثقافيٍّ، مُكتفيةً بنقل الإيديولوجيات الليبرالية أو الماركسية الرائجة آنذاك وإلحاقها بثقافتها القديمة. وهكذا راحت كلٌّ من الأنظمة الملَكيّة الرّجعية والجمهوريات التّقدّميةّ المزعومة تُنمّي بلدانها على المستوى المادّيّ والاقتصاديّ والعسكريّ دون أن تتطرّق إلى الجانب النّفسيّ، وإلى العقل والقيم الاجتماعية في أوساط شعوبها. الحُكّام، سواء أكانوا عائلات مالكة أم طُغَماً عسكرية، لمْ يتجاوزوا نقل نماذج دولهم عن الغربيين، دون أن يُفكّروا في ضرورة سريان تلك النماذج في النفوس، ودون أن يشرعوا في بثّ قيم المدنية والمُواطَنة الحديثة فيها بغرض حمايتها من أضرار الإيديولوجيات الهداَّمة.

عندما قام كلّ مِن المودودي وسيد قطب من الجانب السُّنّي، وآية الله الخُميني من الجانب الشّيعي، بوضع الأسس الإيديولوجية للإسلاموية، واتخذوا ذلك كتقنية للاستيلاء على الحُكم بجميع الوسائل، فإنّ تلك الإيديولوجية سرعان ما جرفتْ تلك الدول الحديثة المُزيّفة التي تأسّستْ في إيران (1978)، و في أفغانستان (1979)، و في الصومال (1990)، و في الجزائر (1992)، وفي كلٍّ من تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن (2011)، دون أن نذكر العراق وتركيا ولبنان. والمُلاحظ أنّ الجمهوريات الموصوفة بالتّقدّميّة هي التي أُصيبت بوباء الإسلاموية، وليست الأنظمة الملكية الشبيهة بأنظمة دول القرون الوسطى.

تمكّن الخطاب الإسلامويّ من دحض ونسف حركية التنمية الوطنية التي كانت جارية في تلك البلدان، وذلك بواسطة اتّهامها بأنها سائرة في الاتّجاه المُعاكس لـ (القيم الإسلامية). وممّا يؤسف له أنّ تلك الحركية التنموية كانت تحت إشراف قادة عديمي الكفاءة، إضافة إلى استبدادهم وفسادهم، ممّا جعل منهم لقمة سائغة في أفواه ذئاب الإسلاموية.

ألا يجب أنْ توضع حدود بين علماء الدين من جهة والساسة والحُكّام ملوكاً كانوا أو رؤساء من جهة أخرى، مِنْ أجل حماية الإسلام والمسلمين؟

هنا بيت القصيد، لأنّنا لو عُدْنا إلى الخلف لوجدنا أنّ كلّ السياسات التي انتُهِجتْ لم تُحقق نتائج مُرْضية، سواء أكان ذلك في إطار اللاّئكية التي كانت مُحبّذة في الإيديولوجية البعثية في كل من العراق وسوريا، أم في إطار السياسات الليبرالية على الطريقة الغربية والتي انتُهِجتْ في تركيا على عهد أتاتورك أو في إيران أيام أحمد رضا فهلوي، أو في تونس أيام بورقيبة، أمْ في إطار السياسات (الثورية) المُنتهجة في مصر أيام جمال عبد الناصر وفي الجزائر في عهد بومدين أو في ليبيا أيام القذافي. ولم تنجُ من الانهيار إلاّ الأنظمة الملكية الرّجعية. فهل يتعلّق الأمر بمفارقة؟

لا. أرى أنّ المُشكلة لم تُطرح طرحاً صحيحاً منذ البداية، حتى قبل أن تصير البلدان الإسلامية دولاً بالمعنى الحديث (Etats-nations)، ولا يزال الطرح خاطئا إلى هذه اللحظة التي نتحاور فيها معاً.

إنّ مِنْ ثوابت الأنظمة الملكية العربية الإسلامية أنّ السلطة يقتسمها أعضاء العائلة المالكة مع العلماء. وإذا كان أعضاء العائلة المالكة يختصّون بالسّياسة، فإن العلماء يخصون بالتأثير في النفوس وتوجيهها. إنّ هذا التواطؤ بين السيف والعلم (العلم الديني) هو الذي حمى الأنظمة الملكيّة من المُعارضة الاجتماعية والسياسية لأنها تبدو سائرة وفق النموذج الإسلاميّ. أمّا في الأنظمة التي تُسمّى تقدّميّة فإن الدّين قد أُبْعِدَ من الشأن العام ورُمي به في الشارع ليتلقّفه أربابه ويستعملوه ضد تلك الأنظمة.

كان على المسلمين أنْ يُنْتِجُوا لائكيتهم الخاصّة بهم، بأدواتهم المعرفية، وبمراعاة الأبعاد الثقافية والنّفسيّة لكل فكرة وكلمة. لكنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك لأنهم لم يجدوا، إلى يومنا هذا، النهجَ الفكريّ الذي يوصِلُ إلى ذلك وهذا المنفذ الذي ينفذون منه إلى الحداثة.

إنكم تنتمون إلى سلسلة من الإصلاحيين تبدأ بمحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي، وتمرّ على علي عبد الرازق ثُمّ تصل إلى مالك بن نبي. ماذا يجب أن نفهم من عبارة “إصلاح النظرة الإسلامية إلى الوجود” (Réforme de la weltanschauung islamique) التي تتردّد كثيرا في كتاباتكم؟ وما الجديد الذي تأتي به على وجه التحديد؟

هذا بالذات ما أشرت إليه منذ حين: إنها النهج، أو المَنفذ، أو الطريق التي لم يُعثر عليها بعدُ في الفكر الإسلاميّ القديم أو الحديث من أجل القيام بإصلاح الإسلام. وأنا أقصد بذلك إحداث عملية تحويل أو تكييف للقيم الإسلامية مع وجهة العالم الحديث ومع مسيرة التاريخ البشري المستقبلية.

بيّنْتُ في كتابي “الإسلام بدون إسلاموية” تلك الرابطة الفكرية الموجودة بين هؤلاء الرجال الأربعة مع ما بينهم من اختلافات في الفكر. لكن بن نبي يتميّز عنهم جميعاً بأنه ليس وليد المعرفة الدّينية التقليدية، وهذا هو السّرّ في أنه أكثرهم جرأةً وأوسعهم نظرةً إلى العالم.

وكان لكتاب “طبائع الاستبداد” الذي ألّفه الكواكبي أثره في علي عبد الرازق لأنه استلهم الكواكبي في كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، مثلما تأثر بن نبي بكتاب “رسالة التوحيد” في كتابه “وجهة العالم الإسلامي”.

إنّ معاناة هؤلاء المُفكّرين الأربعة كانت شديدة، إذ اضطُهِدوا وزُجّ بهم في السجون، وتعرّضوا للنّفي، ومات أحدهم (وهو الكواكبي) مقتولاً، لأنّهم كانوا يُكافحون ضدّ تيار أقوى منهم، وهو يتكوّن من التحالف بين السلطة والعلماء، تحالف يهدف إلى الدّفاع عن المصلحة المشتركة بين طرفيه، وهي الإبقاء على الشعوب حبيسة المفاهيم القدَرية من أجل حسن توظيفها وإبعادها عن روح النقد التي قد تؤدي بهم إلى تبنّي المعارضة ضدّ السلطة.

وإنّ دراستي لمؤلفاتهم طيلة عشريات من الزمن هي التي مكّنتني من اكتشاف النهج الذي أشتغل فيه منذ بضع سنوات والذي يهدف إلى اقتراح طريقة تجديد متكاملة للفكر الإسلاميّ، ولتصوّراته حول العالم.

قال مهاتير بن محمد الوزير الأول الأسبق في ماليزيا، والمعروف باستلهامه لفكر مالك بن نبي: “عندما أنوي الصلاة اتوجّه إلى مكة، وعندما أعقد العزم على تطوير بلادي أتوجّه إلى اليابان”

إنّ كلّ ما أعرفه عن العلاقة التي يُراد ربطها بين أفكار مالك بن نبي والنجاح الاقتصادي الذي حققته ماليزيا هو أن بن نبي كان يُنظّم في بيته بالقاهرة ندوات خلال سنوات إقامته بها أي ما بين أفريل 1956 و جويلية 1963، وكان يحضر تلك الندوات طلبة من مختلف الجنسيات، ومن بينهم مجموعة من الماليزيين الذين قد يكون من بينهم الوزير الأول المذكور أو أصدقاء مُقرّبين منه نقلوا إليه أفكار بن نبي فيما بعد. لكنني لا أملك معلومات دقيقة حول هذه النقطة لا بالإثبات ولا بالنفي. وحسب معلوماتي فإنّ مؤتمراً قد تمّ تنظيمه خلال التسعينيات حول فكر مالك بن نبي في مدينة كوالا لامبور.

وما يمكن لي أن أقوله كذلك هو أنّ المقولة التي ذكرتموها تعكس بمضمونها تماما نظرة بن نبي التي تزخر بالمرجعية اليابانية. فلقد قام مفكرنا بالمقارنة بين النهضة الناجحة التي قام بها اليابان والتي تُسمى (Meiji) والفشل الذريع الذي وقعت فيه النهضة الإسلامية، وقد حدثتا في نفس الفترة تقريباً، أي حوالي 1860، ثُمّ خرج من ذلك باستنتاجات قادتْه إلى صياغة الحلول.

إنّ ممّا يدعونا بإلحاح إلى التفكير هو: ما السّبب في أنّ تلك البلدان الآسيوية، سواء منها الإسلامية أو غير الإسلامية، نجحتْ في تحقيق نهضتها بينما أخفقت كلّ الدول العربية في ذلك (خاصة إذا غضضنا الطرْف عن العامل الذي يُمثّله البترول). صحيح أنّ العرب تمكنوا من خلق بعض مظاهر الثراء في بلدانهم، لكنهم لم يفعلوا شيئا في مجال التطور البشري المرشح للدوام. فليست ماليزيا وحدها التي حققت النجاح، بل هناك بلدان أخرى مجاورة لها مثل سنغافورة وهونغ كونغ والصين وكوريا الجنوبية وأندونيسيا…إلخ.

لنعُدْ إلى مسألة الإسلاموية. إنّ كلّ البلدان الغربية وأجهزتها الأمنية منشغلة بالتشدد الإسلامي، وخاصة الجهاديين العائدين من مناطق المواجهة في سوريا والعراق كما كانت الحال في الجزائر بعد عودة الجهاديين الجزائريين الذين ذهبوا إلى أفغانستان ليُقاتلوا الاتّحاد السوفياتي في الثمانينيات والذين نشروا الرّعب خلال (العشرية السّوداء). ألا تُمثّل التجربة الجزائرية مفتاحا بين أيدي البلدان الغربية من أجل فهمٍ أفضل لظاهرة هؤلاء الجهاديين الغربيين العائدين من ساحة المعارك بسوريا؟

هذا ممكن، لكن بشرطين. أوّلهما أنّ هذه التجربة أو هذا المفتاح يجب أنْ يُفيدَ في حماية الجزائر والجزائريين الذين لا يزالون بعيدين عن التخلّص من مشكلة الإرهاب، فمنذ بضعة أسابيع فقط ارتُكبت عمليتان انتحاريتان تبنّتهما داعش، الأولى في إحدى مدن الشرق الجزائري والأخرى في المنطقة الغربية. وثانيهما أن تكون مصالح الاستخبارات الجزائرية وكلّ الأطراف المعنية بهذا المشكل (رجال المباحث، رجال القضاء، المحامون، خبراء علم الإجرام، خبراء علم الاجتماع، الصحفيون المُتخصِّصون، إلخ) مهتمّين بالجانب النفسيّ والفكريّ للتشدّد الإسلاموي والإرهاب، وأن يكونوا قد وقفوا على نتائج فيما يخصّ ملمح الأشخاص المُرشّحين لهذه النزعة.

و أعتقد أنّ هذا المجال لم يحظَ بالعناية الكافية مِنْ قِبَل المصالح المختصّة بمحاربة الإرهاب عبر العالم. صحيح أنّ تلك المصالح عليها أنْ تواجه الوضع في ميدان المعركة، لكنّها لن تتمكن من اجتثاث الإرهاب ما لم تستهدف القضاء على أسبابه التي هي أسباب دينية وفكريّة وثقافية، وما الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلاّ أسباباً عارضة. إنَّ الحلّ في نظري يكمن فيما أشرْتُ إليه سابقاً، وهو المنفذ أو المدخل المؤدّي إلى التغيير وإلى إضفاء طابع السّلم على النظرة الإسلامية إلى العالم. و أرجو أن يكون لنا حديث حول ذلك لاحقاً.

إنّ الجزائر بدون رئيس في الوقت الراهن، وهي في عزّ الأزمة الاقتصادية. ألا ترون أنّ اللوبي المالي الذي تَشَكّلَ حول الشقيق الأصغر (سعيد بوتفليقة) وصديقه، رجل الأعمال علي حداد، ألا ترون أنّ في ذلك خطراً على الجزائر؟ خاصة بعد إنهاء مهامّ الوزير الأول منذ أسابيع، وذلك بعد ثلاثة أشهر من تعيينه بسبب عقده العزم على “فصل المال عن السياسة”. إنّ هذا الحدث كان له وقعٌ عظيمٌ على البلاد، وهو ما دفعكم إلى كتابة عدّة مقالات شديدة اللهجة ضدّ الرّئاسة والجيش، إذ قلتم عن هذا الأخير أنه “صار جيشا تابعاً للرئيس”. وقد انجرّ عن ذلك تنظيم حملة إعلاميّة شرسة ضدّكم، كما أدّى إلى صدور إجابة رسمية من وزارة الدّفاع…
إنّ الجزائر اليوم في مفترق الطّرق. قد تتّجه إلى الأحسن كما قد تتّجه إلى الأسوإ. ولن يأتي الأحسن إلاّ بتبنّي بديلٍ مناسبٍ عن المأزق السياسيّ والاقتصاديّ النّاجم عن إصرار الرّئيس بوتفليقة على البقاء في الحكم مع أنّه يفتقد إلى الإمكانات البدنية والفكريّة اللازمة لممارسته. وقد كتبْتُ بعض مقالاتي وأنا أفكّر في هذا المخرج، ووجّهْتُ فيها دعوةً إلى العسكريين الذين كانوا وراء مجيء هذا الرّجل وفرْضه على البلاد منذ ما يقارب عشرين سنة كي يُقْنِعوه عن طريق الحكمة بالانسحاب، أو على الأقلّ بعدم التّرشّح لعهدة خامسة في 2019. كتبْتُ تلك المقالات عندما شاهدْتُ الطريقة المفضوحة التي تمّ بها إبعاد الوزير الأوّل فقط لأنّه اختلف مع رئيس اتحادية أرباب العمل. ومنذ ذلك الحين صِرْتُ هدفاً لهجومات عنيفة وقذرة بإيعاز من الرئاسة وبتنفيذ من الوزير الأول وحزبه الذي، وبطريقة رسمية، طلب إحالتي على العدالة من أجل إسكاتي.

إنّكم ترون أنّ الجيش الذي نصّب بوتفليقة سنة 1999 يجب أنْ يشارك في مسار الخروج من الأزمة، لا أنْ يستمرّ في التغطية على نظام يحتضر. وهناك أطراف أخرى في المعارضة ترى أنّ المؤسسة العسكرية يجب أن تقود مرحلة انتقالية لتُعطي الانطلاقة لبداية الخروج من المأزق السياسي الذي تتخبّط فيه الجزائر.

إنّ الجيش الجزائريّ يُمثّلُ العمود الفقري للبلاد وللدولة بسبب امتناع السلطة عن تحرير المجتمع وإعطائه فرصة التّمرّن على المشاركة في الحياة السياسية والاستحقاقات. وقد قام الرّئيس بوتفليقة خلال هذه السنوات الأخيرة بحركة كبيرة في تأطير الجيش، وَوَضَعَ جهاز المخابرات تحت سلطته المباشرة من أجل توظيفه للبقاء في السلطة مع أنه يفتقد إلى الإمكانات البدنية والذهنية اللاّزمة لذلك. كما قضى على البلاد بانعدام التسيير وغياب الحكم في وقت أصيبت الدولة فيه بالوهن بسبب خسارة أكثر من نصف مداخيلها من العملة الصعبة الآتية كلّها من تصدير النفط. و ها هو الوزير الأول الجديد يعلن عن أنّ عجز ميزانية الدولة بلغ حد استحالة دفع أجور العُمّال في شهر نوفمبر. فماذا سيحدث عند ذلك؟ لا شيء غير الفوضى العارمة. ومَنْ سيُواجه هذه الفوضى العارمة؟ لا شك في أن الشرطة والجيش هما اللّذان سيقومان بذلك كما يحدث الآن في فينزويلا.

ما هو تصوّركم حول المسار السياسي الكفيل بإيصال الجزائر إلى مرحلة دولة القانون؟

لم تخرج الجزائر أبداً، ومنذ استقلالها سنة 1962، من نير الحكم المستبد. فمِنْ بين الرؤساء الستة الذين حكموها، لم يُغادر السّلطة طوعا وبلا إكراه إلاّ واحد، واثنان منهم تمّتْ تنحيتهما على يد الجيش، ومات أحدهم في ظروف غامضة، واغتيل آخر، أمّا السّادس فقدْ فَقَدَ قدرته على الحركة وقدراته الفكرية لكنه لا يريد أن يُغادر السلطة. و لهذا فقد حان الأوان على الجزائر لتتحرّر من الاستبداد وتُعيد بناء نفسها حسب القيم الديمقراطية. وهناك شيء ما يتحرّك في ضمير الشعب المُثْخن بإخفاقات السلطة، وهو يحلم بحياة سياسية واقتصادية تسير بمقاييس عقليّة.
وإذا كان الرّئيس ممتنعا عن الاستقالة ومَنْحِ فرصة الانطلاق للشعب، فنحنُ مُضطرّون لانتظار المدة التي تفصلنا عن موعد الانتخابات الرّئاسية في أفريل 2019. لكن في هذه المَرّة يجب أنْ تكون الانتخابات نزيهة وشفّافة.

هل من مصلحة الدّول الغربية أن تستمرّ في مُساندة نظام الإخوة بوتفليقة الذي انهارت شعبيتُه؟ أليست هذه الدّول بصدد اللعب بالنّار بسكوتها عن الورطة السياسية الحادثة في الجزائر، هذا البلد الذي يهدّد بالانهيار مع ما سينجم عن ذلك من نتائج خطيرة مثل استفحال ظاهرتي الهجرة والإرهاب الذي لا يعترف بالحدود؟ أليس في هذا خطر على الاستقرار في حوض البحر المتوسط، بل في العالم بأسره؟

إنّ الدّول الغربية تتحمّل جزءاً كبيرا من المسؤولية على زعزعة الاستقرار في عدة بلدان، بمساندة بعض الحُكام ضدّ شعوبهم تارةً، أو بالإصرار على فرض حُكّامٍ على تلك الشعوب تارةً أخرى. إنّ هذه الدول الغربية تؤمِن بالسيادة الشعبية وبالديمقراطية إذا تعلّق الأمر ببلدانها، أمّا في البلدان الأخرى فهي تُبارك أنظمة ديكتاتورية وفاسدة تتعامل معها بطريقة مشبوهة حتى تندلع أحداث الشغب والثورات. وقد قيل منذ زمن بعيدٍ إنّ الجزائر هي منطقة صيد محروسة لصالح فرنسا في إطار تقسيم مناطق التأثير، وهذا أمر لا يلقى إعجاب المُواطنين الجزائريين المتشبّثين باستقلالهم والحريصين على بقائه بعيدا عن أيّ تأثير خارجي رغم أن السلطة تقوم بالمستحيل من أجل إرضاء الدول ذات الشأن الكبير في الساحة الدوليّة. وأنا أقف شخصياًّ ضدّ أي تأثير خارجيّ يهدف إلى مُساندة النّظام أو إلى الحثّ على الثورة الشعبية. وإنْ حَدَثَ أن عَرَفَتِ الجزائر أحداث شغب أخرى، فمن الواضح أن ذلك ستكون له أصداء في بلدان حوض البحر المتوسّط.

هل كانت تجربتكم كوزير في عدّة قطاعات قيمةً مُضافةً في مساركم، أم أنكم استنتجتم أنّه لا فائدة من المشاركة في حكومة بلدٍ مثل الجزائر لأنّ أهمّ القرارات تُتّخذ بعيداً عن الوزارة وفي فضاءات أخرى؟

لقد حصل لي أنْ شغلْتُ مناصب اقتصاديّة خلال الخمس سنوات التي قضيتُها في الحكومة، وأنا راضٍ بالتجربة المُكتسبة وبما تعلّمتُهُ خاصّةً ما يتعلّق بالمفاوضات المتعدّدة الأطراف. وكما هي الحال في جميع الحكومات في العالم، على ما أظن، فإنّ كلّ القرارات لا تُتّخذ في مجلس الحكومة أو مجلس الوزراء. غير أنّ هذا يصدُقُ أكثر على بلدٍ مثل الجزائر، حيث تغيب قواعد الديمقراطية في تسيير الشؤون العامة.

إنّكم تتمتّعون بمسار فريد من نوعه: خبير اقتصادي، باحث في الفكر الإسلاميّ، كاتب غزير التأليف، وزير… حَظيتُمْ بمعرفة شخصيات مثل ابن نبي، فرحات عباس، بل وحتى آية الله الخُمينيّ، إلخ. وأنتم في سنّ العشرين كان لكم اشتباك مع ماكسيم رودنسن Maxime Rodinson، وغير ذلك من الأحداث الطريفة المبثوثة في مختلف مراحل حياتكم. هل أنتم راضون عن تجاربكم أم أنّ طموحكم الفكري لا يزال يدفعكم دوما إلى أبعد من هذا؟ وبعبارة أخرى، هل ترون أنّ السعي إلى النور مسيرة لا تنتهي؟

إنّ ما يُميّزُني عن أقراني في الطبقة السياسية الجزائرية أني كنت، منذ مراحل حياتي الأولى، عنصرا فاعلاً في الحياة الفكرية أوّلاً، ثُمّ في الحياة السياسية بعد ذلك لأنّ الجزائر كانت تحت سلطة الحزب الواحد واقتصادُها كان مُوجّهاً حتى سنة 1989. وقد تمحورتْ كتاباتي من 1970 إلى 2017 حول ثلاثة مواضيع أساسية هي: السياسة الجزائريّة، دور الإسلام ومكانه في البلاد الإسلامية، والأحداث الدّوليّة. وهذا ما فتح لي الأبواب وأتاح لي اللقاء مع شخصيات جزائرية وأجنبية كبيرة. و أنا الآن أواصل الكتابة حول مراكز اهتماماتي الثلاثة المذكورة، وأشكركم على منحي فرصة توجيه كلامي إلى القُرّاء في البلدان الغربية وفي العالم العربي الإسلاميّ على صفحات جريدتكم.

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم