الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 دعوة للتفكير في نظام انتخابي جزائري جديد..

دعوة للتفكير في نظام انتخابي جزائري جديد..

*بعد أن أصبح رأس القائمة.. رأس الفتنة..!

د. محمد لعقاب

كلما حل موعد الإنتخابات التشريعية في الجزائر، عاد الحديث مجددا عن رأس القائمة ومن يليه في المرتبة الثانية ثم من يليه في المرتبة الثالثة، باعتبار أن هؤلاء الثلاثة هم الأوفر حظا للفوز بمقعد برلماني. أما الباقي فإن دورهم لا يعدو أن يكون ديكورا أو تكرّما منهم  لإتمام القائمة حتى تكون لها الصبغة القانونية.

ولأن رأس القائمة يكون قد فاز بمقعد برلماني بنسبة كبيرة تقارب الـ 100 بالمئة حتى قبل الإنتخابات، فقد أصبح احتلال صدارة القائمة أو رأسها محل صراع بين كوادر الأحزاب، حتى أضحى بمثابة فتنة حقيقية، ويتولد عن هذا الصراع العديد من التأثيرات السلبية على الفعل الإنتخابي والفعل السياسي معا.

1 – إحداث انشقاقات داخل الأحزاب

من بين أهم الإنعكاسات هو حدوث انشقاق داخل الأحزاب السياسية، لأن كل واحد من كوادر الحزب يعتقد أنه أحق برأس القائمة من غيره، ويجد المسؤولون عن إعداد القوائم وعلى رأسهم رئيس الحزب أنفسهم في ورطة في كيفية حل هذا الإشكال. ومهما كانت العوامل التي تساعد على ترجيح الكفة لهذا أو ذاك، فإنه عادة ما يقرر من يتم إبعاده عن رأس القائمة الإنسحاب من الحزب وتشكيل قائمة حرة أو الإنضمام لحزب آخر، وربما اللجوء لتأسيس حزب جديد. ما يعني أن رأس القائمة يعتبر عاملا من عوامل تفتيت المفتت.

وتعيش عدة أحزاب سياسية هذا المشكل، وقد أعلنت عدة شخصيات أو لوّحت بالإنسحاب من هذا الحزب أو ذاك، إذا لم توضع على رأس القائمة. ووصل الأمر إلى حد تهديد التحالفات السياسية الناشئة، كحركة مجتمع السلم التي تعرف انسدادا بخصوص رأس القائمة في الجزائر العاصمة، وكذلك تحالف النهضة والعدالة والتنمية والبناء.

2 – رأس القائمة وسيلة للمال الفاسد

بات واضحا أن المال يلعب دورا حاسما في الإنتخابات، فبه تتم العملية الدعائية الناجحة، ولأن الأمر هو هذا، فقد أصبح توغّل المال الفاسد في العمل السياسي ملحوظا، ووصل الأمر إلى حد شراء رأس القائمة بمبالغ خيالية من المستحيل أن يعوضها النائب براتبه الشهري في البرلمان، ما يعني أن وراء مقعد برلماني مآرب أخرى، مثل الحصانة البرلمانية التي تجنب النائب المتابعات القضائية في الفترة النيابية.

3 – رأس القائمة .. وسيلة للمحاباة

إلى جانب المال الفاسد، تبرز فكرة رأس القائمة كوسيلة للمحاباة والموالاه، خاصة بالنسبة للمركز الثاني والثالث وأحيانا الرابع بالنسبة للأحزاب الكبرى، حيث يتم ترتيب الأبناء أو أبناء العمومة أو الصديقات والخليلات وحتى الأزواج في المراتب التي تضمن لهم الفوز بمقعد برلماني.

4 – إبعاد الكفاءات والمناضلين

ونتيجة لما سبق قوله، يمكن القول أن رأس القائمة ومن يليه ثم من يليه أصبح وسيلة لإبعاد الكفاءات وتهميش المناضلين، فالذي لا يملك المال أو ليس من المقربين، ليس له حظ في المراتب الثلاثة الأولى.

5 – العزوف عن السياسة والتصويت

كنتيجة منطقية لما سبق، وتفاعلا مع وسائل الإعلام التي تتحدث بدون توقف عن دور المال الفاسد أو “الشكارة” في الإنتخابات وتحديدا في ترتيب رأس القائمة، ومع مرور الوقت سيزداد عزوف الناس وخاصة الشباب عن العمل السياسي فلا ينخرطون في الأحزاب ولا في الجمعيات، ما يحرم الوطن من كفاءات سياسية في المستقبل، وتؤدي العوامل السابقة إلى ظاهرة العزوف الإنتخابي.

فما دامت تركيبة البرلمان تصبح معروفة بمجرد انتهاء الأحزاب الكبرى من إعداد قوائمها، فلماذا ينتخب المواطنون إذن؟ إن الفعل الإنتخابي سيصبح مجرد تسلية لأن صوت المواطن تنخفض قيمته إلى أدنى درجاتها.

6 – فقدان هبة الحزب

بسبب التوجه العام نحو وضع أصحاب المال والولاءات على رأس القائمة، فإن الحزب يفقد قيمته مع مرور الوقت، كما أن رئيس الحزب يفقد بدوره هبته، لأنه لم يمارس العمل السياسي بل مارس البزنس، والمترشحون بعد أن يصبحوا نوابا لا يدينون لرئيس الحزب ولا للحزب بل لأمور أخرى سبق شرحها أعلاه.

وفي مثل هذه الحال فإن ظاهرة التجوال السياسي التي منعها الدستور، اي الإنتقال من حزب إلى آخر، تصبح بدون معنى، لأن النواب أصلا لا يشعرون بالولاء للأحزاب، بل للعوامل والمؤثرات التي وضعتهم على رأس القائمة.

ونتيجة لهذا كله، يولد برلمان بشرعية ناقصة أو مهزوزة وليست لديه القدرة على ممارسة الفعل النيابي النزيه، ولا يدين للمواطنين في انتخابه وإنما يدين لمن وضعه على رأس القائمة، ما يعني أن المحاسبة الشعبية للنائب تصبح غير فعالة.

ما الحل إذن؟

بدون شك فإن القضاء على فتنة رأس القائمة وما ينجر عنها من سلبيات، هو البحث عن نظام آخر للإنتخابات، ولا يوجد أفضل من نظام يقوم على الإنتخابات الإسمية، فحينها ترتفع قيمة صوت المواطن، ولا يصبح للمال الفاسد تأثير في الفعل الإنتخابي، وتزيد نسبة المشاركة والإنخراط في العمل السياسي والحزبي ويزداد انخحراط الكفاءات ويصبح للنضال معنى، وتكون الإنتخابات ديمقراطية فعلية، وينتج برلمان قوي يدين للمواطن دون غيره.

لكن المشكل الذي يواجهه هذا النظام، يكمن في تخوف النظام القائم من إفراز الإنتخابات الإسمية برلمان غير متحكم فيه، لكن هذه المخاوف يمكن تجاوزها بإجراءات أخرى كتشديد شروط الترشح مثلا، أو اختراع نظام انتخابي جزائري، كأن يتكون 2/3 من البرلمان الجزائري من منتخبين على الطريقة الإسمية، ويتم تعيين 1/3 من طرف رئيس الجمهورية.

هذه هي فتنة رئأس القائمة، وهذه هي بعض التدابير للقضاء على رأس الفتنة.

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم