الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 رؤوس الفساد في الجزائر أَينعَت وحان قِطافها

رؤوس الفساد في الجزائر أَينعَت وحان قِطافها

زكرياء حبيبي

لأن غالبية أصحاب المال عندنا في الجزائر، هم ممن تربّحوا من أموال الشعب، عبر اعتماد أخبث عمليات النهب والسلب، مدعومين في ذلك من إطارات في شتى مستويات هرم السلطة، ولأنهم في غالبيتهم من الجهلاء معرفيا وسياسيا، فهم بذلك لا يُقيمون وزنا لأي كان، ويتوهّمون بأن المال هو السلطة الفعلية وهو القادر على شق الطرق والمسالك للوصول إليها بأقصر وقت ممكن… هذا المنطق العبثي تجسّد في أدق تفاصيله في ممارسات رئيس منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد، الذي وصل به الأمر إلى درجة تحدي حكومة الوزير الأول السابق عبد المالك سلال وإهانتها ككل في المنتدى الإفريقي للاستثمارات والأعمال، الذي احتضنته الجزائر العاصمة بداية شهر ديسمبر 2016، بل وإنّ علي حداد خرج قويا في المواجهة، وهو الأمر الذي حوّله إلى شبه سلطة موازية.

هذا التحول المنافي للأعراف السياسية والدبلوماسية وغيرها، جعل حداد والجماعة التي تُؤازره، تفكر “برغم افتقارها لأدوات التفكير” في تكرار التجربة لكن على مستوى أعلى، ولمَ لا التخطيط للتحكم في دواليب السلطة ككل وحتى في هرم السلطة، ولأن الجاهل يفعل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه، فإن علي حداد، ومُباشرة بعد إزاحة عبد المالك سلال، لعب كل أوراقه ليُحافظ على المزايا التي اكتسبها في زمن “الغفلة” و”التواطؤ”، بل وإنه تجرّأ على اختلاق إشكال مع الوزير الأول عبد المجيد تبون، وإعلان المواجهة معه، في مُحاولة لإرباكه وإضعافه، وإرغامه على دخول بيت الطاعة، واستعان في ذلك بماله الوسخ، ودوائره المشبوهة التي تبّين بجلاء أن الأمين العام للإتحاد العام للعمال الجزائريين سيدي سعيد، يُشكل أحد أعمدتها الرئيسية، ولذلك رأينا كيف اجتمع حدّاد مع سيدي سعيد، بنزل الأوراسي بالعاصمة، وأصدرا بيانا ضمّناه أطرافا لم تحضر اللقاء على الإطلاق، لإطلاق النار على الوزير الأول تبون، وتوجيه رسائل تهديد مباشرة لكلّ من يقف في وجه تحالف المال الوسخ وقوى الشّر.

بصراحة لم أتفاجأ لكلّ ذلك، بل إنّني من موقع الذي أفنى سنين عديدة في محاربة الفساد والمُفسدين، استبشرت خيرا بما حصل، إذ أنه لأول مرّة تخرج رؤوس الفساد إلى العلن، وهي التي عوّدتنا دائما على التحرك في الأنفاق والدهاليز والغرف المُظلمة، فشخصيا كنت أرى ولا أزال، أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي استلم في سنة 1999 دولة مُترهلة بمؤسسات شبه مُدمّرة، لن يُقدم على إعلان الحرب على الفساد في السنين الأولى لحُكمه، ليقينه أن الفساد نجح في تَشبِيك علاقاته مع العديد من مؤسسات الدولة ورجالاتها، وأن الأولوية القصوى يجب أن تُعطى لتطهير وتقويم هذه المؤسسات بما فيها مؤسسة الرئاسة حتى لا أُعرّج على باقي المؤسسات الأخرى، لأنه من الغباوة التوهم للحظة أنه بمقدور أي كان أن ينتصر على الفساد والمُفسدين، في ظلّ حالة التّشابك هذه، ولذلك رأينا كيف أن الرئيس بوتفليقة الذي جاهر في بداية عهدته الرئاسية بأنه يُعاني في إيجاد “رجال دولة”، لمُساعدته على تخليص البلاد من أزماتها، انتهج مسارا عقلانيا ومُتّزنا، ولم يُعط الأولوية لتحقيق النتائج السريعة التي تُبهر الشعب الجزائري، بل إنه عمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتقويتها وتخليصها من الشوائب والأوساخ، وهو في ذلك يعي أن عليه غض البصر عن بعض الزوايا المُظلمة، كي لا تُعطِّله في تجسيد الأهداف الرئيسية لبرنامجه، الذي وضع قضية إعادة بناء الجزائر ككل وعلى أُسس صحيحة من أولوياته القصوى والإستراتيجية، وتبعا لذلك تحمّل الرئيس بوتفليقة الإنتقادات التي كانت تُوجه له، والتي تتهمه بأنه لم يُخرج سيف الحجّاج لقطع رؤوس الفساد، بل إن البعض سعى إلى توريط شقيق الرئيس السيد السعيد بوتفليقة فيما حصل، واتهمه بأنه يحمي بعض هؤلاء المُفسدين بمن فيهم علي حدّاد، لكن شقيق الرئيس لم يرُد على كل هذه الإتهامات حتى لا يُشوّش على الرئيس بوتفليقة، الذي كان يشحذ سيف الحجاج ويحضّره لهذا الموعد الحاسم.

الجميل في كل ما يحدث اليوم، أنّ العديد من المواطنين انبهروا لما حدث، ولم يصدقوا ما وصل إلى مسامعهم، من أن حداد وسيدي السعيد وباقي زبانية الفساد، قد تمت تعريتهم بعد حوالي شهرين من تعيين السيد عبد المجيد تبون وزيرا أول خلفا لسلال، وهنا أنضم لكل هؤلاء، لأقول بأن اختيار السيد تبون كان مُبرمجا بحدّ ذاته، فالرئيس بوتفليقة فضل أن تكون الإنطلاقة الفعلية لعملية قطع رؤوس الفساد مع أحد رجالات الدولة، الذين قضى سنين في البحث عنهم، فتبون برهن اليوم أنه بحق رجل دولة، إذ ردّ على الحملة الهوجاء التي شنها حداد وسيدي سعيد عليه ببيان مقتضب لم يتعد أربعة أسطر ونصف، وكأنه يريد أن يقول للشعب الجزائري، أنه لا مجال لإضاعة الوقت في الجدال، مع مُفسدين انكشفت عوراتهم أمام القاصي والداني، وأن قاطرة الجزائر التي يقودها الرئيس بوتفليقة لن تتوقف إلا في المحطات التي حددها برنامجه، المستوحى من برنامج الثورة المجيدة وأحلام الشهداء الأبرار، وشخصيا أعترف اليوم بأن الرئيس بوتفليقة قد نجح في وضع إستراتيجية، مكّنت من جهة من تحييد مؤسسات الدولة وتخليصها من نفوذ وهيمنة مافيا المال الوسخ، ومن جهة أخرى جعلت رؤوس الفساد تكبر وتعلو بوضوح ممّا سهّل وسيُسهّل قطافها وقطعها بسيف الحجاج الذي سلّه الرئيس بوتفليقة في الوقت والموعد المُناسب.

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم