الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بين الفكر والسياسة 5 رحلة في الثورة الإيرانية (1)

رحلة في الثورة الإيرانية (1)

بقلم: نور الدين بوكروح

ترجمة : فرحات بوزيان

إحتفلت إيران منذ أسابيع قلائل بعيدها الوطني أي ذكرى انتصار الثورة الإسلامية، لذا ارتأينا نقل شهادة حُررت منذ سبع و ثلاثين سنة عن هذه الثورة و من قلب الحدث في مقالات ثلاث: رحلة في الثورة الإيرانية، الثورة المحاصرة و الإسلام تحت المحك.

لم نكن نعتمد أنا وصديقي لدى انطلاقنا من مطار رووسي شارل ديغول سوى على عنوان غير مؤكد لوالديّ طالب إيراني عرفناه أياما فقط من قبل بواسطة طالب مناضل في باريس،و لأنه لم يكن يربط الجزائر بإيران أي خط جوي فكان الذهاب مروارا على فرنسا أمرا حتميا، وهنا كان ينبغي علينا استيفاء كل الشروط اللازمة لعرضها على وكالة السفر، بالنسبة للسفارة الإيرانية كان علينا، و نحن لا نمتلك سببا رسميا للحصول على الفيزا على اعتبار اننا نريد الذهاب بصفة شخصية، البحث عن حيلة غير متعبة كأن نقدم انفسنا كـ” باحثين في التاريخ المختص في العالم الاسلامي”،لان الحدود بالكاد فُتحت والثورة لم تنتصر في طهران إلا منذ خمسة عشر يوما.
من ليلة 28 من فيفري الى الفاتح مارس، ما كان منذ أسابيع مجرد رغبة غريبة أو حلما شبه مستحيل تحول إلى حقيقة : أقلعنا نحو طهران في طائرة عملاقة 747 ،و هي ترتفع عاليا في السماء،اخذنا نعلق انا وصديقي على الاحداث الاخيرة، و التي جمعناها من خلال سيل من معلومات تتدفق يوما بعد يوم منذ شهور عديدة عن عالم غامض، بحثنا عن تفسير لاحياء عهد المدينة من جديد،عن هذه الصاعقة التي تحاول أن تعيد القرن الحالي والفكر المعاصر إلى الوراء، تاركة إيّاهما في ذهول، فهل هي ” ميلاد امبراطورية محمد من جديد”؟ ام ” حكم القديسين الذي أعلنه كرومويلCromwell” الذي انتظره أوغست كونت من ” العالم المتفاعل “؟ أو أنه  معتقد ” الدولة الايديولوجية ” التي دعا إليها ابو الاعلى المودوي؟ ام هو ظهور ” خير أمة” و التي” تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر” كما بين القرآن الكريم ، حيث أي فرد فيها ملزم بأن يحارب المنكر بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك، كما ينص عليه الحديث، أضعف الإيمان؟
ككل منشغل بالقضية، كنا نبحث عن شرح معقول وموزون لهذا الزلزال، الأمر الذي لا تفصل فيه الاحداث السابقة، و لا ما تم احصاؤه، و لا ما سُجل ضمن قواعد علم الصراعات الداخلية (staseologie) كالتي تمت دراستها مثلا في كتاب ” الظواهر الثورية (les phénomènes révolutionnaires)” لجون باشلار Jean Baechler ، أو ” لقانون الثورات(la loi des révolutions )” لاندريه جوسان André Joussain ، أو قانون “وفاة الاب” حسب فرويد؟. هذا”الخميني” الحبر الذي يحيّيه خمسة وثلاثون مليون على تحدّيه الخالد واستشهاده المجيد ،خمس و ثلاثون مليون من النساء ،الاطفال ،العمال الكادحين، والطلبة بالبذلات العسكرية والجينز؟ لم يسبق ،و الحال كذلك،أن بدت كل من السياسة، الدول الكبرى، البترول، الإستشراق،، علم الخوارق… بالية، لا معنى لها وقد تجاوزها الزمن كما كان الحال في تلك الفترة.
” أنظروا، هذا ليس شعب جائع، إنها ثورة روحية ” يقول شاب بكل حماس وقوة في طهران إلى كلار بريار Claire Brière وبيار بلانشيه Pierre Blanchet ،صحفيا جريدة ” ليبيراسيون « Libération »”  ،واللذان كتبا ، بعد عودتهما من إيران حيث أقاما هناك خمسة أشهر كمراسلين للجريدة ،في كتابهم التقريري”ايران،الثورة باسم الله” الآتي:” الحدث بلا شك لا مثيل له في التاريخ،لقد استلزم قوة غير عادية وإرادة تخرج عن الإطار المألوف لأي فعل ثوري” ثم أضاف الصحفيان الفرنسيان “أن الإيرانيين وجدوها في الدين.
إذا قُدر لإيران ان تنهار، فكل الشرق الاوسط والقارة الهندية ستنهارمعه، الامر الذي سيجعل افريقيا مضطرة لأن تنسحب من العالم الحر وتغير موازين القوى” هذا ما استطاع ان يكتبه شاهينشاه Shahinshah منذ عشرية في مقدمة كتاب” إيران البهلويين” (L’Iran des Pahlavis )  المُهدى إلى جلالته .كان ذلك في امكانه، لكن آخر ملك لأكبر عائلة ملكية في العالم، ابن هذا الجندي الروسي يقول ، بعد أن اصبح امبراطورا في انقلاب قام به العسكر ” أنا ابن سيفي “، آخرالممثلين لستة وعشرين عائلة ملكية اغتصبت السلطة يفترض انها من اصل كهنوتي اي اخلاقية و رمزية، يخادع ، باسم توازن القوى وأمور أخرى كثيرة، كما هو حال طغاة كل العالم قديما وحديثا، ملوكا كانوا ام رؤساء،هؤلاء الذين يخادعون ويراوغون من دون ان يضعوا في حسبانهم هذه الموجات العالية غير المتوقعة من حين لآخر، والتي يسوقها التاريخ لدفة السفن كي تحملها في وجهة معينة، وفي الآية القرآنية يقول تعالى عن نفسه “.. وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ”.
مفعمون بحماسة شديدة على اننا ماضون لشيء بنفس او أكثر أهمية مما حدث سنة 1789 أو 1917،أنستنا سمة الصدفة المميزة لهذا الامر الذي وصفناه من فرط اعجابنا بـ ” موعد مع التاريخ” . كنا نحدث انفسنا انها حقا الحقيقة،وليست تاريخا بعيدا عنا،وفي غيبتنا،التاريخ المُعلّب الذي عُبث به و الذي لم نعرفه إلا مؤخرا من خلال الكتب والافلام، بل التاريخ الذي يغير وجه العالم،على مراحل، يبيده ليولد من جديد، بشكل افضل أو أسوأ، التاريخ حيث يواجه الانسان الانسان منذ آلاف السنين في صراع لن نعرف له نهاية إلا في اليوم الذي تتفق فيه البشرية على معنى الخير والشر. لقد نسينا أننا لا نعرف احدا في هذا البلد، نجهل لغتهم وعاداتهم، وأنه قد تصيبنا رصاصة طائشة في طهران و كان كل ما نملكه اجمالا و لكل حاجاتنا سوى ما يعادل 700 دج. لكن كل هذا لم يكن يهمنا كثيرا!
تشير الساعة الى الثامنة والنصف حسب التوقيت المحلي عندما حطت بنا الطائرة في المطار الدولي بطهران، حوالي ثلاثين شخصا ببذلات نصفها عسكري ونصفها مدني، الاصبع على الزناد والبندقية موجهة في الهواء، و دزينة من رجال المليشيات مكلفون بأمن الطائرات، داخل المطار لا توجد الهيئات الرسمية النظامية: فبدل اعوان الشرطة والجمارك هناك مدنيون. لم يفتشونا او يطرحوا علينا أي سؤال. نظرة خاطفة على جوازات سفرنا الخضراء، مع ابتسامة على الشفاه لمن عرف أننا “جزائريون”، الدمغة العالمية على الجواز وها نحن في إيران. كل الاجراءات لم تتجاوز عشر دقائق.
خارج المطار، هناك جماهير غفيرة جاءت تنتظر دخول الإيرانيين الذي كانوا برفقتنا من الخارج، كانوا في غاية اللطف والهدوء، كلهم: نفس السمة المرتبة التي نراها عادة في كل المطارات، نفس المجموعات الصغيرة العائلية أو مجموعات الصداقة ، مشاكل الأمتعة نفسها، نفس الطوابير أمام شبابيك الصرف…، لا شيء يوحي أنك في مطار بلد يشهد ثورة من أروع الثورات التي عرفها التاريخ، لا شيء يوحي من خلال مظاهر هؤلاء الناس ان هناك شيئ غير عادي. لا مشاعر ولا غبطة ولا حيوية، لا شيء.

كان الجو مشمسا، بدت لنا السماء الآسيوية بزرقة شاحبة، على أيّة حال ليست بنفس السطوع كما هو الحال عندنا في الجزائر. على أبواب المطار، ينادي سائقوا سيارات الأجرة بغير زي رسمي،على الزبائن، يرحبون بك، تماما كسائقي سيارات الاجرة غير النظاميين لدينا، حاولنا مع كثيرين بينهم لعل ان يتعرف احدهم على العنوان المكتوب بحروف عربية، باللغة الفارسية، لكن بلا جدوى لأنهم لم يعرفوا العنوان،ثم صادفنا اخيرا شخصا ظن أنه بامكانه مساعدتنا،لكن لم يجد العنوان رغم ما أبداه من حسن نيّة ، وقد توقفنا عشرات المرات نسأل المارة. السياحة في طهران العاصمة كان لها أهميتها، لقد استفدنا لنتعرف على المظهر الخارجي للعاصمة ونواحيها. ونتأكد من ذلك، لكن بدأ الغضب  يشتد شيئا فشيئا: تسآلنا أين ذهبت الثورة؟ هل جمعت حقائبها و رحلت،كل شيء انتهى،وعادت الامور الى نصابها،وبهذه السرعة؟ لم نر بعد لا مدافع ولا حواجز، ولا أي اشارة من إشارات الحرب، هل نحن في أي مدينة من مدن العالم الكبرى؟
بنيت طهران على منخفض، بدون تخطيط هندسي، تبدوا البنايات قديمة جدا، لا روح ولا جاذبية فيها، الشوارع واسعة لكنها مثيرة للاشمئزاز، لا تعطي أي انطباع انها محل اهتمام من طرف خدمات البلدية، كان الماء متسخا وأسودا يسير على طول الرصيف المشوه أو المخرب، لكن كانت لدينا فكرة عن خدمات” البهلويين” .الازدحام في الشوارع الكبرى لا يصدق،عرقلة السير التي نراها في الجزائرفي ساعات الذروة ليست بشيء مقارنة مع هذا الجحيم الذي نراه هنا. ترى عند مفترق الطرق شباب بزي مدني اكثر منه عسكري مع صفارات وأيادي فارغة يحاولون تنظيم مرور سيل من السيارات والشاحنات والحافلات، دائما، ليست هناك ملامح الهيئة النظامية ،اذن لا دولة!
في الواقع، ما هي الدولة بالنسبة للمواطن العادي أو للاجنبي سوى هذه المجموعة من الرموز، هذا الحضور القوي الصارم  الإجباري ؟، ما هي الدولة سوى هذا العلم الذي يرفرف على بناية رسمية، هذا الشرطي في مركز مفترق الطرق، هذا الدركيّ عند مدخل المدينة أو ذلك الموزع الأنيق ؟ في هذا الفاتح من مارس 1979لا شيء من هذا كان موجودا في طهران، كما لو أن الدولة قد تمت تصفيتها حتى في أبسط مظاهرها! رغم ان الجو العام يوحي ان كل شيء يسير على ما يرام في الحياة العامة أو العادية، وهذا على الاقل ما تراه عين الاجنبي.

نعود هنا مؤقتا الى ثورتها وهمومها اليومية، ترى نشاطا كبيرا في الشوارع وخاصة شوارع العاصمة الآهلة بالسكان.” تشادور” المعروف يذكرنا بـ”الملاية” في الشرق الجزائري لكن بلا نقاب، المحلات مفتوحة والواجهات الزجاجية مزينة ، والسوق ممتليء عن آخره بالأسماك والخضر والفواكه ، لا تجمعات ولا استعراضات، إلا أن هناك آلاف من الشرائط و الرايات المعلقة والكتابات الحائطية.
لكن بالمقابل،ما يلفت الانتباه ويشد النظر،هو تجارة الكتب ووفرتها، جبال من كتب معروضة، حتى على الأرض وفوق الأرصفة، بين كل مائة متر وفي كل زاوية من الشارع… ما يدعو للاعتقاد انه كان ممنوعا وغير موجود من قبل ، كالثمرة المحرمة من بين ثمار كثيرة ، والأمر الذي لا يُختلف عليه:أن الشاه لا يسمح إلا بقراءة ما يريده هو، لقد اندهشنا ونحن نجد امام اعيننا كتاب “وجهة العالم الاسلامي” لمالك بن نبي رحمه الله مترجما الى الفارسية تحت عنوان ” مستقبل الاسلام”.
صادفنا حواجز من أكياس الرمل في بعض النقاط من المدينة ، كان من الصعب ان نتصور انه قد دارت حرب شوارع عنيفة هنا في طهران منذ خمسة عشر يوما، هذا المظهر غير مألوف،و لنتذكر حال شبيهة لغياب عناصر الامن عندما غرقت نيويورك في الظلام مدة 24 ساعة،كانت النتيجة أن سجلت ارتفاعا استثنائيا للجريمة. لم نفهم ما اعتقدناه دلالات عن بلد بلا سلطة إلا لاحقا: إعادة الاعتبار لمفهوم “السلطة” لم يختفي، بل ارتقى، لقد استبدلت المظاهر القانونية بالمظاهر الروحية، ونقلت آثارها إلى ميدان الروح، لقد أصبح واقعا روحيا، ظاهرة وعي، نظرية سقم الدولة وجدت لها ربما تجسيدا لفترة في ايران من جهة، ومن أخرى، نفهم ما كتبه رينيه غينون” الثورة الروحية والسلطة المؤقتة” .
انهكنا و سئمنا من البحث عن العنوان الذي لن نعثر عليه أبدا، فقررنا العودة إلى الفندق،وعلى اية حال، لم يبق لنا سوى الاتصال برقم الايراني علي مغتكد Ali Moghtakedالذي اعطاه لنا يوم التقينا في باريس. كان هدفنا واضحا: أن نتجنب بجميع الاشكال السقوط في روتين السياحة،البحث عن اكبر عدد ممكن من الاتصالات،لمس الحقائق،مراقبة الداخل… فلا يمكن ان نحلل روح ثورة في غرفة فندق، ولا ان نكتفي بمطالعة ما تكتبه الصحافة وتجميع المعلومات من بيانات فلان أو علان، هذا لا يكفي ،في الفندق لم يطلبوا منا وثائق ولا دفع مسبق، علي مغتكد الذي كان من المفترض ان يلتحق بايران أياما قبل وصولنا وصل أخيرا، و حدد لنا موعدا لليوم الموالي وحتى نكون في أمان أكبرالى ذلك، فقد حجزنا غرفتنا.
من المفترض اليوم ان يذهب الخميني ليقيم في مدينة قم( تُنطق “غوم” بالفارسية”) ، تابعنا عبر الاخبار المتلفزة على الساعة الثامنة والنصف تدخلا له بعد وصوله، عن شكل خطبة فقد كانت مختصرة- الخميني دائما دقيق في خطاباته- يتابع خطابه بنفس نبرة الصوت، فلا تغيير ولا صراخ، من حين لآخر يرفع ذراعه نحو الاعلى وليست هذه اشارة تبجح بالشجاعة ولا تحد كما هو مألوف عند الديماغوجيين والزعماء الجهلة ، لكن يفعل ذلك ليؤكد على معنى معين، بالنسبة لباقي الخطبة فقد استمعنا جيدا لكنا لم نفهم شيئا. على الساعة الحادية عشر سمعنا طلقات نار، ربما لم تصل الامور الى نهايتها بعد…
في اليوم الموالي وعلى الساعة العاشرة جاء السيد علي إلى الفندق بصحبة شخص آخر . وهو الحسين موسوي Hussein Mussawi ، مهندس في الميكانيك صاحب الثانية والثلاثين لقد أمضى ثلاث سنوات في فرنسا وهو الذي سنعتمد عليه كثيرا: فقد أنزلنا وسط عائلته. كان جد متواضع وكريم للغاية، هو الذي كان يقوم بترتيب الاتصالات مع الشخصيات التي نود زيارتها ويقود السيارة في تحركاتنا، وأعاننا في الترجمة عندما كنا نتواصل مع من لا يفهمون الاّ الفارسية، فهو يتكلم الفرنسية بشكل واضح ويفهم إلى حد ما العربية وإن كان يجد بعض الصعوبات عندما يتكلم او يجيب بلغتنا،يجب القول أن العربية هي ميزة العلماء عندهم.
بعد الترحيب و التعارف، طلبنا منهم أن يقودونا الى مكتب طبيب، لأنني أصبت عشية انطلاقنا بالتهاب حاد في الرئتين، و لأن احد اخوة علي يعمل طبيبا اقترح علينا ان نذهب إلى المستشفى حيث يعمل، في النهاية هي عيادة او مستوصف يحرسه شاب يرتدي بنطالونا يحمل شكل جلد الفهد وسترة عادية، كان لديه خنجرا في الجانب وسبحة باليد ، قدموا لنا الشاي( الذي هو عادة الايرانيين. فقد أسكرونا به)،حكى لنا كيف انتقل من عامل لدى سيتروين ليصبح حارس مستشفى .كان ذلك أيام الجحيم يوم كانت مخابرات السافاك SAVAK تجهز على الجرحى وهم في فترة النقاهة، مسجد الحي وجهّه لهذا المكان حتى يسهر على امثال هؤلاء.الزي الرسمي (و اخيرا صادفنا زيّا رسميّا موحدا!) الذي يرتادونه في المستشفى ازرق،كان العتاد قليلا أو تقريبا منعدما، لكن الممرضين كانوا نشيطين،مثابرين مرحين ، أخو علي قام بفحصي وحقني بالبنسيلين، ثم وصف لي الدواء، وبعدها مباشرة دعانا للغذاء عنده.
قبل قليل، عندما كنا عند السيد الثوري الذي اقترح علينا الشاي، لاحظنا أنا وعبد الرحمن غياب معالق صغيرة لنحرك بها السكر في الشاي، فشربنا الشاي من دون سكر ظنا منا أنهم نسوا المعالق، لكن عند أخ علي انفجرنا نحن الخمسة من الضحك: هم عندما رأونا نرتشف شايا بلا سكرمكرهين، ما اعتقدناه في المستشفى أنها مسألة نسيان كان في الحقيقة عادة ايرانية انهم يقومون بوضع قطع السكر في افواههم بدل ان تذوب في السائل. فلا حاجة للمعالق وكانت طرفة مضحكة.

سيغادر السيد علي العاصمة طهران ليذهب إلى مسقط رأسه، ومن الان سنبقى مع السيد حسين، وخلال ساعات من تعاملنا معه اعطانا انطباعا وكأننا نعرفه منذ زمن. كلما حاول احدنا أن يشكره او اشعره بإثقالنا عليه كان يستشهد دوما بالآية القرآنية ” إنما المؤمنون اخوة ” والله وحده يعلم كم أتعبناه، الاخوة الاسلامية في ايران ليست كلمة هكذا تلاك بالألسن، بل هي حقيقة متحركة، ومما أدهش حسين – بإعترافه هو- ان يعرف أننا أتينا من بلد بعيد وفي ظروف كهذه فقط لـ” لنرى هذا” .وفي الاخير، يحب ان نتذكرالإجلال الذي تتمتع به “ثورة المليون شهيد” لديهم، سيشرح لنا فيما بعد السيد مخالفة، الملحق الثقافي للبعثة الجزائرية هذا الامر من خلال امثلة بليغة، أما بالنسبة لنا، فعلامات هذا التقدير العظيم والمخلص ستظهر لنا حيثما ذهبنا وعلى كل مستويات اللقاءات،في أشكال جد مؤثرة، لم يكن علينا ان نظهر أوراقنا لأحد،ولم ترفض استقبالنا اي شخصية طلبنا لقاءها. كل الناس يسألوننا باهتمام واصرار عن بلدنا، انجازاته، اوضاعه السياسية…
وضعنا مع حسين برنامج زيارات واتصالات يتماشى حسب مدة الرحلة: نبدؤه بزيارة مساجد عديدة، جامعة طهران،مقر الاذاعة والتلفزيون، مركز العمليات والبحث للعملاء الجدد والقدامى للسافاك، مركز الشباب الذي تديره منظمة “مجاهدي خلق إيران”، وكذا رئاسة الاركان للمنظمة البهلوية السابقة، و”حسينية الارشاد” حيث كان ينشط الدكتور علي شريعتي قبل نفيه ثم اغتياله في لندن ، معهد العلوي حيث أقام أية الله الخميني مدة ، محل المقر العام لآية الله تاليغاني، مقر”صحيفة طهران” للمستقلين الذين انشأوا مجمعا للصحافة” et- Taleaãt” واخيرا المتجر العام المشهور. هذا في طهران. أما في مدينة قم، سنقوم بزيارة مسجد” الفايزية” و مقر ” دار التبليغ الاسلامي” و ” الفاطمية” والمقر العام لآية الله شريعة مداري، وبعض المكتبات الخاصة والعامة ومعاهد التعليم الاسلامي.
أما بخصوص اللقاءات فسنلتقي أساسا بـ:مسؤولي المساجد، “الملالي”، الطلبة والإطارات، مدير التلفزيون،مؤسس “الحزب الجمهوري الإسلامي”، السيد بهشتي،الفيلسوف جعفري،عضو اللجنة المركزية التي تدير شبكة المساجد،ثلاثة مسؤولين من “مجاهدي خلق”، وفي الأخير، عضو من الحكومة الحالية الذي سيصبح هو الممثل السامي لآية الله الخميني “السيد باني الصدر”. وللإشارة أيضا، في طهران، هناك مؤتمر حوار بين الأساتذة وطلبة معهد العلوي، ومؤتمر آخر للنساء في مسجد بضواحي جنوب طهران، وفي قم حيث سنبقى هناك ستة وثلاثين ساعة فقط ، سنتحاور خصوصا مع البروفيسور والكاتب كسروشاهي Khosrochahi الذي زار الجزائر مرات عديدة.
من خلال هذه المقابلات المتعددة واللقاءات غير المتوقعة التي عشناها خلال هذه الرحلة في الثورة الإيرانية، بقيت لنا ذكريات خالدة، لكن على الصعيد الإنساني ، الذكرى الخاصة التي سنحتفظ بها دوما  كانت مع الفيلسوف جعفري الذي ألف عشرات المجلدات عن جلال الدين الرومي، والذي استقبلنا في مكتبته الضخمة ولم يستطع أن يتمالك دموع الفرح أثناء مناقشة هادفة كنا نعلق فيها على نص لنيتشه حول الإسلام.

صدر المقال في: 02 جوان 1979

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم