الرئيسية 5 اقتصاد وأعمال 5 سقوط الدولة في المركز الدولي للمؤتمرات..؟!

سقوط الدولة في المركز الدولي للمؤتمرات..؟!

د. محمد لعقاب

كان متوقعا أن الزواج غير الطبيعي بين حكومة سلال ومنتدى رجال الأعمال بقيادة علي حداد قد يوصل الدولة إلى ما حل بها في قصر المؤتمرات، عندما “أهينت” تحت الأقدام بحضور رجال مال وأعمال من الدول الإفريقية وبحضور السلك الدبلوماسي المعتمد.

علمت من أحد الدبلوماسيين الذين حضروا المنتدى أنهم عندما شاهدوا الحكومة الجزائرية تنسحب من المنتدى الذي حضّرت له طيلة أشهر وروّجت له في حملة دعائية كبيرة، ظنوا أن أمرا جلال وقع في الجزائر، لأنه لا يعقل أن تنسحب الحكومة من منتدى حضّرت له بجدية إلا لأسباب قاهرة.

وفي النهاية لم يكن السبب قاهرا، بالشكل الذي توجّسه الأجانب، لقد كان حسب رئيس منتدى رجال الأعمال علي حداد، هفوة بروتوكولية خفيفة.

لكن، في حقيقة الأمر، لقد كان سببا قاهرا فعلا، لأن الدولة بلحمها وعظمها سقطت في قصر الأمم نتيجة لزواج غير عادي وغير طبيعي دام سنوات بين حكومة سلال ومنتدى علي حداد لرجال الأعمال.

لو لم يكن السبب قاهرا فعلا .. هل تنسحب الحكومة، كل الحكومة، وتبعها كل السلك الدبلوماسي وحتى وسائل الإعلام، عندما بدأ علي حداد يلقي كلمته قبل أعضاء الحكومة وتحديدا قبل وزير الدولة وزير الخارجية والتعاون الدولي رمطان لعمامرة؟

هل يعقل أن تنسحب الحكومة لخطأ بروتوكولي خفيف وهي التي تراهن على الاستثمار الإفريقي وغير الإفريقي للخروج من الأزمة المالية الخانقة التي تعيشها البلاد بسبب تراجع أسعار النفط؟

إن الخطأ البروتوكولي يمكن تصحيحه بشكل مباشر بعد انتهاء علي حداد من إلقاء كلمته، حيث تعتذر المنشطة عن ” الهفوة ” وتدعو وزير الخارجية لإلقاء كلمته.

ولأن الحكومة ما كان يجب أن تقاطع المنتدى معلنة “فشله” منذ البداية وهي التي راهنت عليه للانتقال لمرحلة ما بعد النفط، فإن الأمر لا يتعلق بهفوة، وإنما يتعلق بأمر جلل.. هذا الأمر الجلل هو الذي أسمته بعض الصحف الوطنية “تغول منتدى رجال الأعمال” على الحكومة، إلى درجة “أهينت فيها الدولة”.

لقد لاحظ الرأي العام منذ مدة، كيف أصبح منتدى رجال الأعمال يتصرف وكأنه هو الحكومة، وكان رئيسه علي حداد يحتل المقاعد الأولى في الحكومة حتى أفضل من بعض الوزراء، مثلما حدث خلال اجتماع الحكومة بالولاة مؤخرا، كما كان علي حداد يحظى بالأفضلية من قبل رئيس الحكومة عبد المالك سلال في مختلف الزيارات الداخلية والخارجية. وحسب كثير من الملاحظين الذين كانوا يراقبون بتوجس هذا التحالف بين الحكومة ورجال المال، فقد كانوا يتوقعون منذ البداية أن تصل جماعة علي حداد للسيطرة تماما على الحكومة، وهو ما حذرت منه بعض أحزاب المعارضة مثل حزب العمال، وكان واضحا أن ذلك سيتجسد بشكل أو بآخر في القوانين المعتمدة والمشاريع المقترحة وحتى في الأفضلية في منح الصفقات وما إلى ذلك.

هذا هو السياق الذي صرنا نسمع فيه عن استفادات تبدو لنا غير معقولة، حصل عليها محيط علي حداد وعبد المالك سلال، بل سمعنا حتى تمويل بنوك عمومية لعملية تجارية قام بها هذا المحيط، كما سمعنا بعملية شراء عقارات في الخارج من قبل هذا المحيط أيضا ما يطرح تساؤلات عن كيفية تحويل المال إلى الخارج، وحتى باستثمارات في الولايات المتحدة الأمريكية، بل بتورط هذا المحيط أيضا في التهرب الضريبي حسب أوراق بنما. لكن لم يحدث أن سمعنا أي تكذيب أو تفنيد أو توضيح مقنع حتى على شبكات التواصل الاجتماعي.

إن التوضيح حصل فقط لتغطية الشمس بالغربال واتهام منشطة مسكينة لمنتدى الجزائر إفريقيا بارتكاب خطأ بروتوكولي. لكن الخطأ يمكن احتواؤه، ولو كان خطأ لما قابلته خطيئة الانسحاب من قبل الحكومة. إنه ضرب الدولة باللكمة القاضية من قبل تحالف مشبوه للمال والسياسة.

ثم هل يعقل أن “الجزائر العظيمة” ترتكب هفوة بروتوكولية كهذه، وهي التي لها باع وتجربة طويلة في تنظيم مثل هذا النوع من المؤتمرات ؟ لا وألف لا .. لم يكن ما حدث هفوة .. لقد كان إهانة للدولة برمتها.

إن رجال المال والأعمال ضرورة حيوية لكل بلد من أجل تنويع الإقتصاد وتحرير المبادرات وخلق مناصب الشغل، لكن لا يجب أن تتحول الحكومة إلى رهينة في يد رجال المال والأعمال، مثلما تعيشه حاليا حكومة سلال. ألم تبرز عدسات الكاميرا ، وفي عدة مناسبات، علي حداد وكأنه رئيس حكومة؟ ألم ينظم علي حداد جلسات عمل مع عدة وزراء وكأنه هو رئيس الوزراء؟

إن حدث هذا كما لاحظ جميع المتتبعين .. فما الذي يمنع أن يكون ما حدث في قصر المؤتمرات فعلا مقصودا وليس فعلا معزولا؟

إن الحكومة الحالية شابها كثير من الشوائب، وبالتالي لا نعتقد أنه يمكن الرهان عليها لتسيير المرحلة الصعبة التي تجتازها البلاد. تكفي الإشارة إلى الصراعات الموجودة بين طاقمها إلى درجة فقدان اللباقة السياسية. وبعض الوزراء يتصرفون في قطاعاتهم وكأنها ملكية خاصة، وبعضهم يتخذون قرارات متعجلة وغير مدروسة ثم يتراجعون عنها، بعض القطاعات هزتها الفضائح ولم تتربت عنها أي نتائج، رئيس الوزراء نفسه يلغي قانون بتعليمة ..إن معدل عمر الحكومات في العالم ثلاث سنوات ..

لقد آن أوان التغيير .. فما حدث في قصر الأمم يستحق نفضة حقيقية. إن رئيس وزراء إيطاليا، وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة الجزائرية تسقط تحت الأقدام في قصر المؤتمرات، كان ينهزم في استفتاء في البلاد، ولما فشلت مقترحاته قدم استقالته.

لقد تجرع الشعب كل .. لكنه لا يستطيع تجرع سقوط الدولة التي يعد هو أهم مكون من مكوناتها.

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم