الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 سلال يخرج للعراء:يا الخاوة رانا فلسنا!

سلال يخرج للعراء:يا الخاوة رانا فلسنا!

وليد أشرف

بعد حوالي 3 سنوات من ممارسة سياسة الهروب إلى الأمام وتغطية حقيقة الأزمة المالية، قرر الوزير الأول وحكومته “الخروج إلى العراء” والاعتراف بأن الحكومة غير قادرة على الاستمرار في ضمان “الرفاه المصطنع” وشراء السلم الاجتماعي بأموال النفط.

أستغل الوزير الأول زيارته الميدانية الأحد 29 ابريل، إلى ولاية المدية لمطالبة الجزائريين والجزائريات بـ”تأجيل المطالب الاجتماعية غير الضرورية”، كما أعترف بأن الحكومة غير قادرة على الاستمرار في تمويل انجاز المساكن، وأنها اضطرت إلى مراجعة قانون العمل لأن صندوق التقاعد كان على وشك الإفلاس، وأنها ستمول صندوق التقاعد عبر ضخ أموال صندوق الضمان الاجتماعي خلال العامين القادمين، أو ما يسمى بالتضامن بين الصناديق.

وتذكر الوزير الأول بعد أن أصبحت جميع المؤشرات في اللون الأحمر، وباتت الجزائر في وضع أقرب إلى العجز عن السداد، بأن الحكومة ترفض البيروقراطية والفساد، مضيفا:” أننا لا نرفض البيروقراطية والفساد لأسباب أخلاقية وقانونية فقط ، بل لأنها  أيضا عراقيل أمام النهضة الاقتصادية وذات أثر سلبي على أداء أجهزة الدولة وعلى الظروف المعيشية للمواطن”.

ودعا الوزير الأول عبد المالك سلال، إلى تضافر جهود الجميع في العائلة والمدرسة والعمل والإدارة والعدالة للقضاء على آفة البيروقراطية والفساد. مشيرا إلى أن الجزائريين “بحاجة إلى وعي جماعي بأننا في مركب واحد اسمه الجزائر لا يمكن أن تتحقق فيه رغبات الأفراد على حساب الحاجيات الضرورية”.

وعلى النقيض من استفاقة الضمير المتأخرة، حاولت الحكومة منذ 2014 إخفاء خطورة الوضع المالي عن الجزائريين، وتأجيل الاعتراف بخطورة الأوضاع والشروع في الاصلاح الجدي والهيكلي للاقتصاد وطرق النفاق العام الشره الذي لا مبرر له في كثير من القطاعات، وأختارت حكومة سلال طريق ربح الوقت، على أمل أن تعود أسعار النفط إلى مستويات أحسن، قبل أن يعترف الوزير الأول عبد المالك سلال، بأن عصر النفط الرخيص قد عاد وسيكون لسنوات طويلة.

إعتراف سلال وحكومته بأن النفط لن يرتفع غذا، جاء متأخرا جدا، لأن أمريكا ترامب لها حساباتها الإستراتيجية التي تتطلب أن يكون سعر سلاح النفط المستخدم ضد روسيا وإيران وبعض القوى “المارقة” في نظر أمريكا، رخيصا جدا من أجل تسريع استنزاف هذه الدول، ولأن أمريكا أيضا حققت استقلالها الطاقوي بفضل الغاز والنفط الصخري.

لقد اضاعت الحكومة حوالي 3 سنوات وكثير من الجهد والمال، قبل أن تقرر الخروج للشمس، وهي التي ترى إحتياطات الصرف تدوب مثل جبل الثلج تحت الشمس، وهي التي كانت تردد أنها – الاحتياطات – لن تنزل تحت 100 مليار دولار، على عكس تصريحات الحكومة السابقة التي كانت متمسكة بأن تبقي الاحتياطي فوق 100 مليار دولار إلى غاية 2019، كما أن الطريق نحو تخفيض عجز الموازنة لم تأتي بنتائج تحمد، فضلا عن استمرار توسع عجز ميزان المدفوعات.

 

حلول ترقيعية

في محاولة منها للملمة الأوضاع وإنقاذ ما يمكن، سارعت الحكومة وهي في حالة من التخبط، خلال الأيام الأخيرة إلى اقتراح بعد الحلول التوقيعية، ومنها تأجيل دفع مستحقات شركات الإنجاز الوطنية والأجنبية في قطاع البناء والأشغال العمومية والري، والتي ناهزت حوالي 1.5 مليار دولار، ما دفع بالأخيرة إلى التهديد بوقف عشرات المشاريع ومغادرة البلاد بالنسبة للأجنبية منها.

وأمرت الحكومة مصالح الضرائب والضمان الاجتماعي بتأجيل المطالبة بمستحقاتها على الشركات المتعثرة بفعل عدم تحصيل مستحقاتها هي الأخرى من الخزينة العمومية، ليدخل الكل في نفس الدوامة التي عاشتها البلاد عقب أزمة أسعار النفط العام 1986 والتي بدأت بهذه الكيفية وانتهت بوقف عشرات المشاريع لأزيد من 15 عاما وحل آلاف الشركات وتسريح حوالي 1 مليون عامل بداية من العام 1992.

 

احتياطي صرف وهمي

وتحت وطأة ضغوط عجز الموازنة لجأت حكومة سلال، إلى استهلاك “صندوق الأجيال” الذي كان يفترض الحفاظ عليه كحق معلوم للأجيال القادمة وهو صندوق ضبط الموارد، الذي تم تصفيته في العام 2017 وغلقه نهائيا بموجب قانون المالية 2017، بعد أن كان في مستويات قياسية ناهزت 7200 مليار دج في وقت من الأوقات.

ويعني غلق صندوق ضبط الموارد، أن جزء من احتياطي الصرف الذي تتحدث عنه الحكومة هو احتياطي وهمي وليس حقيقي، باعتبار أن الاحتياطي النقدي بالعملة الصعبة له مقابل من الدينارات الجزائرية التي كانت توجه إلى صندوق ضبط الموارد، ولكن هذه الدينارات تم استهلاكها كليا، بمعنى أن غطاء الدولارات التي دخلت إلى الجزائر ، تم استهلاكه بشكل كامل من قبل الحكومات المتعاقبة (دفع الديوان، تمويل المشاريع العمومية، دفاع… ) وهذه هي الحقيقية التي يصعب على الحكومة هضمها ولا يمكنها أيضا الاعتراف بها للمواطنين.

 

الحرب على الفساد متأخرة جدا

تذكرت الحكومة تحت وقع الصدمة النفطية وجفاف صندوق ضبط الموارد وتراجع رهيب في احتياطات الصرف وزيادة عجز الميزانية وتهديد التوقف عن السداد والعودة مرغمة إلى الاستدانة الخارجية والشروط المهينة للمؤسسات المالية الدولية، تذكرت الحكومة الحرب على الفساد والبيروقراطية.

يعرف الجميع بداية من الحكومة ذاتها، أن الحرب على الفساد في الجزائر مجرد كلام موجه للاستهلاك والهاء الرأي العام. وإلا كيف تفسر الحكومة أن بعد المشاريع تعرف تأخرا في الانجاز لـ10 سنوات كاملة بين الانطلاق والاستلام، وما يرافق ذلك من تقييم وإعادة تقييم عدة مرات لنفس المشروع الذي قد ينطلق بمليار دولار وينتهي بـ4 مليارات دولار، أي بزيادة قدرها 400%.

ثم هل تستطيع أن تكون الحكومة جادة في الحرب على الفساد وهي التي وقفت عاجزة عن وقف نهب جزء هام من احتياطي الصرف عن طريق تضخيم فواتير الاستيراد، واستيراد حاويات الحجارة من الصين مثلا، واستيراد المايونيز والكاتشوب بحجة الحرية الاقتصادية؟ وهل يمكن تصديق أن الحكومة تحارب الفساد وهي التي وقفت عاجزة عن حماية المال العام من النهب عن طريق قروض بنكية غير قابلة للسداد، حصل عليها البعض بملفات فارغة، وقاموا بتهريب المال إلى أوروبا واسيا وأمريكا اللاتينية؟ والاغرب من ذلك، هل يمكن تصديق الحكومة في قصية محاربة الفساد وهي تمنح مشاريع لرجال أعمال لا ينفدون حتى 25% منها، ولا يرد لهم طلب عندما يقولون هل من مزيد؟

لا يمكن لحكومة مثل هذه، أن تتحدث عن محاربة الفساد، وهي التي يقول الكثير من المراقبيين للشأن الاقتصادي، أنها وضعت قوانين تسمح بتسهيل الفساد والتشجيع عليه، من خلال القاعدة المعروفة 51/49، والتي أصبحت الحكومة تتدخل لتمد المستثمرين الأجانب بأسماء عائلات وأشخاص بعينهم للدخول في شراكات مع المستثمر الأجنبي لحسابات مشبوهة.

حكومة مثل هذه لا يمكن تصديقها، ولا يمكنها أن تعمل على تحويل الأزمة الحالية إلى فرص لللنهوض، أو بالأحرى لا يمكنها اقتراح حلول الخروج من الأزمة التي ستكون أعنف من أزمة 1986 في حال أستمر الحال هكذا، وعليه ستكون أحسن خدمة تقدمها هذه الحكومة للجزائريات والجزائريين، هي الاعتراف بالفشل وترك المجال للكفاءات الحقيقية للمشاركة في إنقاذ “باخرة الجزائر” من الغرق.

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم