الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 شكيب خليل والزوايا.. بُعبُع بوتفليقة الذي يُرعب فرنسا

شكيب خليل والزوايا.. بُعبُع بوتفليقة الذي يُرعب فرنسا

abdelkader habibiعبد القادر حبيبي*

أقامت بعض الأحزاب والشخصيات السياسية الدّنيا ولم تُقعدها على الزوايا ودورها في الحياة السياسية في الجزائر، في المدة الأخيرة، واتهمتها بالانحراف عن مهامها الرئيسية، وكأننا بهذه الجهات تجهل تاريخ الزوايا في الجزائر، ودورها الكبير على مرّ التاريخ في محاربة الظلم والتسلط، والاستعمار، وكذا دورها التقليدي في نشر تعاليم الدين الإسلامي السمحاء البعيدة عن التطرّف والمُغالاة، فالزوايا ولمن يجهل تاريخها، هي نتاج للتشبع بتعاليم الزهد والتصوف، وهي الصفات التي تميّز بها رسولنا الكريم محمد صلّى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون والصحابة الكرام رضي الله عنهم. فالزوايا الأصيلة مرجعيتها بالأساس القرآن والسنة النبوية الشريفة، والتصوف الذي يُعدّ أهمّ ركيزة في فكر الزوايا، يصنفه الباحثون على أنه شكل من أشكال الثورة على الانحرافات التي طالت نظام الحكم بعد الخلفاء الراشدين.

هنا يتوجب علي أن أُذَكر بأن المسلمين أطلقوا على الخليفة عمر بن عبد العزيز لقب الخليفة الخامس، دون غيره من الخلفاء الأمويين والعباسيين، لأنه كان عادلا وزاهدا في الحياة، ولم تغرّه ملذات الدنيا ونشوة الحكم، وبالتالي فإن الفكر الإسلامي في عمومه والتصوف بشكل خاص، كان يُقدّس كل حاكم عادل، متواضع، غير متسلّط، ولن أخوض كثيرا في هذا الجانب، لأن الحديث عنه طويل ولا يتسع المقام له، لأن هدفي بالأساس كان مجرّد التأكيد مجددا على أن العمق الفكري والحضاري للزوايا، يضرب بجذوره إلى زمن الرسول صلّى الله عليه وسلم، وصحابته رضي الله عنهم، فكر كان ولا يزال يرفض الانحراف بالدين الإسلامي عن مقاصده النبيلة والإنسانية، وبالتالي فالزوايا كان مفروضا عليها إبّان الاستعمار الفرنسي أن تنخرط في المجال السياسي، وتُساهم في تأطير ومُرافقة ثورة الشعب الجزائري، منذ الأمير عبد القادر وإلى غاية نيل الاستقلال.

وعلى ذكر الأمير عبد القادر، فإنه كان متشبّعا بالفكر الصوفي، لأنه عاش في وسط يحترم الزوايا، ودورها في تأطير الناس وجعلهم متشبثين بالدين الإسلامي الصحيح، وهنا كذلك أتوقف عند الحقبة التي تأسست فيها جمعية العلماء المسلمين في الجزائر بدعم من الاستعمار الفرنسي، وهي الحقبة التي ظهر فيها الفكر الوهابي في المملكة السعودية، هذا الفكر الذي شكّل أكبر طعنة للإسلام إلى يومنا هذا، ففرنسا كانت تعي حجم الخطر الذي تُشكّله الزوايا على وجودها في الجزائر، وبالتالي حاولت تقزيم دورها، وشجعت البادسيين الذين كانوا يدعون آنذاك إلى الاندماج مع فرنسا، وفي الوقت نفسه، عملت على استقطاب بعض الزوايا، وجرّها إلى مُساندتها وهذه حقيقة لا يمكن إخفاؤها، لكن الزوايا الأصيلة استمرّت في نضالها ضد الاستعمار الفرنسي، وهنا أذكر على سبيل المثال لا الحصر، زاوية الشيخ البودالي بتاخمارت بولاية تيارت التي كانت تتبع للولاية التاريخية الخامسة، والتي لعبت دورا أساسيا في دعم وتمويل الثورة الجزائرية، بشهادة الرئيس الراحل هواري بومدين، وبشهادة والدي رحمه الله السي الميلود حبيبي، الذي أكد لي بأن هذه الزاوية كانت تجمع مبالغ طائلة لدعم الثورة، وترسلها إلى قيادة الأركان بوجدة بالمغرب، لكن المفارقة العجيبة، أن مقرّ هذه الزاوية تمّ تدميره خلال العشرية السوداء من طرف الإرهابيين.

ولا أنسى هنا كذلك دور الزوايا في منطقة القبائل، والذي كان حاسما في تحريك عجلة الثورة، على اعتبار أن غالبية قادة الثورة من هذه المنطقة كانوا ينحدرون من الزوايا وأذكر على سبيل المثال، الزعيم التاريخي أيت أحمد، العقيد أوعمران، يازوران، عميروش، محند أسي سعيد…وغيرهم، فكل هؤلاء قدموا من الزوايا والتحقوا بحزب الشعب الجزائري بقيادة ميصالي الحاج، وبعده بالثورة المًباركة.

الزوايا الجزائرية الأصيلة، تعرضت وللأسف بعد الاستقلال إلى تحجيم كبير لنشاطها، ما يُعتبر بحق نكرانا لدورها الريادي إبان الثورة على وجه التحديد، لكن مع مجيء الرئيس بوتفليقة الذي عايش هذه الزوايا عن قرب بحكم موقعه القيادي في قيادة أركان الثورة، استعادت الزوايا الأصيلة دورها، وساهمت بقوة في استعادة السلم الاجتماعي، ومحاربة الفكر الإرهابي، وبرأيي أن الزوايا لعبت دورا أساسيا في تجنيب الجزائر ويلات “الربيع العربي”، وهو ما لا يعترف به لها بعض أشباه السياسيين الذين باتوا يتحاملون عليها اليوم، لأن بعض الزوايا استقبلت الوزير السابق شكيب خليل، الذي تعرّض هو الآخر إلى حملة تشويه غير مسبوقة من قبل أحزاب وشخصيات سياسية، لا لشيء سوى لكونه هدّد ولا يزال مصالح فرنسا وبيادقها في الجزائر، لأن خبرته وعلاقاته الدولية تُمكنه من جعل الجزائر قوة اقتصادية إقليمية، وهذا ما لن ترضى عنه فرنسا وبيادقها والمافيا التي لا تزال تحلب البلاد، لأنه وببساطة فكّر في جعل الجزائر ككوريا الجنوبية خلال فترة حكم الرئيس بوتفليقة.

الأمر المثير للضحك هو أن هذه الأحزاب والشخصيات السياسية، يبدو أن فكرها قد تجمّد في قضية شكيب خليل وزياراته للزوايا، وحوّلتها بالتالي إلى أهم قضية وطنية، وكأن البلاد قد حسمت مع كل أزماتها السياسية والاقتصادية وغيرها، هذه الطريقة في التعامل مع الزوايا والوزير السابق شكيب خليل، تكشف إلى أي مدى أصبحت الممارسة السياسية عندنا بهلوانية، فالجهات التي تتحرش بشكيب خليل والزوايا، بهذا الشكل العنيف، وتستعمل بالتقريب نفس الأطروحات والمصطلحات، يبدو أنها تتلقى الأوامر من جهة واحدة، وغالب الظن أنها “الأم فرنسا”، فرنسا التي حطمت كل البروتوكولات والأعراف الدبلوماسية، بشنها لحملة إساءة لرموز الدولة الجزائرية وعلى رأسها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي يُعتبر شكيب خليل من أهم رجالاته الذين عوّل ولا يزال على خدماته المتميزة لتحريك عجلة التنمية في البلاد، وبالتالي فإن تكالب فرنسا وبيادقها في هذا الظرف بالذات، يُؤشر بوضوح على أن الجزائر مُقبلة على مرحلة حاسمة في تاريخها، لن تروق للفرنسيين على أية حال، لذلك فإن الحملة المسعورة على الرئيس والزوايا وشكيب خليل، ليست مجانية على الإطلاق، ولن تتوقف في القريب العاجل، لأن الفرنسيين يعرفون جيّدا أن الجزائر تعيش اليوم مخاضا كبيرا، قد ينتج عنه وضع جديد سوف لن يخدم مصالحهم ومصالح بيادقهم، وهم بالتالي يعملون على مُضاعفة التشويش لا غير، ليقينهم أن قرار التغيير قد أتخذ ولا رجعة فيه، وبذلك فإن حملات بيادقهم في الداخل لن يكون لها أي تأثير، بل بالعكس ستكون عواقبها وخيمة عليهم عندما يطلع الشعب الجزائري على حقيقة ما جرى، ويعرف أن بعض الجهات التي كان لها نفوذ كبير في السلطة هي من شيطنت بعض رجالات الرئيس والزوايا، لتقديم الجزائر على طبق من ذهب لفرنسا.

 

 (*) محام وخريج معهد الدراسات الدبلوماسية والإستراتيجية بباريس وضابط سابق بالجيش الجزائري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم