الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 “صراع” سعودي قطري لتبييض وجههما الدموي

“صراع” سعودي قطري لتبييض وجههما الدموي

زكرياء حبيبي

حاول بعض المحللين ربط قضية إطلاق سراح سيف الإسلام القذافي نجل العقيد الراحل، بما يجري من صراعات في منطقة الخليج بين السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة، ودُويلة قطر التي شكّلت رأس الحربة في تنفيذ مؤامرة الربيع العربي، ورأوا في قضية إطلاق سراح سيف الإسلام انقلابا صريحا على قطر ومُحاولة لتقزيم دورها أو ربما إلغاؤه تماما، ما سيُشكل انقلابا في موازين القوى بالمنطقة العربية ككل.

هذه المُقاربة صحيحة إلى حدّ ما، إلا أنها لا تُجيب على كل الأسئلة المطروحة بشأن الأسباب الحقيقية لاندلاع صراع غير مسبوق بين “الأشقاء” الخليجيين، الذين شكّلوا في بداية “الربيع العربي” الأدوات الرئيسية لتجسيد مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي أعلنت عن ولادته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس، وأسست له من خلال اعتماد سياسة الفوضى الخلاقة، فبعض أمراء ومشايخ الخليج، ومعهم تركيا الأردوغانية، توهّموا في البداية أن الإدارة الأمريكية قد خصّتهم بدور جوهري واستراتيجي، ستكون فوائده كبيرة عليهم، لذا رأيناهم يتنافسون في تقديم الولاء للأمريكي ومن ورائه الصهيوني، ويفتحون خزائنهم لتمويل المؤامرات الصهيو-أمريكية، وكلهم ثقة بأنهم سيكونون بمنأى عن كوارث الربيع العربي، بل وكانوا على ثقة عمياء بأن المشروع الأمريكي سينجح، لكن الغريب في منطق العربان، أنهم لم يفككوا شفرات هذا “الربيع العربي”،ولم يتمكنوا من معرفة مراميه وأهدافه الحقيقية والمسكوت عنها، فالإدارة الأمريكية على عهد الرئيس أوباما، كانت تُراهن على جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، للقضاء على كل الأنظمة المُمانعة أو التي قد تلتحق بمحور المُمانعة، ولذلك قدمت الرئيسين التونسي بن علي والمصري حسني مبارك قربانا لمشروعها هذا، كما سمحت للإسلاميين بالوصول إلى السلطة في المغرب، وشجعت على إقامة حلف –ضدّ الطبيعة- بين الإسلاميين والجماعات التكفيرية وحتى العلمانيين، الأمر الذي كان يُوحي بأن أمريكا تريد خلق حلف شيطاني لتحقيق غايات محددة، أهمّها تدمير سوريا والعراق، ومُحاصرة إيران، وإبعاد الدب الروسي عن لعب أي دور في المنطقة، وفي الوقت نفسه تعزيز أمن إسرائيل، وهو الهدف الإستراتيجي للأمريكيين والصهاينة، لكن بما أن المشروع الشيطاني هذا لم ينجح في تحقيق أهدافه الرئيسية، بل بالعكس من ذلك كلّه عزز التواجد الروسي والإيراني في المنطقة، فبالضرورة أن يلجأ الأمريكيون إلى الخطة البديلة، وهي الخطة التي بدأنا نرى بعض تفاصيلها فيما يحدث بمنطقة الخليج، فالزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، شكلت البداية الفعلية للإنطلاق في تنفيذ الخطة الجديدة، حيث وبدون سابق إنذار خرجت علينا السعودية والإمارات والبحرين ومصر، بقرارها المشترك القاضي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، وفرض “حصار” جوي وبحري وبري عليها، لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل إن الدول المذكورة أصدرت لائحة بالمنظمات والشخصيات الداعمة للإرهاب، والممولة من قبل قطر، ولم يكن بريئا على الإطلاق إقحام حركة حماس وحزب الله في قائمة المنظمات الإرهابية، وهما من عملت إسرائيل المستحيل للقضاء عليهما، لكنها اليوم تجد نفسها معفية من الدخول في مواجهة مباشرة معهما، ما دام أن الأعراب هم من سيتكفلون بمحاربتهما، فالحلف السعودي الجديد ضدّ قطر، اشترط لرفع “الحصار” عنها فك ارتباطها بالجماعات والشخصيات “الإرهابية” وبرأيي أنه يكفي فقط أن تعلن قطر طرد هذه الشخصيات ووقف تمويل حزب الله وحماس، لينتفي سبب “الحصار”.

لكن المسكوت عنه في هذا السيناريو الشيطاني بامتياز، أن السعودية التي صرفت المليارات من الدولارات لتدمير سوريا والعراق، والتي تحالفت بشكل مفضوح شأنها شأن قطر وتركيا مع القاعدة وداعش، وباقي الجماعات الإرهابية، نراها اليوم على رأس الدول الداعية لمُحاربة الإرهاب، أي بعبارة أخرى أن هذا السيناريو هدفه الرئيسي تبييض الدور السعودي في سوريا والعراق واليمن، وفي الوقت نفسه إيجاد المخارج الآمنة لقطر وتركيا ومن سار من حلفائها في ركب الداعمين للإرهاب،وعملية التبييض هذه لا يمكن أن تتم بقرار أمريكي أو أوروبي فقط، بل من خلال إستراتيجية شاملة، تُعيد رسم الخرائط من جديد، والتضحية ببعض الأدوات، ولذلك لا أستبعد أن يعمل الحلف الشيطاني على تنفيذ انسحابات هادئة من سوريا والعراق وليبيا،وحتى من مالي واليمن، للتغطية بشكل كامل على فشله من جهة، ولتمرير مشروعه القاضي بحصار حركات المقاومة للاحتلال الصهيوني، وبرأيي دائما أن ليبيا لا مخرج لها في الوقت الراهن إلا بإعطاء دور كبير لسيف الإسلام القذافي لإعادة ترتيب البيت الليبي، بالنظر إلى الدور الذي لعبه في عهد والده لتكريس المصالحة بين الليبيين، ودمقرطة مؤسسات الدولة، وهنا نشير إلى أن تراجع أمريكا والغرب عن قلب الأنظمة بالتحالف مع الإرهابيين، أصبح مطلبا ملحا، خاصة بعد انتقال الإرهابيين إلى تنفيذ عملياتهم الإجرامية في قلب أوروبا، وليبيا شكلت أهم مركز لتدريب الإرهابيين وأهم معبر لهم باتجاه أوروبا، وبالتالي فإن إطلاق سراح سيف الإسلام القذافي قد يندرج في إطار هذا المسعى، الذي بدأنا نرى كيف بدأ يتجسد بقوة خاصة مع وصول القوات السورية إلى الحدود مع العراق، وهو ما كان يُواجه في السابق بالفيتو الأمريكي، والحال كذلك فإننا ننتظر حدوث انقلابات عميقة في سياسة الأمريكيين في منطقة الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه لا أستبعد إعلان نهاية الصراع بين الدول الخليجية بعد أن حولها السيناريو الأمريكي الصهيوني إلى دول محاربة للإرهاب.