الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بين الفكر والسياسة 5 فرضيات التغيير في العالم العربي

فرضيات التغيير في العالم العربي

بقلم:نور الدين بوكروح

ترجمة :عبد الحميد بن حسان

 

إنّ الثورات العربية من أجل الديمقراطية جاءت متتابعة ومتشابهة في بداياتها، لكنها سرعان ما اختلفت في نهاياتها. وبالمثال يتّضح المقال، فلو نظرنا إلى البلدان التي لم تنفجر فيها الثورة كالجزائر والسودان ومملكات الخليج نجد أنّ حكام هذه البلدان قد تابعوا أحداث الثورات مثل جميع الناس ولاحظوا أن الاضطهاد والقهر لن يزيد الطين إلاّ بلّةً. هل يعني ذلك أنهم أخذوا الدروس من هذه الأحداث التي ستقع عندهم بكل تأكيد إنْ آجلاً أو عاجلاً؟ هل بادر هؤلاء الحكام بالبحث عما يجب القيام به بغية حماية بلدانهم من مثل هذه المآسي؟ هل هم بصدد توظيف ذكائهم الخارق في سرية تامة داخل دهاليز قصورهم من أجل تفادي الثورات، أم أنهم يكتفون بترديد عبارة “الله يستر” مُهمهمين والتسبيحة في أيديهم، وهم مستعدّون بتكرار ما قام به قبلهم ابن علي ومبارك والقذافي وعلي عبد الله صالح.

 

كان الأول من هؤلاء أصمّ، والثاني أعمى، والثالث هستيريا، والرابع مُصابا بالتّوحّد. إنهم إلى حد الآن يتمتعون بالسمع والرؤية والعقل والصحة الجسدية الكافية. وما أتيح لنا أن نلاحظه إلى حدّ الآن أن هذه الأنظمة التي تعالت ضدها الأصوات المناوئة تتصرّف وكأنها محكوم عليها بالمرور بنفس المراحل: مظاهرات، قمع، خطاب خارج زمانه… وهذا ما رأيناه في سوريا: عندما تجاوز عدد الضحايا المائة تنازلت السلطة برفع حالة الطوارىء، وقبول التعددية الحزبية وحرية الصحافة ورفع الأجور… لكن، لماذا لم تقُمْ بكل ذلك قبل أن تسيل الدّماء؟

 

إنّ السيناريو الذي حدث في تونس هو نفسه الذي حدث في مصرمع بعض الاختلافات الطفيفة. ذلك أنّ وجود دولة قوية وجيش منظم في هذين البلدين هو الذي ساعد على تفادي انزلاقات وخسائر بشرية أكثر فداحة. فالقوات المسلحة، على عكس الشرطة، لم تُطلق النار على المتظاهرين وقادتهم، بل إنها نزلت إلى الشارع كي تتكلم معهم، وهذا شيء غير مسبوق. إنّ القوات المسلحة قد وقفت إلى جانب الشعب، أما انتشارها فيُبرره حرصُها على أمن المواطنين. بقيت تلك القوات متحدة تحت قيادة واحدة، وهناك عدة أطراف تعتقد أنها لعبت دورا في إقناع المستبدّين بالرحيل تفاديا للمآسي الكبرى التي تهدد البلد. بل إن ذلك هو عين الصواب: فمن السهل حمل شخصٍ أو عدة أشخاص على الرحيل، لكن من الصعب ترحيل شعبٍ عقد العزم على التغيير. والحقيقة أنّ الدبابات لم يكن لها وقع على النفوس، والدليل على ذلك أن المتظاهرين كانوا يكتبون بواسطة رذاذ الصبغ (spray) شعارات على تلك الآليات العسكرية، وكانوا يصعدون فوقها لإبراز تآخيهم مع أطقم الدبابات، بل إنهم كانوا يتمددون تحتها لمنعها من التّحرّك. وفي بنغازي شوهد ثُوّار يلعبون في الشارع مع الدبابات كما يلعب الصبيان بالسيارات الصغيرة في حظائر التسلية.

أمّا السيناريو الثاني فهو ذلك الذي كان اليمن وليبيا ساحة له. ففي ليبيا التي لم تكن فيها دولة مُهيكلة وجيش كلاسيكي لم نُشاهد وحدات لقوات مُكافحة الشغب، ولا قنابل مسيلة للدموع، ولا عِصِيّ، لكنها كانت دبابات وقاذفات RPG7 وقصف جويّ منذ الوهلة الأولى. فتطوّرت المُظاهرات بسرعة إلى مُواجهات مُسلّحة، تَلاها انسحاب شبه جماعي من الفريق الحكوميّ ومن الهيئة الديبلوماسية. وبعد ذلك كانت الحرب، و تأسيس المجلس الوطني الانتقالي، وتقسيم البلد، وأخيرا جاء التّدخّل الأجنبي. ولم يستفد القذافي من تجربة ابن علي وحسني مبارك التي كانت حديثة العهد، بل قدّر أنّ تجربة صدام حسين أكثر قربا من البطولة، أي: البقاء في الحكم إلى النهاية، إلى أن يتحطّم البلد، وإلى أنْ يُلقى عليه القبض في حفرة، ويُجرى عليه الفحص الطبي السريع، ثمّ يُشنق.

أما في اليمن فإنّ القمع لم يتخذ مجرى كارثيا حتى جاء اليوم المشؤوم، الجمعة 18 مارس، حيث تمّ إعدام ستين متظاهراً دفعةً واحدة، ممّا أدّى إلى موجة من الاستقالات الوزارية، واستقالة ضباط سامين في الجيش، وديبلوماسيين، ونواب وشيوخ قبائل، موجة أكثر قوة من التي شهدتها ليبيا. أمّا علي عبد الله صالح الذي أفلتت الأمور من يده، وفقدت دولته ركائزها، وصار حزبه خاليا من المناضلين، فقد راح يُردد عبارات الوعيد التي سُمِعت من فم القذافي وابنه: إنّ الشعب مُسلّح، والمجتمع قبليّ، فالحرب الأهلية أمر حتميّ، وسيتحلل البلد… كان المستبد الطاغي يفكر في كل الاحتمالات وراح يفكر في كل الكوابيس، لكنه لم يفكر في أحسن مخرج له، وأقل الحلول ضرراً، وأقلها تكلفة للجميع، ذلك الحل هو أن يتخلى عن الحكم ويرحل. أما الاقتراح الذي قدّمه بتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية في آخر السنة، فلمْ يلْق قبولاً.

صحيح أنّ اليمن مجتمع قَبَليّ، لكنّ ما كان يُطالب به المتظاهرون بإلحاح منذ البداية هو الوحدة الوطنية والديمقراطية. إنّ الثورة لم تولدْ في القبائل، بل ظهرت في ساحةٍ عمومية. إنّ القبائل هي التي أقبلتْ على الثورة، والأشخاص هم الذين اعتنقوا الفكرة وانضووا تحت لوائها. وتلك الفكرة هي الديمقراطية، والجمهورية، وحكم المؤسسات، والحريات. لقد تظاهر شيوخ القبائل في ” ساحة التغيير ” لكي يُساندوا مطالب الشباب ويُعبّروا عن التفافهم حول مبادىء الوحدة ومبادىء الديمقراطية التي نادت بها الثورة. أعلن شيوخ القبائل انضمامهم إلى شباب لا يملكون قيادة أركان ولا أية وسائل. وموعد الشعب في ظروف الثورة هو الشارع. ففي العراء يُقيم، وتحت نجوم السماء أو تحت الخيام ينام. إنه يستقبل المباركات والتهليل ووسائل الإعلام في الشارع. أما المستبد الطاغي فهو لا يزال مُقيما في قصره الذي راحت أروقته تخلو من أهلها باستمرار.

إنّ السلطة في كلّ من ليبيا واليمن قد شجّعتْ النظام القبَليّ لأنّها لم تكن تتصوّر لنفسها من دور غير فرض نفسها كَحَكَمٍ بين الرعاع، وكحارسة للمعبد، وكضامنٍ للاتّساق والاستقلال الوطنييْن. والحالُ أنّ القبائل، وقادة الحرب، والأئمة والجنرالات قد انضمّوا جميعاً إلى المطالبة الشعبية. إنّ القاعدة الذهبية التي يعرفها المستبدّون العرب كلّهم، والتي تلفّظوا بها آلاف المرّات في خُطبهم هي ” فرّقْ تسُدْ “. وعمدوا إلى إقناع شعوبهم بأن البلد بدونهم سينغمس في الفوضى والحرب الأهلية ثُمّ يتعرّض للغزو الأجنبي الذي سينهب ثرواته. كان ذلك هو أقوى سلاح في أيديهم، وحجتهم الرئيسية لمنع ظهور أية حياة سياسية ديمقراطية. أمّا مبدأ ” عدم التّدخل في الشؤون الداخلية ” الذي كانوا يتشبّثون به فهو الستار الذي يتسترون به عن الفظائع التي يرتكبونها والنّهب الذي تعوّدوا عليه وركونهم إلى توريث الحكم لسلالاتهم. وقد طال تَشدُّقهم بـ  ” تقرير الشعوب لمصائرها “، لكنْ عندما أرادت تلك الشعوب أنْ تُقرر مصيرها بنفسها، وأنْ تسترجع سيادتها، وتختار حُكّامها، لم يكن منهم إلاّ القمع بالرصاص الحيّ والقصف الجوّيّ.

وإنها أول مرّة في تاريخ الثورات نشاهد فيها القيادات العسكرية في بلدٍ ثائر تنشق عن السلطة وتنضمّ إلى المتظاهرين. ففي مصر وتونس انضمت القوات المسلحة بكاملها، وفي اليمن وليبيا في معظمها، إلى صف المتظاهرين واعترفت بأنهم يمثلون الشرعية الشعبية. ولم تلجأ تلك القوات المسلحة إلى المناورة من أجل الاستحواذ على ثمرة بطولة الشعب وتضحياته، كما لم تتقدم كبديل عن المستبد المخلوع. اندمجت تلك القوات في الجماهير التي هي خارجة منها، والتي كانت في الأصل خادمة لها رسميا، لكن ليس واقعيا.أمّا الآن فقد صارت خادمة لها بالفعل، وهي مستعدّة لتصفية حساباتها مع المستبدّ ومع الذين بقوا أوفياء له. وعن قريب سيكون بإمكاننا أن نقول، وبدون تهكّم، إنّ الجيش مِلْكٌ للشعب، أما في الماضي فكان العكس هو الصحيح. فقد كان للجيش بلد، وعَلَم، وكان يمارس سلطته على السكان دون أن يراعي تطلُّعاتهم وحقوقهم السياسية. وإنّ الانتصارات الوحيدة التي يُشْهَدُ بها للجيوش العربية هي تلك التي حققتها نهضة شعوبها. كانت الانقلابات تقع باسم ” الثورة ” وتنقلب كليّةً ضدّ الشعوب بتحوّلها إلى ديكتاتوريات. وهذه الصفحة قد شُرِعَ في قلبها.

إنّ ما قلناه في المقالات السابقة عن الشعوب العربية في إطار شرح تحوّلها ينطبق على الجيشين التونسي والمصريّ، وإلى حدٍّ ما على الجيشين الليبيّ واليمنيّ. لقد حدث تجديد كُليّ في عقليات تلك الشعوب بمجيء أجيال من الحُكّام الذين أتيح لهم النظر والاستماع والاندماج مع ما يحدث في العالم. وأمَلُنا أن يحدث نفس الشيء في سوريا التي لم يُطلق جيشها رصاصة واحدة ضد إسرائيل، التي استولت على الجولان وتقوم بقصف بطاريات الصواريخ والمنشآت الذريّة المدنية السورية باستمرار، وهذا منذ أربعين سنة.

وبديهيّ أنّ هذا ما نتمنّاه لبلدنا عندما سينتفض الشعب، لأن انتفاضته آتية لا محالة للأسباب التي حدّدناها آنفاً والتي سنعود إليها مجدّداً. وفي هذا المنظور فإنّ المسؤولين عن التهيئة العمرانية ينبغي أن يفكروا في إعداد ” ساحات كبيرة للحرية ” في المدن التي يتجاوز عدد سكانها المائة ألف بدءاً بالجزائر العاصمة حيث ” ساحة 1ماي ” و ” ساحة الشهداء ” لا تتسعان لأكثر من بعض المئات من المُتظاهرين حسبما تدلّ عليه تقديرات دقيقة وجديدة صادرة عن وزارة الداخلية. ونظرا للطابع الاستعجاليّ للمسألة، فإنّ المهمّة يمكن أن يُتَكفَّلَ بها في بضعة أسابيع، لكن ينبغي ألاّ يُطلَبَ من سكان العاصمة أنْ يتظاهروا في بوقزول. وبما أنّ العبادة لا يُشترط أن تكون في المساجد وحدها، فإنّ الميزانية الضخمة المُخصَّصة لمسجد الجزائر الكبير، والذي لم يَعدْ من الأولويات في الظرف الراهن، يمكن أنْ تُحوّل لتمويل تلك المشاريع، أمّا الأرضية التي اختيرت للمسجد في المحمدية فيمكن تحويلها إلى ” ميدان التحرير ” العاصمي.

فأيّ الفرضيتين السابقتين أكثر احتمالا عندنا؟ أهو التغيير بأقل كلفة ممكنة كما حدث في تونس ومصر، أم هو المأزق المأساوي الذي وقعت فيه ليبيا واليمن؟ لنحاول أن نتصوّر كيف ستكون الفرضية الأولى: فبعد عدة محاولات فاشلة يتمكّن “جيل الفيسبوك ” من تعبئة حركة احتجاجية واسعة النطاق عبر المدن الرئيسية سرعان ما تتعرّض لقمع عنيف من قوات الأمن. وبعد سقوط مئات الضحايا والتنديد على الساحة العالمية يتجه مناضلو وزعماء منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية إلى ” ساحة الحرية ” بسرعة لكي يدعموا حركة الشباب بما يتمتعون به من شهرة وشرعية قانونية. أما الشباب فلم ينقص نشاطهم رغم استفزازات ” بلطجية ” أحزاب الإدارة، وواصلوا المطالبة برحيل النظام وحل أحزاب التحالف التي تدعمه، وتفكيك الشرطة السياسية، وإعداد دستور جديد والبدء بمسيرة جديدة للجزائر الحديثة. وأمام انسداد الوضع وتفاقم العنف وخطر الإدانة من طرف هيئة الأمم، يتّجه أحد كبار ضباط الجيش إلى المحمدية لكي يعبّر عن دعمه للشباب، وبعدها يُستقبل وفد عن الشباب عند صاحب أعلى رتبة عسكرية بحضور وسائل الإعلام المختلفة، ويتم التحاور بين الطرفيْن حول كيفية إخراج البلاد من الأزمة. بعدها تتمّ تلبية كل المطالب وتعود المياه إلى مجراها الطبيعي تحت لواء الجمهورية الجديدة.

أمّا الفرضية الثانية: أكثر من مليون متظاهر معتصمون في ” ساحة الحرّيّة ” منذ أزْيَد من خمسة عشر يوما، وكذا بعض المئات من الألوف في كل من قسنطينة ووهران وتيزي وزو وعنابة وبشار… والجميع يُطالبون برحيل النظام كلّه. البلد في حالة شلل، والجزائريون المُقيمون في الخارج راحوا ينشطون لدى وسائل الإعلام ، والهيئات الرسمية في الدول، والمنظمات غير الحكومية، والمؤسسات الدولية. أما رئيس الجمهورية فقد بادر بإلقاء خطاب يؤكد فيه أنه لن يترشح لعهدة رابعة وينفي أن يكون بصدد إعداد توريث الرئاسة لأخيه، وأنه سيسهر على القيام بإصلاحات حقيقية بدلاً من الإصلاحات المُعلن عنها سابقا. ويزداد تشبث المتظاهرين بمطالبهم الأولى. وقد بلغ عدد القتلى 874 قتيلا، إضافة إلى 3964 جريحا في مختلف عمليات القمع التي تعرض لها المتظاهرون منذ بداية المواجهات، وهذا ما جعل القنوات الفضائية تعمد إلى تغطية الأحداث بدون انقطاع. كل أنظار الرأي العام الدولي مُوجّهة إلى الجزائر، والرئيسان ساركوزي وأوباما يقضيان لياليهما في قراءة التقارير المُفْزِعة حول الإسلاميين الذين عادوا بقوة وهم يحاولون الإحاطة بالشبيبة الثورية. وهناك وحدات من الأسطول السادس تتهيّأ للتّدخّل على الشواطىء الجزائرية، ومجلس الأمن بصدد دراسة مشروع لائحة. لقد انقطع الاتّصال بين السلطة والثّوّار. وهنا تُبثّ على قناة ” الجزيرة ” صور قائدين من قادة النواحي العسكرية، ومعهم حوالى ثلاثين ضابطا ساميا (جنرالات وكولونيلات) من مختلف الوحدات، جاؤوا مدفوعين بالخوف على انهيار بلدهم ليعبّروا بلغة عربية في أعلى درجات الفصاحة، عن انضمامهم إلى مطالب الشعب… وليس بإمكاني أن أقول لكم كيف ستجري الأحداث بعد ذلك.

هناك فرضية ثالثة ممكنة للتغيير في البلدان التي لم يحدث فيها أي شيء لحدّ الآن: إذا فهم المستبدّ أنّ ساعة التغيير قد حانت، فسيُفضّل استباق الأحداث، ويدعو إلى تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية قد يُشارك فيها من أجل الوقوف على مشاعر الشعب تُجاهه. هذا عن الجمهوريات. أما في الأنظمة الملكية فالمشكلة تتخذ صورة أخرى. فالمطالب منصبّة حول تأسيس نظام ملكي دستوري. وإذا لقي هذا المطلب قبولا فإنّ الاحتجاج سيتوقف ويبدأ الحوار. أما إذا قوبل بالرفض ” جملةً وتفصيلا “، وهي العبارة التي يميل إليها الحكام العرب كثيرا، فإنّ الخلاف ينشأ بين الطرفين ويتفاقم في خضم العنف والعنف المُضادّ، وتتجه المطالب إلى التزايد: فالمُتظاهرون صاروا يُطالبون بالانتقال إلى النظام الجمهوري.

تُرى، لمن تعود ملكية أي بلد؟ هل تعود إلى سكانه أم إلى حُكّامه؟ ما دام السكان لم يطرحوا هذا السؤال، وما داموا لم يُطالبوا بملكيتهم، فإنّ الملوك والأمراء كانوا يتصرفون في البلد وكأنه ملكية عائلية وراثية، أما الرؤساء مدى الحياة فيعتبرون البلد غنيمة حرب انتُزِعَتْ من المستعمِر. أما الآن وقد شرعت الشعوب في المطالبة باسترجاع ملكيتها لبلادها، فهل يمكن للمستبدّين ان يحتجوا بعقد ملكية مُتبنّى من محكمة لاهايLa Haye؟ فما يحدث الآن ما هو إلاّ معركة توريث. ففي ليبيا ومصر واليمن كانت الرئاسة مدى الحياة تمهيدا لتوريث الحكم بعد انتخابات شكلية (أو حتى بدونها، كما كاد أن يحدث في ليبيا)، وتلك كانت القطرة التي أفاضت الكأس.

بلغت كلفة الثورة حوالى 400 قتيلاً في تونس من أصل 10 ملايين نسمة، وبلغت ضعف هذا العدد في مصر من أصل 85 مليون نسمة. فكلفة الثورة المصرية كانت أقل من كلفة الثورة التونسية بأربع مرات. أما في اليمن فإنّ عدد الضحايا لم يبلغ المائة لحظة كتابتي لهذا المقال، من أصل 25 مليون نسمة. هذا في الوقت الذي تجاوز عدد الضحايا في ليبيا 8000 قتيل دون حساب الضحايا الذين سقطوا إثر التّدخّل الأجنبي. إنّ الثورات القادمة يُفترض أن تكون كلفتها أقلّ، لكننا لا يمكن أن نطمئنّ إلى ذلك. سننتظر ما سيتمخض عنه الحراك الثوري في كل من المغرب والسودان والجزائر والأردن وسوريا. ففي سوريا وحدها سقط مائة قتيل دفعة واحدة وفي مدينة واحدة (درعة)، وتبعهم قتلى آخرون في الأيام التي تلت. لكن هذا ليس بالشيء الجديد في تاريخ العرب المعاصر. فقد قتل حافظ الأسد دفعة واحدة عدة آلاف من الإخوة المسلمين في الثمانينيات ودمّر مدينة حماه تدميرا كاملا. وفي بلدان الخليج لم تظهر أية مطالب بهذا الشأن باستثناء ما رأيناه من حراك في البحرين وعمان.

لوسوار دالجيري 30 مارس 2011

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم