الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بين الفكر والسياسة 5 فكر مالك بن نبي28 ) الحضـــــــــــــــــارة

فكر مالك بن نبي28 ) الحضـــــــــــــــــارة

بقلم: نـور الـديـن بـوكـروح

ترجمة: عبد الحميد بن حسان                                                                                 

ما معنى الحضارة ؟ إنها عند توينبي ’’مستوى مُعَيَّنٌ من الإنجاز الاجتماعي والمعنوي’’(1). والحضارة عند مالك بن نبي ’’هي إمكانية أداء وظيفة. إنها مجموع الشروط المعنوية والمادية التي تسمح لمجتمعٍ ما بأن يمنح لكل فردٍ من أفراده مساعدة كافية: كالمدرسة، والورشة، والمستشفى، تنظيم المواصلات، والتأمين بكل أشكاله، واحترام الشخصية… إنّ الفرد يُحقِّقُ ذاته بفضل إرادة وقدرة لا تصدران ولا يمكن أنْ تصدرا من ذاته هو، بل تصدران عن المجتمع الذي ينتمي إليه… إن الحضارة بناءٌ أو هندسة، أو مجموعة متناسقة من (الأشياء) ومن (المفاهيم) بما بينها من روابط، وبما فيها من فوائد، وبالمواقع المحددة التي تشغلها. إن مثل هذا المجموع لا يمكن أنْ يُتَصَوَّرَ كتراكم بسيط، لكن كفكرة مُحَقَّقةٍ، أو كمَثَلٍ أعلى’’ (آفاق جزائرية  Perspectives algériennes 1964).

وكما كان الشأن في تعريف الثقافة، فإن بن نبي يعطي للحضارة تعريفا وظيفيا. إنّ الشروط المعنوية تتجسّد في إرادة تُجَنِّدُ المجتمع بهدف تحديد مهامِّه الاجتماعية وتحمُّلِها. أمّا الشروط المادّية فهي تتراءى في شكل قدرة تُترجم التمكّن من توفير الوسائل الضرورية التي تُمكِّنُ المجتمع منْ أداء مهامِّهِ. وهذا ما يُسمِّيه بن نبي بالوظيفة الحضارية. وقد كتب في ” المسلم في عالم الاقتصاد ” سنة 1972 قائلاً:  “الحضارة هي تلك الإرادة وتلك الإمكانية. والعلاقة بين الإرادة الحضارية والإمكانية الحضارية هي علاقة سببية، إذ أن الإرادة تبدو أنها هي سبب وجود الإمكانية. إن الحضارة هي التي تصنع مُنْتَجَاتها، وليست المنتجات هي التي تصنع الحضارة ذلك أنه من أجل صنع حضارة بهذه المنتجات لا بُدّ أن نكون قادرين على شراء كلّ تلك المنتجات، وذلك أمر غير ممكن من الناحية الاقتصادية. فالإقتصاد ما هو إلاّ الشكل الماديّ لتلك الإرادة وتلك الإمكانية”.

ولا وجود لثقافة بدون أفكار، كما أنه لا وجود لحضارة بدون ثقافة، ولا وجود لتاريخ بدون حضارة. لم تكن في فجر التاريخ إلاّ ثلاثة عناصر أساسية هي : الإنسان والأرض والزمن، وهي عناصر “غائصة في لُغزٍ ميتافيزيقي” (ميلاد مجتمع/1962). ويمكن أن تبقى هذه العناصر كما هي طيلة آلاف السنين دون أن تتحول إلى عوامل نفسية وتاريخية مُوَلِّدة للحضارة:  “لو كان مثل هذا الوضع بعناصره الثلاثة كافيا كشرط لوجود الحضارة، فإن هذه الأخيرة تصبح مجرد ظاهرة عفوية وعامة في الكرة الأرضية كلها. ولن يُطرَح المشكل بالنسبة للعالم الإسلامي خصوصا، وهو لا يزال بعيدا عن إيجاد الحل لمعضلته” (شروط النهضة، 1949). وهذه المقاييس تمثِّل شروطا ضرورية لقيام حضارة، لكنها ليست كافية.

إنّ الإنسان والأرض والزمن عناصر لا تشتغل بطريقة فوضوية، بل في عملية تركيبية تؤدِّي إلى تحقيق إرادة وإمكانية المجتمع في تلك العناصر التي يجب أن تُقَوْلَب في تركيب بيوتاريخي غير آلي ، لكنه نتيجة لتمازجٍ تُوجِدُهُ قوة فكِّرية  idée-force  مصدرها ديني أو سياسي: ” إن الحضارة تُسجِّل ميلادَها انطلاقا من لحظة التراكب بين العناصر التاريخية، أي بدءاً من اللحظة التي تقوم فيها الفكرة الدينية بتغيير الإنسان وتكييف الوسط بالقدر الكافي’’ ( “شروط النهضة“)… فدور الدين في المجتمع ليس إلا التحفيز المساعد على تحويل القيم من الحالة الطبيعية إلى حالة نفسية-تاريخية موافقة لدرجة معيّنة من التحضُّر. وهذا هو التحول الذي يجعل من الإنسان البيولوجي كيانا اجتماعيا، ومن الزمن ـ الذي كان مجرد مدة كرونولوجية تقاس “بالساعات التي تمرّ” ـ زمناً سوسيولوجياًّ يُقاس بساعات العمل، كما يجعل من الأرض ـ التي كانت مصدرا لمعيشة الإنسان ـ ميدانا مُهيَّئاً ومُكَيَّفاً من الناحية التقنية لكي يستجيب لكل مقتضيات الحياة الاجتماعية، وهذا وفقا لشروط مسارٍ إنتاجيٍّ ” (“وجهة العالم الإسلامي”، 1954 ).

إنّ الدين الذي يقصده بن نبي هو ذلك الدين الذي  “يترجم فكراً جماعيا، فانطلاقا من اللحظة التي يتحول فيها الإيمان إلى قوة مُركّزة في بؤرة، هي بؤرة الفردية، فإنّ مهمتها التاريخية تنتهي على وجه الأرض، حيث لم تعد قادرة على قيادة حضارة ” (“وجهة العالم الإسلامي”). أما التركيب المقصود  فإنه لا يحدث عفويا، بدليل أنه لا تزال هناك جماعات بشرية بدائية ـ أو سابقة للحضارة، حسب تعبير بن نبي، ـ إلى يومنا. وهو يقول بالتحديد:  “إن الوجود الفعليّ للمجتمع يبدأ عندما تتشكل فيه شبكة الروابط. والدين هنا يؤدي دور إيجاد تركيب اجتماعيّ في شكل قيم أخلاقية مُجسدة باتفاقيات وتقاليد وعادات، وقوانين إدارية ومبادىء تشريعية...”.

لم يكن بن نبي يهتمّ بمعرفة عدد الحضارات التي ظهرت على الأرض، ولا البحث عن أصولها. إنه ليس مؤرخا يسعى إلى وضع قوانين داخلية تتحكم في الحضارات والمقارنة بينها، كما فعل شبنجلر(Spengler) أو برودال(Braudel) ، أو جوفارا(Djuvara). إنه أقل طموحا  في مجال دراسته من توينبي (Toynbee) الذي كان يريد أن ينكبّ على دراسة كل الحضارات لكي يُخْضِعها لنموذج تفسيريٍّ واحدٍ. لم يكن بن نبي أنثروبولوجياًّ ولا مؤرِّخاً، لكنه في نقطة التماس بين علم النفس وعلم الاجتماع، واهتمامه منصبُّ على حضارة واحدة، هي الحضارة الإسلامية التي راح يتفحصها كما يتفحص الميكانيكي العطب في إحدى الآلات.

وقد كتب في ” وجهة العالم الإسلامي” حول الظاهرة الحضارية قائلا:  “من الصعب الوقوف على أصول هذه الحركة في المكان والزمان، ولا فائدة من التساؤل عمَّا إذا كانت قد بدأت في مصر(القديمة) أو في غيرها. كل ما يمكن أن نلاحظه هو استمراريتها عبر الأزمنة. ومع هذا فعندما نحاول أن نحدد فكر مالك بننبيإحداثياتها (التاريخية)، فإننا نلاحظ أنها تشير إلى مجال متحرِّك. إننا نلاحظ ذلك بوضوح إلى درجة أننا نتوهم أحيانا أن تلك الاستمرارية تتخللها فترات انقطاع تظهر عندما ننظر إلى تعاقب الحِقَبِ الحضارية. والواقع أن هذا يكشف لنا عن المظهرين الأساسيين للحضارة، وهما: المظهر الميتافيزيقي أو الفضائي، وهو المظهر الذي يخص الغاية القصوى التي تسعى إليها الحضارة، والمظهر التاريخي السوسيولوجي الصِّرْف، وهو يخصّ تعاقب الأسباب… والحضارة بهذا المظهر الأخير تبدو كسلسلة رقمية تتتابع بصيغ متشابهة لكنها غير متماثلة. وهكذا يظهر مُعْطى أساسي من معطيات التاريخ، وهو: دورة الحضارة(cycle de civilisation). فكل مرحلة مُعرّفةٌ بظروف نفسية تاريخية خاصة بجماعة اجتماعية معينة: إنها (حضارة) بتلك الظروف. وبعد ذلك تتنقل الحضارة وتُهاجر وتنقل قِيَمَها إلى حيِّزٍ آخر. وهي بهذا تستمر وتدوم في رحلة غير منتهية عبْرَ تحوُّلات مُتتالية، وكلُّ تَحَوُّلٍ هو تركيب خاص للإنسان وللأرض وللزمان…”

وبن نبي في هذا يسير في الاتجاه المعاكس لِمَا ذهب إليه شبنجلر الذي يؤمن إيمانا قاطعا بأن التاريخ غير متواصل. ومحند تازروت Mohand Tazerout,، المُترجم الجزائري لشبنجلر، يُؤكِّدُ أنّ الفرضية القائلة بـ (عدم التواصل) هي  ” الطرح الوحيد المرشح للدوام في معرفة علمية لظواهر التاريخ. فلا شيء يربط الإنسان الغربي اليوم بالإنسان القديم، والإنسان القديم بالإنسان المصري أو الصيني أو الهندي أو العربي، الحقيقيين(2). أما بالنسبة لبن نبي فإنّ (الـ ) حضارة ليست من صُنْعِ أيِّ جنسٍ بشريٍّ على وجه الخصوص، ولا مِنْ إنتاج أيَّةِ حقبة زمنية. إنها حصيلة تراكُبات، وهِجْرات، ومختلف المساهمات البشرية في مسار تحسين مصير الجنس البشري.

إنّ ما يُسمَّى بـ ( الـ ) حضارات ما هو إلاّ دورات ولحظات عابرة في حركة التاريخ العامة، وتلك الحركة متواصلة. يقول بن نبي:  “هكذا يبدو أن الحضارة الإنسانية مكوَّنة من دورات تتعاقب، فهي تولد بفكرة دينية وتنتهي عندما تتغلب  الجاذبية الأرضية في النهاية على النفس وعلى العقل معاً ” . وهو يشير إلى أنَّ ابن خلدون هو أول منْ أبرز مفهوم الدورة في نظريته المعروفة بـ (الأجيال الثلاثة). فابن خلدون يشبِّه حياة الحضارة بحياة الأسرة الحاكمة. فالمسار الذي يبدأ بحالة (البدو) ويصل إلى حالة (الحضارة) هو مسار تُحرِّكه (العصبيّة)، وهو شعور بالانسجام الاجتماعي وبالضمير الجمعي الذي يلعب دور الإيثوس Ethos.  ويتحوّل ذلك إلى (مُلْكٍ) يؤسَس مدناً ويعمل على تطوير الأنشطة الاقتصادية، ويؤسس مؤسسات. وابن خلدون يرىإنّ حب الخير، وكذا الدين نفسه لا يكفي لمن ليست تحدوه عصبية قوية’’. فالعصبية إذاً هي مُحرِّكُ التاريخ لأنها تؤدي الوظيفة الإيديولوجية التي تُوحِّد بين المصالح وتقود الجماعة إلى الفتوحات. وابن خلدون يقول في هذا:”’ لا حاجة بنا إلى نبوّة حتى توجد حياة إنسانية. فالفرد الذي أوتي سلطةً بإمكانه فرض نفسه على غيره بنفسه، أو بالاعتماد على (العصبية) “.

كان ابن خلدون هو أول مَنْ وضع قواعد الديناميكية الاجتماعية. فالفكرة الدينية نفسها في خدمة العصبية التي إذا ما تحقق لها تأسيس الدولة تقوم بإحلال الدين مكان القداسة. وفكرة الدورة سنجدها عند فيكو Vico، ثمّ عند مونتيسكيو Montesquieu تحت اسم (نظرية الدائرة) :  ” إن كل دول العالم تقريبا تدور في دائرة. فهي تبدأ متوحشة، ثم تغزو وتحتل  فتصير أوطانا تسير بالقوانين، وهذه القوانين ترفع من شأنها حتى تصير دولاً مصقولة. ثُمَّ تُضْعِفها السياسة وتتعرض للغزو، فتعود متوحشة كما بدأتْ. ويشهد على ذلك كلٌّ من اليونان والرومان’’(3). ويصوغ هيجل (Hegel)   للفكرة نفسها بقوله: ” إنّ التغيير حركة دورانية، وهو تكرار للشيء نفسه. فكل شيء مكوَّن من دورات، وداخل تلك الدورات يحدث التغيير على مستوى الأفراد… فلا يحدث جديد إلاّ في التحوُّلات التي تمسّ المجال الروحيّ’’. (مكانة العقل في التاريخ La raison dans l’histoire ).

وإذا كان توينبي يجد أن تفسير حركة التاريخ يكمن في (الوسط الفيزيائي)، والفكر الماركسي يجد ذلك في لعبة العوامل الاقتصادية، فإنّ بن نبي يرى أن آلية حركة التاريخ تستقي أصلها من تجربة نفسية ناتجة عن ضغطٍ معنوي. فالنفس هي المحرِّك الأساسي للتاريخ البشري. والوسط البشري مزوَّد بصفة الجمود مثل الوسط المادي. وإذا ما تحرَّك  ” فهذا يعني أنّ هناك سببا ابتدائيا تغلّب على حالة الجمود الأصلية بتحويل كل معطيات الثّبات في الوسط إلى قِيَمٍ ديناميكية “( ” ميلاد مجتمع”، 1962). وهو يرى أنّ “تجلِّي الإله بصفة مُدهشة، أو ظهور أسطورة هو ما يشكل نقطة انطلاقٍ لأية حضارة. فيبدو أن الإنسان يجب أن ينظر من خارج أفق الأرض لكي يتمكن من رؤية ما بداخله من عبقرية أرضية وما لديه من فكرة سامية عن الأشياء’’ (“شروط النهضة”)

وبالفعل، ففي معظم الأحيان كان ظهور الأديان سابقا لظهور الحضارات الكبرى. وقد وُجِدَتْ هذه الأخيرة في الأماكن التي تشكّل فيها اقتصاد زراعيّ في درجة من التطور يسمح باستقرار تجمّعٍ بشري وتقوية ذلك التجمع بعبادة ما، بعد أن كانوا في الماضي منقسمين إلى عائلات أو جماعات أو قبائل. وهذه العبادة أو الفكرة من شأنها أنْ توجِد بين أعضاء الجماعة شعورا جماعيا ووعيا بوجود مصلحة مشتركة. وتبدأ القرى والمدن بالظهور، وتكون خاضعة لقوانين وقواعد ومؤسسات بصبغة روحية غالبة. وتظهر الفنون، وتتسع رقعة الدولة شيئا فشيئا لتشمل الحضارةُ الناشئةُ أصقاعا واسعة وأجناسا مختلفة توحِّد بينها المعتقدات. وتتشكل هذه الأصقاع في شكل كيانات سياسية واقتصادية وعسكرية سيُطْلقُ عليها اسم (سومر) أو (مصر الفرعونية) أو اليونان أو الهند القديمة، أو الصين، أو المايا، أو الأزتيك، او الإينكا، أو الإسلام أو الغرب…

إنّ هذه المجموعات، أو المجتمعات، أو الحضارات لم يتمّ تشكُّلُها بطريقة طبيعية، فهناك شيء جديد جاء فجأةً ليُحَرِّك نفوس الناس ويدفع بها إلى أهداف محددة. والسبب الأصلي فيما حدث لا يتصل بنوعية الأراضي أو الوسائل المادية. فالقدرة الخلاقة عند بن نبي تأتي بالضرورة من مصدر ذهني، وهي ظاهرة طاقوية. وأول ما يقوم به المجتمع عند ظهوره هو وضع شبكة روابطه الاجتماعية. وبن نبي يضرب مثلا بتشكُّلِ المجتمع الإسلاميّ الأوّل، فيقول:  إن أول ما قام به المجتمع الإسلاميّ هو المعاهدة التي جمعت الأنصار بالمهاجرين. والهجرة هي بداية التاريخ الإسلامي ليس لأنها تصادف ما قام به النبي (ص) كشخص، لكن لأنها تصادف أول عمل قام به المجتمع الإسلاميّ ، أي بتشكيل شبكة الروابط الاجتماعية حتى قبل تشكّل بنياتها الإجتماعية الثلاثة (عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء) بصورة واضحة. فأصل شبكة الروابط التي تسمح للمجتمع بأداء عمله المنسّق في التاريخ يعود إلى ميلاد تركيبه البيوتاريخي “ (“ميلاد مجتمع”).

وبن نبي يرى أنه  ” كُلَّما ظهرتْ حركة منسّقة بين الناس والأفكار والأشياء، في مكانٍ مُعيَّنٍ وفي لحظة زمنية معينة، فذلك هو الدليل على أن مسيرة الحضارة قد بدأتْ، وأن عملية التركيب في عالم الأشخاص قد تمّتْ. وأول عمل ينجز في التحوُّلِ الاجتماعي هو تحويل الفرد إلى شخصية وذلك بتغيير المميزات القاعدية التي تجمعه بجنسه إلى ميول اجتماعية تربطه بالمجتمع. إنّ الروابط الخاصة بعالم الأشخاص هي التي توفِّر الروابط الضرورية بين الأفكار والأشياء في الحركة المنسقة التي يقوم بها المجتمع. والعلاقات بين الأشخاص هي علاقات ثقافية، أي أنها علاقات خاضعة لمعايير ثقافة محددة باعتبار تلك الثقافة محيطا عامّا وكذلك باعتبارها مجموعة من القواعد الأخلاقية والجمالية…إلخ ’’. (“ميلاد مجتمع”).

ولا بدّ من تسجيل هذا المفهوم المتعلق بـ (العمل المنسق للمجتمع)، والذي يعتبر عند بن نبي هو جوهر التاريخ، إذ يقول:  “إنّ الوحدة الأساسية في المجتمع ليست الفرد، بل هي الفرد المُكيَّف… وإدماج الفرد في شبكة اجتماعية هو عملية مزدوجة: إلغاء وانتقاء. وهذه العملية المزدوجة تحدث في الظروف العادية، أي عندما يكون المجتمع قد تمّ تنظيمه بواسطة المدرسة. وهو ما نُسميه بالتربية ” (“ميلاد مجتمع”).

وقد صرّح بن نبي عن معارضته لتوينبي فيما يتعلق بتشكُّل الحضارة وبيّنَ كيف أنّ (التحدي/ردّالفعل) لا يكفي لتفسير ذلك التشكل:  “إن ظروف ظهور الحضارة يؤوِّلها مؤرخ مثل توينبي على أنها تشبه الظروف التي يتحتم فيها على جماعة بشرية أن تستجيب لأحد التحدِّيات بعمل منسق. إن هذا التأويل لا يفسِّر كيفية تشكُّلِ المجتمعات التاريخية الحالية التي لا يتعدى عددها حدود الثلاثة. إننا لا نفهم لماذا لم يستجب المجتمع البوذي في بداية العهد المسيحي لتحدي نهضة الفكر الهندي الحديث الذي حكم على ذلك المجتمع البوذي بالهجرة إلى الصين. ونحن لا نفهم كذلك لماذا لا يرد هذا المجتمع نفسه في القرن 20 في وطنه الجديد ، على تحدي الفكر الماركسي الذي أتى به ماو تسي تونغ ليمحو البوذية نهائيا من الخريطة الإيديولوجية للعالم ” (“مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”، 1970).

وكأنّ توينبي قَصَدَ الإجابة عن ملاحظات بن نبي، إذ يعترف بأنَّ ” الرد على تحدٍّ ليس متغيّرا، وهذا على عكس الأثر الناجم عن السبب، ونتيجة لذلك فذلك الرد لا يمكن التنبُّؤ به. فالتحدّي الواحد يمكن أن يستتبع ردودا خلاَّقة في بعض الحالات، ولا يكون ذلك في حالاتٍ أخرى”’. وبخصوص الصين فإن توينبي يبيّن أنّ:  “إدخال إيديولوجية غربية أجنبية لم يُؤَدِّ إلى قطيعة نهائية في تاريخ الصين، ولا إلى تغيير في حالتها السياسية… صحيح أنّه حدثَ مرَّةً في الماضي أنّ فلسفةً أجنبية عن الصين، وهي البوذية، استولتْ على الصين’’(4).

وتوينبي لا يُرْجِع النقلة التي حدثت من حالة الجمود إلى حالة النشاط الديناميكي ( مِن الـ yin إلى الـ yang ) إلى عوامل (الوسط) أو (الجنس البشري) كأسباب وحيدة لميلاد الحضارات، إذ يقول: “’ إنّ سبب ميلاد الحضارات ليس بسيطا، بل هو مُتعدِّدٌ، إن ذلك السبب ليس كياناً، بل هو علاقة… يمكن البحث عنه في نموذج التأثير المتبادل الذي سمّيناه (تحدّي ـ إجابة/ مواجهة؟)”’. وفكرة ( التحدي ـ الإجابة/ المواجهة؟ ) استوحاها توينبي، حسب تصريحه هو، من كتاب غوته (Goethe) الذي عنوانه (ديباجة / افتتاحية في السماء Prologue dans le ciel ) حيث نجد الله يتقبّل التحدّي الذي طرحه ميفيستوفيليس Méphistophélès.

وكان المؤرخون قبل توينبي قد فسَّروا ميلاد الحضارات بعوامل (الجنس البشري) و (الوسط). ويونغ (Jung) وغوته هما اللذان أعَداَّ الطريق لتوينبي. يقول يونغ:  “كل الظواهر ذات طبيعة طاقوية. والحال أنه بدون تضادٍّ لا يمكن أن تكون هناك طاقة. فلا بُدَّ مِنْ وجودٍ مُسْبَقٍ للضغط بين الأعلى والأسفل، وبين الحار والبارد، لكي يولد ويحدث ذلك المسار التعويضيّ الذي يمثِّل الطاقة. وكل ما هو حيٌّ طاقة ، ونتيجة لذلك فهو قائم على الضغط بين الأضداد”’. وحيثُ يجد بن نبي دفعا روحياًّ يدفع الحضارة (مرحلة النفس)، فإنّ توينبي يجد (دفعاً بروميثياًّ  élan prométhéen) يُنشِّط (مرحلة النموّ). فالدفع الروحي أو البروميثي يؤثر في أعضاء الجماعة السائرة في مسار الحضارة، لكن الذي يتحمّل أهم جزء من مسؤولية المُضِيِّ إلى الأمام هي تلك النخبة أو (الأقلية الخلاّقة). وإضافة إلى هذا فلا بد أن تبقى هذه النخبة في تلاحمٍ تامٍّ مع الجماعة، وإلاّ فإنها تفقد صفة التمثيل ولن يتبعها أحد.

وإذا حدث أن توقفت النخبة عن خلق وإنتاج (ردود الفعل) على التحدِّيات التي توَلِّدُها الحياة، ويُولِّدها التطور والوسط، فتلك هي نهاية الحضارة(5). وتوينبي يُطْلق اسم (أهلية المحاكاة faculté de la mimesis ) على الأهلية لقيادة التاريخ على يد أقلية، ويقول: لكي تتمكن الشخصيات الخلاّقة من رفع التحديات الجديدة لا بد من توفّر ذلك الالتحام الفكري القويّ وذلك الاتصال الشخصي الذاتي الذي يمرِّر اللهب الإلهيّ من ذاتٍ إلى ذاتٍ أخرى(6). و(الأقليات الخلاّقة) تعمل من خلال المؤسسات التي تخلقها، وهي الأنظمة السياسية، التنظيم القضائي، الاكتشافات العلمية، الإبداعات الفنية، والقيم الثقافية… وعندما يتشبّع الجميع بهذه القيم ستنتُج عن ذلك سلوكات عفوية اجتماعية، وينتج أسلوب عام، وفصيلة سيكولوجية، وثقافة، وتاريخ… ويواصل هذا المفكر الأنجليزي قائلاً:  “إنّ أحسن حماية ضد خطر الخلل في ممارسة أهلية المحاكاة تتمثل في البلورة في شكل عادات وتقاليد… وأعتقد أن مستقبل أية حضارة هو بين أيدي أقلية من الأفراد الخلاَّقين“.

إنّ دورات الحضارة تختلف عن الدورات الفضائية التي نجدها في المذهب الهندوسي الذي يعتبر أن الدورة البشريّة (المَـنْـفَـنْـتَـارَا) تتكوّن من أربعة أعمار تُوافق المراحل التي تمرّ عليها (الحياة الروحية الحقيقية) قبل أنْ تنطفىء، وهذا ما عُرِفَ في التاريخ القديم باسم “العصر الذهبي”، و”الفضِّي”، و”البرونزي”، و”الحديدي”. والعصر الرابع الذي يُفترض أن يكون هو عصرنا الحالي يُسمَّى ( كالي ـ يوجا kali-yuga)، ويعني “العصر المُظْلِم”، الذي يكون قد بدأ منذ ستة آلاف سنة والذي ستكون مدته الإجمالية مُساوية لِعُشْرِ عصر (المَـنْـفَـنْـتَـارَا)،إذ يتكون هذا الأخير من 14 (كالبا kalpa)، وكلٌّ من هذه الأخيرة متكون من ألف (ماهايورجا mahayurga ) التي يتكون كلٌّ منها من 12000 سنة. وابن خلدون يرى أن دورة الحضارة تمتدّ على مدى ثلاثة أجيال، أما شبنجلر فيرى أنه يساوي ألف سنة. غير أنّ هنالك توافقا بين دورات الحضارة والدورات الفضائية باعتبار أن كلا التصوُّريْن يفترض فكرة وجود حركة من الأعلى نحو الأسفل، من المرتفع إلى المنخفض، من المُقدَس إلى الدّنيويّ، ومن الأحسن إلى الأسوإ.

يقول روني جينون René Guénon الذي حاول أن يُكيِّف مفهوم (السّنة الحقيقية tradition primordiale) مع العصر الحديث: “إن تطوّر أية ظاهرة يقتضي بالضرورة ابتعادا متزايداً بالتدريج عن مبدئها الجوهري. فهي تنطلق من أعلى نقطة وتتَّجِهُ نحو الأسفل، مثل الأجسام الثقيلة، وهي في هذا الانتقال تتزايد سرعتها باستمرار حتى تجد نقطة توقُّف. وهذه السقطة يمكن أن تتجسد في صورة الانتقال التدريجي إلى الحالة المادِّية، ذلك أن عبارة المبدإ هي حالة روحية بحتة”’ (7). إننا نجد في آثار هذا العالم الميتافيزيقي الفرنسي المُسلِم بعض الصياغات التي استعملها بن نبي مثل النزعة الذاتية tendance « centripète » ، والنزعة المركزية  tendance « centrifuge » ، إذ النزعة الأولى صاعدة والثانية نازلة. وتوينبي يرى أن الحضارة هي “رحلة سَفَرٌ، وليست مرفأً” ، أما بن نبي فهو يرى في قوله تعالى: “وتلك الأيام نُداوِلها بين الناس”، إشارة مباشرة إلى فكرة ” الدورة “.

وبإمكاننا ان نتساءل عن قيمة نظرية دورات الحضارة اليوم، وانطلاقا من ذلك نتساءل كذلك عن إمكانية النهضة. هل يمكن أن تظهر دورات جديدة في العالم الحاضر؟ وقد طرح بن نبي هذا التساؤل في ملاحظة مؤرخة في 12 جويلية 1964، وأجاب عن ذلك بحصافة، حتى ولو جاءت الإجابة مُثْقلة بحدود نظريته حول الحضارة. وهذا ما يُثْبِتُ وعيه المُطلق وتفتحه الفكري الواسع بما أنه لم يبق حبيس إطاره الاجتماعي، ولم يصم سمعه عما يحدث في ساحة التاريخ. يقول في تلك الملاحظة:  “إن تطور الحضارة الغربية على المستوى العالمي يطرح أكثر من مشكل واحد، وخاصة في مجال الميتافيزيقا. فالشأو الذي بلغته هذه الحضارة يتجاوز حدود قانون الدورات ، لأن مفهوم الدورة لا يتناسب مع ظاهرة حضارية تشمل مساحة الكرة الأرضية كلها. فلا يمكن أن يكون للدورة معنى إلاّ إذا بقي حيّزٌ فارغٌ يمكن أن يحتوي تجربة حضارية جديدة، أو نهضة جديدة، أي: ميلاد الحضارة من جديد. إنّ امتداد الحضارة الحالية إلى المستوى العالمي يمنع هذه الإمكانية أو يُقلِّصها. وهذا الوضع تنتج عنه بعض النتائج ذات الطابع التاريخي والاجتماعي. ففي الماضي  كان بإمكان المجتمع المتأخر، مثل المجتمع العربي الجاهلي، أنْ ينتظر دوره ليحمل مشعل الحضارة. إن هذا لم يعُدْ ممكناً اليوم. وبناء على ذلك فيبدو أن البشرية ستدخل في مرحلة جديدة، مرحلة يبدو فيها الزمن التاريخي متوقفا، والوضعيات النسبية للمجتمعات غير قابلة للتغيير...”

وبعد تسجيل هذه الملاحظة بعشرة أيام، يعود بن نبي إلى التفكير في هذا الموضوع الذي يُبيّن أنه هو نفسه يمرّ بمرحلة يبدو فيها متجاوزاً لفكره المطروح في كتبه السابقة. وبالفعل، فهو يقول في ملاحظة مؤرخة في 23 جويلية 1964:  “في الملاحظة المؤرخة في 12 من الشهر الحالي حول الحضارة الحديثة، قلتُ إنها اتخذت شكلا عملاقا ممتصَّةً أبعاد كوكبنا، وأنها بهذا الوضع صارت تهدد العالم بالنهاية. إنها حضارة لم تعدْ قادرة عن تعويض خسائرها، لأنها لم تعد قادرة على استرجاع ما ينقصها في مكان آخر. فالعالم صار موحّد الحرارة isotherme متساوي الإمكانيات équipotentiel. فالتيارات الحضارية لا يمكن أن تولد فيه...”

ويمكن أن نتعجّب من كون بن نبي لم يأخذ هذه التخمينات الفكرية  arrière-penséesبعين الاعتبار فيما صدر بعد ذلك من مؤلفاته، مثل “مشكلة الأفكار” والنصوص المشكِّلة لـ “مجالس دمشق”، ومن بينها كتيب “دور المسلم ومهمته في الثلث الأخير من القرن 20″، حيث نجده سائرا على نفس الخط السابق ودون أن يظهر أدنى أثر لتلك التهويمات الجديدة، الهامة والأساسية لخلود فكره. ففي هذا النص الأخير يستمر بن نبي في تأكيده على أن شعوب الجنوب ستعود إلى الحضارة، ويعبّر مجددا عن إيمانه بتداول الحضارات.

مراجع

1) عن ( الحضارة أمام الامتحان La civilisation à l’épreuve) .

2) عن مقدمة لـ ( أفول الغرب Le déclin de l’Occident) ج1، 1931.

3) (روح القوانين L’esprit des lois).

4) تأسست البوذية على يد بوذا حوالى سنة 525 ق م في الهند، وجاءت هذه الديانة من أجل تصحيح الديانات السابقة والتي تعتمد على آثار “فيدا”. وفلسفة البوذية مُلْحِدة، وهي تنكِر كل سلطة ، وترفض خاصة تقسيم المجتمع إلى طبقات. وهي معارِضة للتنسك والطقوس البراهمانية، كما تُنكر كتب (فيدا) المقدسة في الهند، وتندد بالنظام الطبقي، ولا تؤمن بوجود الروح. إن على العقل أن يبحث عمّا يفيد عمليا في التحرر من المعاناة المتمثلة في الحياة والموت. والبوذية ترفض العالم. وبعد وفاة مؤسسها انقسمت البوذية إلى طريقتين: المَرْكبة الكبرى والمَرْكبة الصغرى. ومع ذلك لم تتمكن البوذية من إطفاء البراهمانية والهندوسية اللتين تؤمنان بوجود مبدإ الخلق، ويسمى فارونا Varuna  الذي يسهر على النظام في العالم. إن الهندوسية لا تعتمد على نص منزّل أو على عقيدة، بل تعتمد على المعرفة المكتسبة عن طريق الحدس أو النظر. أما في البوذية، فإن فكرة الآلهة حاضرة، لكنها ليست في صورة كائن أكبر. وقد اختفت البوذية من الهند بين القرن الأول والثالث بعد الميلاد، وهاجرت إلى الصين حيث التحمت البوذية بالتاوية. ولم تُفلح البوذية في الصين كذلك لأن الكونفوشيوسية كانت في طور النهضة (ق 10 م )، وتغلبت على البوذية التي توقفت مسيرتها في الصين حوالى القرن 10 م، وتعرّضت للاضطهاد على أيدي سَدَنَة الكونفوشيوسية، بل إن الإمبراطور هوي تسونغ حرّمها في القرن 12 م. لجات البوذية إلى اليابان وسيلان وبيرمانيا وتايلاندا. أما الكونفوشيوسية فقد ظهرت في نفس الفترة مع البوذية في الهند والتاوية في الصين، وهي تخلو من أية خلفية ميتافيزيقية أو فكرة الألوهية، لكنها ترفع من شأن الفضائل والاستقامة وروح البُنوَّة والروح الاجتماعية وفكرة الخير. أما الطبيعة في الديانة الكونفوشيوسية فتُسيِّرها قوتان فضائيتان: الـ (يين) والـ (اليانغ). أما التاوية فهي التي تمثل الجانب الميتافيزيقي والروحي في الفلسفة الصينية التقليدية. والتاوية تعارض فكرة وجود (مَلِكٍ سماوي) يُسمَّى ( تاي يـي ).

5) يقول شبنجلر: ’’ إنّ الذين بأيديهم كل قرار هم أقلية من ذوي العقول الراقية، والذين قد تكون أسماؤهم غير معروفة الآن، أما أغلبية الجمهور من ساسة الدرجة الثانية ، ومن الفصحاء والخطباء، ومن النواب والصحفيين، والمنتخبين في المناطق الريفية، هؤلاء جميعا يتمثل دورهم في إيهام العامة بأنهم أحرار في أنفسهم’’، مرجع سابق، ج1.

6) بروميثي في الأسطورة اليونانية هو الذي سرق اللهب واستولى على سلطات الله. وبروميثي الذي اتخذه توينبي مرجعا هو ذلك الذي وظّفه غوته والذي يعمل رفقة نبي الإسلام لكي يُعيد تأسيس العلاقة بين الله والإنسان.

7) روني جينون، René Guénon : (أزمة العالم الحديث La crise du monde moderne ).

 

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم