الرئيسية 5 اتصال 5 في بلاد الشام: الأمير عبد القادر

في بلاد الشام: الأمير عبد القادر

*(مقتطف من كتاب : في بلاد الشام)

للكاتب الأمريكي شارل دادلي وارنر (1829-1900)

بوسطن : دار النشر جيمس أوسغوود ، 1877

ترجمته الى العربية : البهجة ستيت

ebsteit@outlook.com 

يعيش سمو” الأمير عبد القادر” في منزل يليق بمسلم ثري يملك بيمينه من الحريم. أعرب شيخ القبيلة العجوز عن استعداده لاستقبالنا، ليقوم وكيل القنصلية الأمريكية “ن . ميشكا” بإرسال “قواسه”1 لمرافقتنا إلى منزل الأمير في الموعد المحدد للزيارة .

لاقنا الرجل النبيل عند باب غرفة الاستقبال ، و التي تقع لوحدها بنهاية باحة بها نافورة ماء . كان يرتدي لباسا عربيا بسيطا مع عمامة بيضاء .لطالما سمعت الكثير عن المظهر المدهش و المبجّل بل و حتى المهيب لبطل الصحراء الرائع هذا . في حين أنني مررت بخيبة أمل صغيرة في الواقع ، و عرفت من جديد أنه يجب رؤية البطل في المعركة ، أو من خلال عيون الخيال و التي تكسو البدن بلباس مع جميع سمات الروح . فنادرا ما تتعالى أنصاف الآلهة عند صيتهم! . فلربما ظهر “عبد القادر” بهيئة رجل عملاق و هو ممتطيا جواده  بوسط الدخان و في دوامة القتال ؛ لكنه بالواقع رجل ذي حجم معتدل و قامة متوسطة بالكاد ؛ رأسه و إن لم يكن بالكبير ، فهو ناعم الشكل و عقلاني ، له وجه صريح و جذّاب .

ملتحيا بلحية مشذّبة ، و التي شككت بأنها بيضاء ، غير أنها  كانت سوداء و التي حسب ظني أنها مصبوغة ، يمكنكم تصوره على أقل تقدير بعمر الخامسة و السبعين ، كما أن سنه قد يتجلى من خلال ذلك الشحوب البسيط ، بذلك الضعف الواضح لقوة جسده ، و عبر البريق الخافت في تلك العيون التي كانت متّقدة لا تقهر فيما مضى .

كان سلوكه في قمة الرقي و التواضع البسيط ، فوق ذلك لم تتضمن مقابلتنا في الأغلب سوى على تلك المجاملات المتكلّفة و المعتادة بهذه المناسبات . أجاب في ردّه على سؤال سألنها بأنه عاش أكثر من عشرين عاما بدمشق ، غير أنه من الواضح أن منفاه الطويل لم يضعف من اهتمامه في إحراز العالم تقدمه ، و أنه يشاهد بولع كبير جميع حركات الشعوب نحو التحرّر .

لم يكن هناك لسوء الحظ معلما للديمقراطية أفضل منه ، لأنني أتصور فعلا أن “عبد القادر”بصدق يرغب للآخرين نفس الحرية التي يتوقها لنفسه . فهو لديه و بلا شك كامل الشجاعة للإدلاء بآرائه ؛ في حين و على الرغم  من أنه مسلم مستقيم جدا ، فهو متعصّب أو غير متسامح أيضا ، فقد أظهر ذلك من خلال قيادته هنا أثناء مجزرة المسيحيين عام 1860 . أضاء وجهه برضى حين قلت له بأن الأمريكيين يتذكرون بكل إمتنان تدخّله نيابة عن المسيحيين بتلك الفترة .

إنجرف بنا الحديث إلى أن وصل إلى دولتي فرنسا و إيطاليا ، عبّر عن تعاطفه الكامل مع الحركة الليبرالية لحكومة إيطاليا ، لكن بالنسبة لفرنسا فلا أمل لديه في قيام جمهورية ، لأنه يعتقد أن الشعب غير قادر على ذلك بالوقت الراهن.

“لكن أمريكا!” ، كما قال هو بحماس مفاجئ …”إنها البلد ، من جميع بلدان العالم كلها ، “البلد الوحيد” ، أين توجد الأرض الحقيقية للحرية ” …”أنا أتمنى” ، كما أضاف …”في أن لا تشتعل المشاكل بينكم” .

سألناه عن إحتمالية قيام ثورة أخرى للدروز و التي بدأت تهمس عاليا جدا . فأجاب : لا أحد … كما قال ، يمكنه القول بما يفكر به الدروز أو بما يفعلونه ؛ فهو لا يشك مطلقا بأنه تمّ تحريضهم في الثورة التي سبقت و أثناء المجزرة من طرف الحكومة العثمانية . هذا ما قاده إلى الكلام عن وضع سوريا ؛ ليضيف بأنه تمّ إخضاع الشعب عبر تخويفه ، ثم إرهاقه بفرض الضرائب عليه و ممارسة الإبتزازات بجميع أنواعها ؛ بالمقارنة فهو لا يعتقد بأن مصر في أفضل حال من سوريا ، فالوضع نفسه سويا .

بأثناء حديثنا كله ، كنا جدّ منبهرين بهدوء وسعة إدراك آراء هذا العجوز البطل ، بطبعه الفيلسوفي و بصفاءه أيضا ؛ مع أنه كان من السهل رؤيته مغتاظا تحت سيرة النفي ، و الذي أبقى روحا حريصة جدا بالمشاركة في تلك الثورات العظيمة و التي رفعها بشكل رائع و تاق إلى المساعدة فيها .

هممنا بالرحيل بعد أن قدّمت المرطبات لنا ؛ غير أن الأمير أصرّ على مرافقتنا عبر الفناء ثم عير الأزقة المتّسخة للمدينة ، الى غاية الشارع العام أين كانت حميرنا في انتظارنا ، ليلقي بعدها علينا تحية الوداع بحرارة تحيات المشرق .

 

—————

  1. القواس أو الكواس ، هو اسم تاريخي لأحد أفراد الشرطة العثمانية ، كما يشار إلى حرس السفارة في المرافئ في بورت سليم في اسطنبول باسم كاواسن . كان قائد هذه المجموعة يدعىBashi – Kawass
إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم