في بلاد العميان

بقلم:نور الدين بوكروح

ترجمة :عبد الحميد بن حسان

إنّ علامة استفهام كبيرة تقبع في سمائنا في وضعية ثبات كوني. ففي الوقت الذي تتّجه فيه تونس ومصر، وربّما حتى اليمن، إلى حظيرة البلدان الديمقراطية، يبقى السؤال فيما يخص الجزائر مطروحا: فهل تلتحق بالركب أم تتأخر عن هذا الموعد الذي يُعدّ فرصة تاريخية سانحة؟ أنا لستُ مُتفائلاً لأننا فشلْنا في كل التجارب التي خضناها منذ الاستقلال.

فعندما أردنا إقامة نظام اشتراكي خاص بنا خرجنا من ذلك فقراء، مَدِينين، ومضطربين ذهنياًّ أشدّ الاضطراب. وعندما حاولنا أن نتظاهر بالانفتاح الديمقراطي لم نجْنِ إلاَّ مئات الآلاف من القتلى وعُدْنا إلى نقطة الصفر. ولمّا خضنا في تجربة اقتصاد السوق كالهامة التي تخبط خبط عشواء وجدنا أنفسنا غارقين في الاقتصاد الفوضوي والموازي. أمّا من الناحية الاجتماعية فإنّ كل مرحلة من تلك المراحل تركت فينا وصمة لا تمّحي: ففي السبعينيات ارتسمت في أفقنا صورة “الحيطيست”، وفي الثمانينيات كانت صورة “الترابنديست”، وفي التسعينيات صورة “الإرهابي”، وفي مطلع القرن الواحد والعشرين ألصقت بنا وصمة “الحرّاقة” أو الـ “بوت بيبل boat poeple”. والأدهى من ذلك أن هذه الوصمات لم تأتِ مُتتالية، بل تراكم بعضها فوق البعض حتى صارت بينها علاقة تلازم. فهناك مِن الـ “حيتيست” مَنِ التحقوا بصفوف بارونات الترابندو أو السوق السوداء في الثمانينيات وهناك مِن “الترابنديست” مَن التحق بالإرهاب في التسعينيات، وهناك إرهابيون تائبون اليوم يتربّعون على عرش الاقتصاد الموازي. أمّا “الحرّاقة” فهم يُمثّلون كل أولئك الشباب الذين لم يتمكّن الإرهاب من ضمّهم إلى مشروعه. فقد فضّلوا، مثل البوعزيزي، أنْ يُغادروا هذا العالم أو يُغادروا بلدهم على حمل السلاح ضدّه.

كُنّا أول بلد عربي وقع تحت نير الاستعمار سنة 1830 ، وكُنّا آخر مَنْ نال الاستقلال. وغداة الاستقلال كُنّا أشبه شيء بمملكة العميان التي بإمكان الأعور فيها أن يدّعي القيادة لأنّ الأمية كانت عامّة، وكان حاملو شهادة التعليم الابتدائي يُعتبرون مفكرين كباراً. أمّا تلك الأقلية من الصيادلة والديبلوماسيين والمُحامين الذين خَدَموا الثورة بصدق فقد تمّ إبعادُهم، وتعرّضوا للإهانة والسجن أو النفي، ذلك أنّ وجودهم كان يحجب أولئك المفكّرين الكبار. وبعد الاستقلال ظهرت أجيال ممّن اكتحلت عيونهم بنور العلم والمعرفة، لكنها لم تَعُدْ تستطيع أن تفهم كيف يستمرّ العُورـ الذين ازدادت رؤيتهم ضعفا بفعل التقادم- في قيادتهم وتوجيههم الوجهة الوحيدة التي يعرفونها، وهي الوجهة التي تنتهي بهم إلى الارتطام بالجدار. ليس الغرض من هذا إحياء جراح الأمس، لكنني أردتُ أن أقول إنّ هؤلاء العُور قد تركوا وراءهم وضعية شائكة إلى درجة أصبح من شبه المستحيل فرز خيوطها ولو بالأسنان.

إنّنا من تلك البلدان القليلة في العالم، مع أفغانستان وكوريا الشمالية، والتي يبدو فيها السكان طيلة الوقت وكأنهم في حداد، بتقطيبات دائمة، ووجوه ساهمة، وأنظار فارغة، وأعصاب متوترة، وهو المشهد الذي نُصادفه في كل مكان. إنها حالة حزن تام، الجوّ مكهرب على الدوام، والقلق يملأ النفوس، وكأننا في أمسية كارثة قادمة. و اللحظات الوحيدة التي نرى فيها شيئا من الفرح على الوجوه هي تلك التي ينظر فيها الآباء إلى أبنائهم وهم يلعبون مع كبش العيد، أو عندما يدوي صوت المفرقعات. أما في باقي الوقت فإنّ الفقراء يُعانون، والطبقة المتوسطة تتأوّه، والأغنياء يتشكّوْن، والمجتمع المدني يصرخ، والأحزاب السياسية تحتج، بينما يسود إحساس لدى أغلبية الناس بأنهم لا قيمة لهم، وأنهم لايملكون حيلة لتحسين أوضاعهم، وأنّ كلّ شيء سائر نحو التّردّي، وأنه لا أمل في حدوث أيّ تغيير، ومهما جرى في الكون فإننا سنبقى تحت حكم مسؤولين دون المستوى.أما الملبس فإن لم يكن أسمالاً بالية فهو ملبوس بطريقة غير لائقة، فهو ليس باللباس الشرقي ولا بالغربيّ، بل هو مزيج منهما، وهذا ما يدلّ على هيامنا الثقافي.

إنّ لكلّ شعب رموزه الثورية: فللثورة الفرنسية ماريان (Mariane)  وجافروش (Gavroche) ، ولروسيا المنجل والمطرقة، ولتونس أحمد حفناوي (وهو صاحب المقولة المشهورة: هرمنا !). أما نحن فقد غُرمنا بالبذلة الأفغانية، وقد نُغرَمُ  بالإزار اليمني بعد الصور التي شاهدناها لإخواننا الأبطال اليمنيين وهم يركضون بسيقانهم العارية والخنجر يتدلّى من أخماصهم، سعياً وراء الديمقراطية الحديثة.

إنّ بلادنا، باستثناء بعض الأحياء النادرة، عبارة عن سوق بازارية يتسكع فيها البطالون والمتقاعدون الذين لا يملكون فلسا، والذين ستلتحق بهم آخر الدفعات الجامعية بعد فترة قصيرة. هذا مع أن الجزائر غنية بثرواتها ويدها العاملة وعقولها. إذا كان التسيير يعني زرع الأموال في مهبّ الرياح فإنّ جدّة من جدّاتنا، حتى ولو كانت أمّية، قادرة على أن تأخذ مكان الحكومة في تسيير شؤون البلد بفضل الخمسين مليارا من الدولارات التي تدخل إلى الخزينة سنويا تقريبا. وبما أنّ الأشياء ليست مرشّحة للتحسّن فلم يبق للجزائريين إلاّ أن يتحوّلوا إلى ديانة أخرى، كأنْ يصيروا بوذيين مثلاً. فالفقر وتحمّل الألم، والمعاناة في هذه الديانة هي فضائل الكائن “اليقظ”.

في أحد الأيام كان بوذاBouddha يتأمل تحت شجرة تين (وهي الشجرة الأكثر انتشارا في الجزائر)، وهنا انتابه نور الحقيقة: فالوجود ما هو إلاّ ألم، والرغبة ذاتها ألم، والمستقبل ألم… فقرر أن يعيش بدون امرأة ولا مأوى ولا عمل ولا بلد ( مثل الحراقة عندنا، لكن لأسباب على طرفي نقيض مع أسبابهم)، ومضى بوذا  لشأنه وليس على جسمه إلاّ سترة بسيطة، ورأسه مُحلّق، مضى وليس يملك شيئا غير قوت يومه الذي يتكرم له به الناس، وراح يدعو إلى دينه الجديد: الزهد في كلّ شيء. هذا هو الدّين الذي ستسعد به السلطة الحاكمة عندنا، لأنها ستستحوذ على مداخيل البترول بكل هدوء، ولأنها لن تُغيّر دينها لكونها وفية له.

كُنْتُ تحدّثتُ عن ثلاث فرضيات ممكنة للتغيير في العالم العربي. والواقع أن هناك فرضية إضافية خصّصتها للموضوع الذي أعالجه اليوم لأنني قدّرْتُ أنها فرضية خاصة بالجزائر: إنها فرضية أنْ تنوي السلطة أنْ ترحل لكنها لا تستطيع إلى ذلك سبيلاً، فرضية أنْ ترضى بترك مكانها لكنّ أحداً لا يريد أنْ يخلفها. قد أكون على خطإ في هذا التقدير، لكننا لن نخسر شيئا بالنظر في هذه الفرضية، فما ذاك إلاّ حبر على ورق.

إنّ مِنْ آثار الثورة العربية أنها حرّرت المواطنين الجزائريين من الخوف، مثلهم مثل باقي إخوانهم العرب. لم يعودوا يخافون من القمع، وقد انتبهوا إلى أنّهم في وضع أحسن من الوضع الذي توجد فيه السلطة. إنهم يعرفون أن وضعيتها صارت هشّةً بسبب الثورات العربية، وأنها في وضعية دفاع، في مأزق، وبالتالي فهي مستعدّة لتقديم أكبر قدر من التنازلات، خاصّة إذا لم تمتد المطالب إلى رحيله. وسرعان ما سيجد نفسه واقعا في الفخّ: فهو يتنازل عن القليل فيُطالب بالكثير ثُمّ بكلّ شيء. إنّ الانتفاضات المتفرّقة من أجل المطالبة بالسكن، والاعتصامات والتظاهرات للمطالبة بتحسين الأجور أو القانون الخاص، كلّ ذلك سيتضاعف وسينتشر في كل الأحياء الشعبية وفي كل التنظيمات، وسيمتدّ إلى كل المناطق. فكُلّما عالجت السلطة مشكلة ظهرت أخرى، وهكذا دواليك، حتى تصير السلطة في وضعية صعبة لأنها تعرف أنّ العدوى تعني الإفلاس. إن السلطة ستكون عاجزة عن الاستجابة لكل المطالب دون أن تخلق وضعية صعبة لخزينة الدولة. وبالإضافة إلى هذا فكل تحسين للأجور سيزيد من التّضخّم الذي سينسف القدرة الشرائية التي تحسّنت ظرفيا، وهذا ما سيؤدي إلى اشتعال لهيب الاحتجاجات ضد ارتفاع الأسعار، إلخ. وهكذا تدخل البلاد في متاهة حلزونية وتسقط في بئر بلا قرار. وستتفاقم المطالب وتتسع رقعتها، ويسود الإحساس بعدم الرِّضا، ويتشنّج الوضع حتى يصير إعصارا قادما وقادرا على تهديم كل شيء.

تلك هي طريقة الشعب في الانتقام من العميان الذين تعاقبوا على سدة الحكم منذ نصف قرن، وهو يفعل ذلك بدون أية استشارة وبعيداً عن أية ألاعيب. سيُثخِنُهُمْ بمطالبه ومظاهراته وإخلاله بالنظام ومساسه بالأملاك العمومية. سيُنغِّص عليهم صفو العيش، وسيستنزفهم حتى يملّوا من السلطة. سيُحيل حياتهم جحيماً بإغراق المملكة في المشاكل. أما الديمقراطية، والتعديلات الدستورية، والإصلاحات السياسية، والانتخابات المسبقة، والمسيرات السياسية، فكلّ ذلك لا يعنيه، بل إنه لا يأبه بذلك لحظة. فهذه أشياء لا تسمن ولا تُغني من جوع ولا تقي من الحرّ والبرد، وهو يؤمن ببعض قواعد السير التي أهمّها : “أحييني اليوم واقتلني غدوة”. ففي المستقبل لن يبقى مَلِك واحد على رأس مملكة العور لأنّ المشاكل هي التي ستتولى الحكم.

إن السلطة الجزائرية التي كانت الأحزاب السياسية والمجتمع المدني هي آخر انشغالاتها لأنها هيئات تنشط في إطار شرعي، هذه السلطة تخاف من الحركات الجماهيرية العفوية والعنيفة خوفاً مَرَضِياًّ. وهناك ما يُبرِّرُ هذا الخوف: فعدد الجماهير يتزايد باستمرار، وهي تتوافد على مكان التّجمّع من كلّ الاتّجاهات مع أنه لا يوجد أيّ طرف يقوم بمهمة التنسيق بين هؤلاء الأفراد الذين قرروا أن يتحرّكوا جماعياًّ. وسيكون مِن غير الممكن إسكات هذا الغضب الشعبي ما لمْ تُلبّ المطالب. إن الشعب يعرف أنّ البلد يملك أموالا كثيرة واحتياطي صرف مُعتبر، لكنهم لم يروا أثر كلّ ذلك على حياتهم. وقد حان الوقت ليندم المُسيء عن إساءته. إن المتظاهرين لم ينسوا قضايا الخليفة و BRC وسوناطراك والتلاعب بأسعار تكلفة الطريق السّيار، وملفّات الفساد الأخرى. وهذه هي اللحظة التي سيأخذ فيها المظلوم حقه المغصوب مِنْ مداخيل البترول والغاز، فسيفتك المُحتجّون حقوقهم الاجتماعية والمهنية والمادية بكل الوسائل، بما فيها العنف. وحتى لو حدث تغيير في الحكومة فإنهم سيتوجهون بمطالبهم إلى الحكومة الجديدة، وكذلك إذا تغيّر الرّئيس. إنه انتقام الأفراد المتجرّدين من السياسة، غير الطّموحين إلى الحكم، غير الثوريين، إنه انتقام الأفراد البسطاء.

الأحزاب السياسية من جهتها لن تجني أية فائدة من كل هذا. المُهمّشون والمُحطَّمون، أولئك الذين تغلي أحشاؤهم من الغيظ، أولئك الذين تنتابهم الرغبة في تحطيم كلّ شيء وإحراق كل شيء، لم يعودوا يُناضلون، فلا الوقت يسمح لهم بذلك ولا الرغبة موجودة: لقد فقدوا الأمل منذ 1992. إنّ المُناوءة السياسية قد تُغذّي الغضب الاجتماعي وتكون في صالح الثوار، لكن الغضب الاجتماعي لن يستفيد شيئا من الأحزاب وخلافها مع السلطة. إنّ الأحزاب التي كانت ترى أنها أحسنتْ فعلاً عندما دعتْ إلى الإضرابات والمطالبة، وإلى المسيرات، هذه الأحزاب لن تكون مُتحمّسة إلى أخذ مكان النظام البائد خاصة عندما ترى اتساع رقعة الاحتجاج وحجم المطالب. فلن يكون هناك من تنتابه الرغبة في مواجهة الأسد الهصور بغير سلاح، أو الوقوف في طريق هذا التسونامي البشري الهائج.

إنها نهاية العهد الجميل بالنسبة لحكم العور في مملكة المُبْصِرين. لقد استهلكوا كل أصناف اللذة، ولم تبق أمامهم إلاّ الأيام التعيسة والخبز الأسود والبقرات العجاف. كان تسييرهم غير عقلاني حتى وجدوا أنفسهم في وضعية غير عقلانية. وعندما كانوا ياكلون ويلهون في قاعات “التيتانيك”(Titanic) الفخمة الذي ظلوا يظنون أنه لا يغرق، كانت سفينتهم تتجه بسرعة معتدلة صوب الجبل الجليديّ. وهُم اليوم في المرحلة التي انتبه فيها طقم السفينة إلى الخطر وراح يصرخ: “إلى الخلف !!!”. لكن هيهات ! لقد فات الأوان، فجدار السفينة ممزق والمياه بدأت تغمر هذا المركب الأسطوريّ.

إنّ عهد الاستبداد باسم ” الشرعية الثورية” يتجه إلى نهايته في الجزائر. وإنّ الذي مكّن السلطة من حكم البلاد منذ الاستقلال هو ما توفر لها من جيش، وشرطة، وسجون، وتلفزة، وبنك مركزي، وسفارات في الخارج، وسوناطراك.وهي لا تدّخر جهدا في إظهار علامات الأبّهة والبروتوكولات، لكن ذلك لا يكفي لإعطائها صورة جمهورية حقيقية، ولا ديمقراطية صحيحة. إنها خاوية من الأفكار، مجردة من النظرة المستقبلية، بل إنها لم تشعر يوما بالحاجة إلى تلك النظرة. السلطة عندنا ليست مُبدعة لأنها تعتقد أنه يكفيها أن تكون قامعة مضطهدة. ففي مواجهتها حفنة من الأفراد الذين تجمّعوا حول بعض العصبيات لكي يقفوا بها ضد السلطة. والسلطة لا يمكنها أن تذهب إلى أبعد من الحد الذي وصلتْ إليه بمؤسسات مُزوّرة ودستور لم تعدْ له أية قيمة وأشخاص غير أكفاء يتلاعبون بالبلد يمينا وشمالا، وحقل سياسي ممزّق ومقسم إلى بقع وقطع خاصة.

كان مصالي الحاج يقول منذ ستين سنة، وفي كل اجتماع للمكتب السياسي لحزبه (PPA-MTLD)، أنه لن تكون هناك ثورة مسلحة ضدّ الاستعمار الفرنسي ما لم يُقرِّرْ ذلك هو شخصياًّ. ومع ذلك فإنّ التونسيين والمغاربة والفيتناميين كانوا قد حملوا السلاح ضدّ الفرنسيين. وجاءت سنة 1954 ليظهر اثنان وعشرون من الشباب فعلوا ما فعله بروميثي(Promethee) لمّا انتزع المشعل من يد الإله زوس. واندلعتْ حرب التحرير بعد ذلك بأشهر قليلة لتنال بلادنا استقلالها سنة 1962. إنّ موقف السلطة اليوم يُذكِّرُنا بموقف مصالي: فلا تغيير بدون قرار صادر مناَّ نحن ! ومِن غير المعقول أن تكتفي الجزائر في حصيلتها بالاستقلال كإنجاز وحيد. يجب عليها أن تحقق إنجازات أخرى، كالحرّيّة، والديمقراطية، والحداثة، والتقدّم. لقد استرجع الجزائريون أراضيهم بفضل ثورة نوفمبر 1954، فما على الأجيال اللاحقة إلاّ أن تسترجع حق المواطنة. وذلك هو معنى الثورات العربية اليوم. وإنّ الحلم الذي لم يتحقّق بعدُ قد يتحقق في أية لحظة. فما العمل لتحقيقه؟ تلك هي المسألة.

لقد سبق لي أن زرتُ تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، لكنني لم أعتقد أبدا أنّ هذه البلدان ستتيحُ لنا رؤية ما رأيناه بأمّ أعيننا. كان بإمكاني أن أُخْفي ما كنتُ أعتقده، لكنني الآن أعترف بأني كنتُ أظن أن اليمني، هذا الذي نعرفه بصورة الرجل الذي يتدلى السيف من خصره، وخدّه منتفخ بكرة من القات (وهو نوع من المخدّرات)، كان أقرب ليسلك الطريق التي سارت فيها أفغانستان منها إلى الطريق المؤدّية إلى الديمقراطية الحديثة. وكنت على يقين كذلك بأن الشعب الليبي أصبح عقيما بسبب الهوس المرضي الذي تميّز به القذافي، وأنه مخمور بمداخيل البترول والغاز. كنت أعتقد في صميمي بأن هذه الشعوب التي تحمّلتْ أنظمة كالتي حكمتْها ليس لها أي حظ في اللحاق بركب الإنسانية، وأنه لا بدّ من انتظار مجيء أجيال جديدة، في حدود النصف الثاني من القرن 21، لكي يعود الأمل في تفتحها. كنتُ أظن أنها شعوب راضية ومُستغباة من طرف قادة تعوّدوا على إقناع شعوبهم بكلّ الحماقات. لكنني أتوب وأتراجع عن هذه الأفكار، وأردّدُ مع جان جاك روسو قائلاً: ” إنّ الإنسان (العربي( يولد في أحسن تقويم بطبيعته، لكن  المجتمع (الاستبداد( يُفْسِدُهُ “.

كُنأ ناقمين على المصريين بسبب تعدّيهم على فريقنا الوطنيّ أثناء تصفيات كأس العالم، وبسبب الشتائم التي أثخنونا بها. ويمكن تفسير ذلك بما يأتي: قد يكون كل ذلك من تنظيم جمال وعلاء مبارك اللذين كانا في حملة انتخابية. ومِنْ جهة أخرى أرجو ألاّ ينقم علينا الليبيون بسبب المواقف التي اتّخذها قادتنا تُجاه ثورتهم. ونحن لا نعرف مقدار صدق الإشاعات التي انتشرت بهذا الخصوص، لكننا جميعا سمعنا أحد ممثلي المجلس الانتقالي الليبي وهو يُصرّح بمتابعة بلدنا في محكمة العدل الدولية على ” التورّط ” في جرائم حرب نُسِبتْ لـ “القائد” الذي لا يستحق هذا اللقب في الحقيقة. وإذا ثبت صدق هذه الإشاعات فإنّ بلدنا يكون قد تحوّل من ” مكّة الثوار ” إلى ” مكّة المستبدّين “. فهل يتعلّق الأمر بدليل آخر على العمى؟

لوسوار دالجيري 31 مارس 2011

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم