الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 قانون جاستا : شرعنة العدوان وتفكيك البلدان

قانون جاستا : شرعنة العدوان وتفكيك البلدان

الدكتور خضري حمزة*

لاشك أن الولايات المتحدة الأمريكية و حلفاءها التقليدين باشروا منذ عقود التحضير لمخططات إعادة تقسيم العالم العربي و الإسلامي، بعد التقسيم الأول الذي تم بموجب معاهدة سايس بيكو السرية سنة 1916 و هذا ثابت في الكثير من المخططات التي أنجرت من أكبر المخابر العالمية منها على سبيل المثال لا الحصر مشروع برنارد لويس الذي أعلن عن تقسيم الدول العربية و الإسلامية من باكستان إلى المغرب على أسس عرقية و دينية و طائفية تحت شعار تعليم الشعوب معاني الديمقراطية، و هو المشروع الذي تم اعتماده ضمن السياسات المستقبلية للولايات المتحدة الأمريكية سنة 1980 و قد بدأت معالم بداية تنفيذه منذ غزو العراق سنة 2003 و تقسيم السودان رسميا سنة 2011، و برزت بقوة معالم بداية مشروع إعادة تقسيم العالمين العربي و الإسلامي مع بداية أحداث الخراب العربي التي انطلقت شرارتها الأولى في تونس سنة 2011 عقب حادثة انتحار محمد البوعزيزي و التي امتدت لاحقا إلى أقطار عربية أخرى  هي سوريا مصر و ليبيا و البقية قادمة ….

واجه مشروع الخراب العربي مواجهة قوية من بعض الدول العربية التي استحال على عرابي هذا المشروع إيجاد مبررات مقنعة للتدخل في شؤونها الداخلية نظرا لتماسك جبهتها الداخلية و قوتها المالية و العسكرية، و هو ما دفعها إلى البحث عن أساليب جديدة لابتزاز هذه الدول و الضغط عليها بغية استنزاف قوتها ليسهل عليها الشروع في عملية التفكيك إلى دويلات صغيرة خدمة لأحلام إسرائيل في إقامة الدولة الممتدة من المحيط إلى الخليج .

إن قانون جاستا أو قانون العدالة ضد الدول الراعية للإرهاب هو قانون إعطاء الشرعية للاستعمار و الاعتداء و العدوان كونه أعطى الصلاحية للولايات المتحدة الأمريكية  خدمة لأمنها القومي و تحت ذريعة مكافحة الإرهاب التدخل في الشؤون الداخلية للأمم و الشعوب عن طريق منح الولايات المتحدة الأمريكية صلاحية مقاضاة أي دولة من دول العالم تقدر أنها تدعم الجماعات الإرهابية، أو ساهمت في ارتكاب جرائم إرهابية على المصالح الأمريكية داخل أمريكا أو خارجها، كما يعطى هذا القانون لأمريكا الصلاحية في متابعة أي شخص أو منظمة أو جماعة ترى و تقدر أنها تمارس أو تساهم أو تدعم العمليات الإرهابية وفق نظرتها و تعريفها للإرهاب، و بذلك تحضر الولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء مفهوم سيادة الدول و الشعوب المقرر في كل المواثيق الدولية و الاتفاقيات التي توالى صدورها بعد الحرب العالمية الثانية و في مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة و اتفاقيتي فينا لقانون المعاهدات الصادرتين سنتي 1969 و 1986، و بذلك فإن زوال مفهوم السيادة سيؤدي حتما إلى هشاشة الدول و إضعاف نفوذ و سيطرة  السلطات الحاكمة على الأوضاع الداخلية بصرف النظر عن طبيعة الأنظمة الحاكمة جمهورية كانت أو ملكية أو ملكية دستورية، و هو ما يسهل عملية التدخل في شؤونها الداخلية من أجل تقسيمها و تفكيكها، هذا و فضلا على ذلك يعد القضاء على السيادة منفذا من المنافذ التي تستعمل في إثارة الفتن والأزمات الداخلية العرقية و الإثنية و الطائفية التي تعتبر الأساس الذي تقوم عليه عملية إعادة التقسيم نظرا للارتباط الكبير لهذا الموضوع بوجدان المواطن في العالمين العربي و الإسلامي، ونظرا  للخلفيات التاريخية الكبيرة للخلافات الإثنية و الطائفية و المذهبية و العرقية في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية .

إن الاستسلام لواقع المخططات الاستعمارية الجديدة سيؤدي لا محالة إلى رسم خارطة جديدة للعالمين العربي و الإسلامي تزول فيها  معظم الدول الحالية و تتحول إلى دويلات صغيرة تحت رحمة إسرائيل الحليف الأوحد في المنطقة للولايات المتحدة الأمريكية، فبعد التقسيم الرسمي  للسودان إلى قسمين، بادت تلوح في الأفق  معالم تقسيم العراق و سوريا و ليبيا، ليأتي الدور لاحقا على جمهورية مصر العربية و السعودية و الجزائر و المغرب، و هو تقسيم محضر و معد مسبقا من طرف الدول الراعية لفكرة الاستعمار، و هو الأمر المتوقف على إرادة الشعوب و الحكام فلا شك أن التاريخ لن يذكر بخير شعوبا استسلمت للتقسيم بل كانت الأداة الحادة في عملية التقسيم التي يستعملها الاستعمار الجديد تحت مسمى تدريب الشعوب على معاني الديمقراطية، و في المقابل لن يذكر التاريخ كل من تولى أمر هذه الشعوب و كان عاملا من عوامل تفكيكها وتقسميها.

 

*جامعة المسيلة/ الجزائر

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم