كان يا ما كان …

بقلم :نور الدين بوكروح

ترجمة : بوكروح وليد

كان يا ما كان في قديم الزمان، و سالف العصر و الأوان، حضارتان، إحداهما من الشرق، هرمةٌ تَتَقوَّضُ تحتَ أثقال قُرون من الزمان، و أخرى من الغرب يانعةُ الشباب في أَوج القوة و العنفوان. التَقَت في القرن الرابع عشر الغريمتان، وجها لوجه و التاريخ ثالثُهما حَكَمٌ يُهَيّئُ لكلَيهما الامتحان. ينظرُ للأولى التي رافقته طويلا على مرّ الزمان؛ ثم يقول لها بحسرة و أسف: “الوداع” و يُديرُ ظهرهُ ليَتَمَعَّنُ في الثَّانية التي لم يعرفها من ذي قبل. يتأمل فيها، و بابتسامة عريضة يرحبُ بها و يقول: “أهلا و سهلا”. لكن الريبةُ تَتَمَلَّكُ التاريَخ فجأة عندما يتذكر ما اعتاد عليه منذ قديم الأزمان: أَنَّ الشمسَ تطلعُ من الشرق و تنصرف إلى الغرب. فيتردَّدُ قليلا و يُفَكّرُ: أليس في هذا اختلالٌ لقانون الأكوان؟ لكنه سرعان ما يعود إلى رشده، و يتذكرُ أنَّ دورهُ لا يعدو الشهادة و تدوين ما تصنعه يد الإنسان. ثم مَن يكترثُ من أين تأتي و أين تذهب الشمس؟ أليس الأَهَمُّ أن تَستَمرَّ في بَسط نورها على البلدان؟

هكذا تَرَكَت الحضارةُ الإسلاميةُ  عهدَ الحداثة الذي لم تَعُد لها فيه ناقةٌ و لا جملٌ، و عادت أدراجها حزينةً مجعدةَ الوَجه كئيبةً الملامح، إلى القرون الوسطى وغابر الأزمان؛ بينما نَفَضَت الغربيّةُ غُبارَ قُرون التخلف عن ثيابها، لتضعَ قدميها مرحةً لعوبًا في عصر الحداثة الذي كُتبَ لها أن تحقق فيه أشياءً عظيمة. ” وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس…”:  لقد أنذرنا بذلك و خبّرنا القرآن.

عندما  نتفحّصُ حالَ العالم الإسلامي في وقتنا هذا، ندركُ من الوهلة الأولى أنَّ الإسلام فشل، ما عدا استثناءات نادرة، في ترقية الإنسان المسلم إلى مستوى التطور الفكري والعلمي والتكنولوجي والمؤسساتي و العسكري و الاقتصادي الذي بلغتهُ الحضارات الأخرى. كدنا نفقدُ فيه الأملَ منذ قرون و نَيأسُ منه إلى الأبد، لَو لَم تُوجَد في الماضي مساهماتهُ الهائلة في تطور العلوم والفنون و شتّى الاختراعات التقنية والفكر؛ و لَو لم نُدرك الوثبةُ العملاقة التي سمحَ للبشرية بتحقيقها منذُ لحظة ظهوره حتى القرن الرابع عشر و مقدمة ابن خلدون؛ و لَو لَم نَتَذَكَّر أنَّهُ لم يَكُن دائما على هذا الحال من الهوان.

لكن المشكل في الحقيقة لا يكمن فيه هو و إنّما في الدعائم الاجتماعية التي حملته. فالإسلام لم يأت ببشرية جديدة عند مجيئه، ولا نَزَلَ على إنسان جديد خرجَ لتَوّه من بين أيدي الخالق، بل ركب قطارَ الإنسانية وهو يَسير، فَنَزَلَ عند شعوب كانت تَحملُ ذهنيات و عقائد، و أنماطَ حياة، و صراعات مصالح، و أحقاد قبلية، و نزاعات متوارثة سبقتهُ و تواصلت بَعدَ قُدومه. إنهُ لَم يَخلُق الإنسانَ المسلمَ من العدم، بل أَمسكَ بالإنسان العربي، القريشي، الفارسي، الأمازيغي، التركي، البشتوني، المغولي؛ فصَبَغَهُ باللَّون الأخضر ثم ألقى به في حلبة التاريخ. و الشعوبُ التي حلَّ عندها الإسلامُ قد “تَأَسلَمَت” (إن صح القول)  لكن سطحيا فقط، إذ هي احتفظت في أعماق ذاتها بأنظمتها الفكرية و تركيبتها النفسية و جيناتها المتوارثة؛ و التي ما انفَكَّت أن تَغَلَّبَت في أول فرصة على الروح الجديدة التي جاء بها، مُعيدَةً بذلك إيّاها إلى أنماط حياتها و تفكيرها القديمة.

لَقَد غَلَّفَ الإسلام عقلياتهم في السطح لكنه لم يحولها في العمق، حيث رأينا كيف كانت هي التي أَقلَمَتهُ في ما بعد، و حاكَتهُ على مقاس ميولها الطبيعية جاعلةً منه شيعيا في إيران، و وهابيا في الخليج، وشعوذةً في المغرب وإفريقيا، وطالبانيا في أفغانستان،  و “تَأَسلُماً” سياسيا و إرهابيا هنا و هناك. الإسلام في الأصل تصورٌ للوجود و نظامُ قيم عُرضَا على الإنسان منذ أربع عشر قرنا مضت، صَنَعَت منهُ أجيالُ المسلمينَ الأُولى حضارةً بينما جعلت التي تلتها منه انحطاطا. ومن الممكن أن نستعرضَ هنا لماذا غرق الإسلام في الاستبداد و الظلامية، و لماذا لم يتمكن من تشغيل مُحَرّكاته من جديد منذ أكثر من قرن رغم تعدد المحاولات في سبيل ذلك.

في السنوات الأولى ولحسن الحظ، لم يؤثر الانقلاب الذي ارتكبه معاوية في حق السلطة الشرعية الممثلة في علي (رضي الله عنه) على ديناميكية الفتوحات الإسلامية. فتمكن الإسلام من الانتشار سريعا في الأرض بين شعوب عريقةُ التَّحَضُّر، و التَقَطَ المشعلَ من فكر العصر القديم بعدَ سقوط الدولة الأموية، ليُوَسّعَ التصورَ البشريَ للكون ويحققَ التقدمَ والاكتشافات في جميع الميادين العلمية والتقنية والفنية: من 750 إلى 1250م.، سلسلةٌ متواصلةٌ منقطعة النظير من العلماء الحقيقيين، والعقول النيرة والمخترعين.

العقلُ المسلمُ كانَ يعملُ وقتها في جو من رُقيّ الفكر حيث الإنسانُ حُرٌّ ليَبحثُ ويَتحرَّي وينتقدُ و يتأملُ دون قيد، والمفكرُ يسعى لاكتشاف أسرار الطبيعة والحياة ويستنبطُ منها مختلف الاختراعات و التقنيات. كما كان التسامح و التعايش السلمي بين المسلمين و المسيحيين و اليهود على أَوجه، حيث كان علماء الأديان الثلاثة يشتغلون سواسيةً في ” بيت الحكمة” التي أنشأت في بغداد عام 840م.، والتي عَرَفَت في 870 عربيًا مسيحيا (حنين ابن اسحق) على رأسها. تلك هي الفترةُ التي يُصطلحُ عليها بالعصر الذهبي، و الذي عاش خلاله العدد الأكبر من العلماء (العلميين) و العقول الفذة، والذين يُمكنُ أن نذكرَ من بينهم :

الخوارزمي  781)إلى 850)، أب الجبر والحساب اللذان لولاهما ما وُجدَ العَالَمُ الحديث و المعلوماتية و الانترنت؛ بنو موسى (الإخوة محمد و احمد و الحسن في القرن التاسع) الذين قاسوا محيط الأرض، واخترعوا أول الآليات، و وطوروا نظام الصمام المخروطي الذي يُطَبَّقُ مبدأه اليوم في صناعة الطائرات النفاثة وآلات الغسيل؛ عباس ابن فرناس (810 إلى 887) الذي صنع أول آلة للطيران كان بإمكانها أن تُدَشّنَ علم الطيران الحديث لو واصلَ من جاءوا بَعدَهُ عَمَلَهُ، و ابتكر ساعةً “الميقات” المائية، وكان أول من وضع تقنيات التعامل مع الكريستال، وصنع عدة أدوات لمراقبة النجوم ؛ الرازي (865– 923)؛ الطبيب وعالم الكيمياء الذي اكتشف حمض الكبريت، و وضع مبدأ المراقبة الطبية و النفسية، و أنشأ أول مستشفىً عامّ، أبو القاسم الزهراوي (936 –1013) مؤسس الجراحة؛ ابن الهيثم (965– 1040) مؤسس الفيزياء التجريبية وعلم البصريات الحديثة؛ البيروني (973– 1048) أول من حسب قطر الأرض و اكتشف أنها تدور حول نفسها والذي كان يمكن لأعماله لو توبعت أن تؤدي إلى الفيزياء الفلكية؛ الجزري (1136– 1206) الذي اخترع الذراع المحرك و عمود الحدبات و العمود المرفقي و العجلة الهيدروليكية و دورة مياه المراحيض والأبواب الآلية الخ، و فَصَّلَ كيفية صناعتها و عملها هي و أشياء أخرى عديدة في كتاب ” الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل ” ؛ حسن الرماح (توفي في 1295) أب علم القذيفة وأول من صمم وجرب الطوربيد، مؤلف كتاب عظيم (الفروسية والمكائد الحربية) حول الآلات الحربية يصف فيه أول صاروخ في التاريخ. هذا و لا ننسى العباقرة الآخرين من نفس العهد، من الذين انضَمَّت أسمائهم إلى التراث الفكري العالمي خالدةً فيه : الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن رشد، ابن طفيل و آخرينَ يُعَدُّونَ بالعشرات.

ثم فجأةً لم يَعُد هناكَ مُفكّرونَ ولا علماء، ولا عقول مبدعة ولا مخترعون ولا فلاسفة. هكذا، كما لو سقط يَومًا من السماء حاجزٌ ضخمٌ أصابَ عقولَ المسلمين بالعُقم إلى الأبد. و ما وَقَعَ في الحقيقة قَريبٌ فعلا و إلى حدّ كبير من ذلك، إذ ظهر في نهاية القرن العاشر تيارٌ فكريٌ جديد، أسّسهُ شخص كان في السابق ينتمي لتيار المعتزلة هو أبو الحسن الأشعري (873– 935)، ثم انقلب على حاله و أخذ يُهاجمُ فكرهم من جميع النواحي. و دَعَّمَهُ بعد ذلك أبو حامد الغزالي (1058- 1111) الذي قسَّم العلم إلى ديني و دنيوي، ثم فصَلَ أحدَهُما عن الآخر وراح يهاجم الفلاسفة واصفا إياهم بالزندقة والكفر.

ازدادَ نفوذ هذا التيار المناهض للاجتهاد و العقلانية والحرية تدريجيا، إلى أن قضى على فكر المعتزلة النَّير نهائيا. وأَثَّرَ التياران الأشعري والغزالي على المدارس الدينية السُّنية الأربعة حتى أصبحت تعتبر أفكارهما هي المألوفة والمُدَرَّسَة فيها. و هكذا بعد السابقة الخطيرة التي تركها معاوية للإسلام في الميدان السياسي، جاءت الضربة القاضية التي دَمَّرَت فيه الفكر والإبداع. فرُسمَت بذلك الحدودُ الجديدة يومَ أُغلقَت أبوابُ الاجتهاد، و تباطأت الديناميكية الاجتماعية، و تضائلَ الإبداع العلمي والتقني الذي مَيَّزَ القرونَ الأولى حتى توقّفا تماما. وهكذا بَعدَ أن تَوَقَّفَ الأول، تَعَطَّلَ المحركُ الثاني و الأخير لطائرة الإسلام، فلم تلبث أن هبطت إلى الأرض و لم تعد إلى الطيران بعد ذلك أبدا.

التصور التقليدي الذي فرض نفسه في القرون الموالية صار يَحُثُّ على الخضوع للسلف و لتفسيره، لكن ليس السلفَ العقلانيَّ العلميّ النَّير الذي يُمثلهُ فكر المعتزلة، بل ذاك الذي أغلق أبواب التفكير والتطور و أوقف التقدم. فَلَم يَعُد يَجبُ التأملُ في القرآن وتفسيره بل فقط تطبيقه حرفيا، طبقا للفهم الذي وضعه علماء الدين، حتى لو لم تكن أفكارهم صالحة، وحتى لو لم يتعلق الأمر إلا بشؤون المجتمع وتنظيمه فقط، و ليس بأمور تمس بالعقيدة.

انتزع الفكر التقليديُ الحَرفيُّ من المسلمين الحريةَ التي أعطاهم رسولُ الله (صلى الله عليه و سلم) حين قال : “أنتم أعلم بأمور دنياكم” (رواه مسلم)؛ وفتح الباب أمام حصاد وفير من الصوفيين و الزهاد، و من آيات الله عند الشيعة، و من العلماء في المشرق، ومن الملا عند الأفغان، و من شيوخ الشارع في الجزائر. كما سلّم ذات الفكر في الميدان السياسي بالقضاء و القدر، فأوجب السمع و الطاعة لولي الأمر دون السماح بالسؤال عن الطريقة التي وصل بها إلى منصبه. ولَم نَسمع بعدَ ذلك بالمخترعين أو الفلاسفة، فَقَد حلَّ محلَّهُم آلاف “الدُّعاة” الذين لا يفكرون ولا يكتبون، مكتفين بالوعظ  في المساجد والشوارع و شاشات التلفزيون.

الإسلاموية المعاصرة هي وريثة هذا التيار الذي ساندَ وأضفى الشرعيةَ على انقلاب معاوية، ثم قَمَعَ الفكر الحر والعلمي الذي كان عند المعتزلة. و قبل أن تُمَثّلَ تقهقُرا بالنسبة للعَالَم الحديث، فهي تُمَثّلُ أولاً و قبل كل شيء تقهقرا بالنسبة للإسلام نفسه، حيث تحمل في طياتها قيمَ الانحطاط وليس قيمَ الإسلام الأصلي المتفتح النير. يمكن لنا طبعا أن نَتَوَهَّمَ فيها الإسلامَ لأنها تَستعرضُ مظاهرهُ و تستظهر شعائرهُ، لكنها في الحقيقة فارغة لا تَحملُ في جَوفها شيئا من عوامل الحياة أو التطور. فهي مثلا تَـحتَلُّ السلطةَ في دول الخليج أو إيران أو السودان منذ عشرات السنين، إلا أنه لم يظهر في هذه البلدان لا علماء و لا مخترعون و لا عقول مبتكرة و منتجة.

لماذا لم تصبح جامعة الأزهر أو جامعة القَرَويّين، الموجودتان منذ زُهاء ألف سنة، “داراً للحكمة” مثل تلك التي كانت توجد في بغداد؟ لأن روح هذه الأخيرة و عقلها اختفيا من الوجود. فمثل هذه الجامعات تكتفي اليومَ بالتحفيظ عن ظهر قلب لكُتُب انتهت صلاحية ما تحتويه منذ زمن طويل. حتى أصبحت رزنامتها العلمية تشير إلى العام1437، لكن من التأريخ الميلادي و ليس الهجري. و لغَّمَ تفكير العلماء هذا طُرُقَ الاقتراب من الإسلام، و لفَّ مُحيطَهُ بالأسلاك الشائكة، و سَدَّ كل المنافذ التي تدخل إليه و تخرج منه ؛ فهم يسيطرون على المذاهب، والجامعات الإسلامية وبرامج تعليم المواد الدينية، و هيئات الفتوى و تفسير القرآن، وأئمة المساجد و التلفزيون. هم فقط من يخول إليهم الاجتهادُ الذي أغلقوا أبوابهُ منذ ألف عام و لم يعد بمقدور أحد أن يُعيدَ فتحها. حتى العلماء الذين حاولوا التغيير مثل عبد الرحمان الكواكبي، ومحمد عبده، وعلي عبد الرازق ومحمد الغزالي، لم يفلحوا في فرض رؤاهم الإصلاحية.

لو قارننا بين عدد المُؤلَّفات التي كُتبَت في اتجاه الجمود طيلةَ قرون من تاريخ الإسلام، وتلك التي كُتبت في اتجاه التغيير، لكانت النسبة 1 لكُلّ 10.000، أو أقل. و هذا ليس بالشيء الغريب، فَتحطيم استبداد الدُّوَل والسّاسة أسهلُ بكثير من التعرض لاستبداد العلماء. هؤلاء ليسو فقط أعداءً طبيعيين للتغيير، بَل لَن يُمكنَ لَهُم أَن يُغيّروا في شيء حتى لَو أرادوا ذلك و سَعَوا إليه. لأن كُلَّ تعليمهم و جميع كفاءاتهم متخصصة تحديدا في اللاتغيير. لقد تَكَوَّنوا في ذلك و من أجل ذلك، وهم حراس “التقاليد” و حُفَّاظُ الماضي. مصالحهم تقتضي أَن يبقى الحال على ما هو عليه، لأن في ذلك دوامُ نفوذهم و ازدهارُ حرفَتهم. يَحفَظون آلاف الصفحات عن ظهر قلب، و يَحسَبونَ أنَّ في ذلك أعلى درجات التَّمَكُّن والاقتدار في علم الدين، بينما هو ليس إلا مضيعةً للوقت والجهد. فأين هي الحاجةُ إلى استهلاك الملايين من الخلايا الذهنية لحفظ آلاف الصفحات من معلومات يُمكنُ الوصول إليها في ثوان على الإنترنت؟

في القرن الثاني الهجري، كان عَرَبُ و مُسلمُو “بيت الحكمة” ببغداد يَعكفون على جمع كل ما أنتجه العقل البشري من كتب و مؤلفات في العلم والفلسفة والدين من اليونان والهند والفرس والبلدان المسيحية؛ لترجمته إلى العربية. أما اليوم، فدولة اليونان الصغيرة، بحوالي 11 مليونا من السكان، تُتَرجمُ إلى لغتها كل سنة أكثر مما يُتَرجمهُ العَالَمُ العربي بـ 400 مليون من سكانه. أمّا إسبانيا فتُترجمُ بدورها سنويا بقَدرَ ما تَرجَمَهُ العربُ خلال الألف سنة الأخيرة. و ما عسانا نقول عن الغرب الذي اخترع خلال الخمسين سنة الماضية أكثرَ مما اخترعت جميع الحضارات البشرية (بما فيها حضارته) منذ خمسة آلاف سنة. إذا ما استثنينا احتمال حدوث كارثة طبيعية عظمى تَقضي على البشرية خلال القرنين المقبلين، فإنه سوف يتمكن خلالهما من خلق الحياة، و التغلب على المرض، و السفر في الفضاء بسرعة تقارب سرعة الضوء، و الوصول أو حتى الاستقرار والعيش على كواكب أخرى.

ما يمكن أن نصل إليه بعد هذا التذكير المقتضب و المُرَكَّز للتاريخ السياسي و الفكري للإسلام، هو المحصلة الآتية: كلما رجعنا في التاريخ و اقتربنا من المنبع الأولي للإسلام اكتشفنا الجوهر الديمقراطي و العقلاني له. و كلما ابتعدنا عن المصدر القرآني و سيرة الرسول (صلى الله عليه و سلم) اقتربنا من الانحطاط. و لو لم تتمكن الظلامية من قطع الطريق أمام مسيرة النور القرآني، لَكانَ في وسع العلوم والتكنولوجيا، وعلوم الاجتماع والسياسة وحقوق الإنسان أن تتقدم بألفيةً كاملة عمّا هي عليه اليوم، ولكانت الحضارة الإسلامية في زمننا هذا تقودُ العالم و ربما الكون. لكن حدثَ ما حدث، وكانَ ما كان… في قديم الزمان !

صدر المقال بتاريخ:25 مارس 2012