الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 لعنة الدستور

لعنة الدستور

بقلم:نور الدين بوكروح

ترجمة :عبد الحميد بن حسان 

إنّ كثيراً مِنْ مُواطنينا، مِنْ مختلف الأعمار، ومِن الجنسين، ومِنْ مختلف المناطق والمستويات الفكرية، يؤمنون بالنبوءات والخوارق. فهذا جزء من ثقافتنا. ومُعْظَمُنا يؤمن بالمعجزات والأعاجيب، وبالقدر المقدور، وما انتظار الرجل المهدي المنتظر أو الشيخ صاحب الإلهام إلاّ جزء من ذلك كله، والحقيقة التي بدأنا نفهمها، والحمد لله، هي أن هؤلاء ما همْ إلاّ شخصيات تشبه جُحا، لكن بزيٍّ عصري أو بهذا اللباس الذي نسميه لباساً إسلامياًّ.، أو بهما بالتداول. ويرى الكثير أن هذة المعتقدات ذات صلة بالعقيدة الثورية أو بالدين. فعندما يكون مستقبل الوطن مسدوداً كما هو اليوم، ونفقد القدرة على إيجاد أي حل لمشاكلنا ولمشاكل بلادنا، نُطلق العنان ليأسنا ونتنهد منهزمين وقائلين: “نحن ملعونون ! ولا شك أنّ هناك شؤما ما يُلاحقنا ! وسيكون هذا شأننا دائماً !  ولن نخرج من المأزق أبداً ! “.

ولا شك أن البوعزيزي، في تونس، كان تحت وطأة مثل هذه الحالة النفسية عندما قرر الانتحار بالحرق، ومثله عشرون بوعزيزيا عندنا. لكنْ، ماذا لو كان كل هذا حقيقةً؟ ماذا لو أن هناك لعنة أو شؤما يُلاحقنا؟ ففي هذا الظرف الذي يُراجع فيه الدستور أريد أن أشير إلى ذلك الشؤم الذي قد يكون مُرتبطا بالدستور. وقد يكون السبب هو عدم الوفاء لدماء الشهداء أو اغتيال الدستور في الوقت الذي كان يُفترض فيه أنْ يرى النور. فبدلاً مِنْ أنْ يصدر من إرادة الشعب من خلال الممثلين الذين اختارهم، فُرِض عليه هذا القانون الأساسي الذي يهدف إلى وضع خطّة للتنظيم السياسي ولمستقبل البلد غداة الثورة، بطريقة تعسّفيّة. وبموجب هذا الشؤم فإنّ كلّ رئيس جمهورية تُسوّل له نفسه المساس بالدستور سيُحكم عليه بفقدان منصبه خلال السنوات الثلاثة التي ستلي ذلك. لنتأمّل في كلّ هذا ولنحكم.

لقد أقْدم الرئيس بن بلّة على منع المجلس التأسيسي المُنتخب من إعداد أول دستور للجزائر المستقلّة، وأسند ذلك لجبهة التحرير. بعد ذلك بأقلّ من ثلاث سنوات طُرِدَ من السلطة بواسطة انقلاب عسكريّ قام به بومدين، ثُمّ سُجِنَ لمدّة أربع عشرة سنةً. وأول ما قام به بومدين هو تجميد ذلك الدستور غير الشرعي وراح يُسيّرُ البلاد خارج أي إطارٍ دستوريّ لمدة إحدى عشرة سنة. في سنة 1976 قرر أن يمنح للبلاد دستوراً جديداً. وبعد ذلك بأقلّ من ثلاث سنوات اختطفه الموت في ظروف غامضة لا زالت التساؤلات مطروحة حولها إلى يومنا.

في سنة 1989 قام خَلَفُهُ الشاذلي بن جديد بمراجعة دستور 1976 تحت ضغط أحداث أكتوبر 1988 لكي يُدخل فيه التعدّدية الحزبية. وبعد ذلك بأقل من ثلاث سنوات تمّ خلعُه. وقد أكّد بعد ذلك بسنوات أنه استقال، لكننا لمْ ننْسَ الاضطراب الذي ظهر به والتقطيبة التي كانت على وجهه في تلك الليلة على شاشة التلفزيون: كلّ ذلك لم يكن يدلّ على رئيس سعيد بالتنازل عن السلطة. أمّا اليامين زروال فقد غيّر دستور 1989 لكي يُنشىء مجلس الأمّة ويُحدد عدد العُهدات الرئاسية بعُهدتين. وبعدها بثلاث سنوات قدّم استقالته دون أنْ نعرف أسباب ذلك إلى يومنا. أمّا هو فقد ظهرَ بمظهر الرجل السّعيد بالعودة إلى بيته. وجاء خَلَفَه عبد العزيز بوتفليقة وقام بتعديل دستور 1996، وكان ذلك منذ عاميّن ونيف.

وما يدعو إلى التعجب هو أنّ الرّئيس الذي قرر عهدتين رئاسيتين كحدٍّ أقصى هو نفسه الذي غادر السلطة بمحض إرادته وعلى قيد الحياة. ولا شكّ أنه لم يكن يحمل في جسمه فيروس الاستبداد، وهذا هو السبب في أنه لم يتعرّض لـ “العقوبة”. فكل الرؤساء الذين سبقوه، وبدون استثناء، قد غادروا السلطة مُرغمين (بن بلّة وبن جديد) أو موتى (بومدين وبوضياف). ولولا ذلك لبقوا في السلطة إلى يومنا، وأعني بذلك مَنْ لا يزال على قيد الحياة، وإلاّ فلا حاجة إلى قائمة على الإطلاق.

وهناك شيء آخر لا يقلّ عجباً: مِنْ بين الرؤساء الستة الذين تداولوا على السلطة في الجزائر، يُعدّ زروال الوحيد الذي لا يبدأ اسمه بالباء: بن بلة، بومدين، بن جديد، بوضياف، بوتفليقة. إنني لم أنسَ علي كافي الذي خلف محمد بوضياف بطريقة غير مُنتظرة بعد مقتله. علي كافي لمْ يُنْتَخَبْ ولمْ يتمّ اختياره على يد الجيش، بل التحق بالرئاسة لأنه كان في المجلس الأعلى للدولة وصار رئيسا لمَّا شغر المنصب. يمكن لنا أنْ نُلاحظ أنه رغم أن هؤلاء الرؤساء (باستثناء زروال) كانت تحدوهم النية في البقاء في السلطة، فلا أحد منهم وصل إلى نهاية عُهداته الرئاسية. فـ بن بلة لم يُنهِ عُهدته، وكذا بومدين (لأنه انتُخِب سنة 1976)، وبن جديد “سُرِّحَ” في منتصف عهدته الثالثة، أما بوضياف فقد اغتيل ستة أشهر بعد استلامه مهامه على رأس المجلس الأعلى للدولة، وزروال استقال قبل نهاية عهدته. شيء آخر: لم يتجاوز أيٌّ من الرّؤساء المذكورين ثلاث عشرة سنة.

أما بوتفليقة فهو في سنته الثانية عشرة، بعد بومدين والشاذلي. وقد مرتْ ثلاث عشرة سنة بين دستور بن بلة ودستور بومدين. وبين دستور بومدين ودستور الشاذلي مرت ثلاث عشرة سنة كذلك، وبين دستور زروال ودستور بوتفليقة مرّت ثلاث عشرة سنة إلاّ أشهراً قليلة. إنه الرقم ثلاث عشرة الذي يرمز إلى المصيبة. والرئيسان اللذان غادرا السلطة عنوةً (بن بلة والشاذلي) لا يزالان على قيد الحياة، بينما توفي الرئيسان اللذان خلفاهما، الأول بمرض وحيد من نوعه (بومدين)، والثاني تم اغتياله (بوضياف).

وقد أتيح لنا مؤخراً أنْ نُشاهد بن بلّة وبوتفليقة معاً في تلمسان. كلاهما من ولاية تلمسان، وكلاهما كان عضواً في حكومة 1962، ولقباهما يبدآن بالباء. أولهما هو رئيس الجمهورية الأول والثاني هو رئيس الجمهورية الأخير، وهو لا يزال في الحكم. أمّا الحريات الفردية والعمومية فقد تمّ تجاهلها في هاتين الوثيقتين، ولا عجب في ذلك لأن تلك الحريات لم تكن من القضايا المطروحة آنذاك. ويبقى التعديل الإيجابي الذي كان بمبادرة من الشاذلي سنة 1989، وذلك الذي تمّ بمبادرة من زروال هما المُساهمتان الإيجابيتان الوحيدتان في الدستور منذ سنة 1963.

فالأول كان وراء إنشاء منصب رئيس الحكومة الذي لم يكن موجودا في عهد بومدين، وكذا إدخال التعدّدية الحزبية، والثاني كان وراء إنشاء مجلس الأمة ووضع حدّ أقصى للعهدات الرئاسية. وفي سنة 2008 قام بوتفليقة بنسف المساهمات الإيجابية التي قام بها أولئك الذين كان يصفهم بأنهم “رؤساء متربصون”. فقد حذف منصب رئيس الحكومة وألغى تحديد العهدات الانتخابية، لكنني أُراهن على أن العودة إلى هذين الإجرائين ستأتي عن قريب. إنّ الرئيس الذي قاد بلاده في أحلك الفترات من الناحية الأمنية والمناخية والمالية هو زروال، أما الذي قادها في أحسن الظروف المُناخية والمالية منذ الاستقلال فهو بوتفليقة بـ 500 مليار دولار من المداخيل بين سنة 2000 وسنة 2010.

ماذا يعني كلّ هذا؟ بالنسبة للعقل الراجح لا يعدو أن يكون تخريفاً. لكنْ، ماذا لو كانت مشاكل الجزائر كلّها آتية من هذا؟ إنني أعتقد أنه من الواجب الاستماع مُجدّداً لما كان يُردّده السيد حسين آيت أحمد باستمرار منذ خمسين سنة بخصوص المجلس التأسيسي دون أنْ يفهمه أحد. إنه أحد القادة التاريخيين للثورة الذين لا زالوا على قيد الحياة، وكان أحد المُنتخبين في المجلس التأسيسيّ، وما لا يجب إهماله في وجهة هذا المقال هو أن آيت أحمد سليل عائلة دينية مبجلة في منطقة القبائل. يعني هذا أنه يتمتع بكل الصفات التي تؤهله لإبداء رأيه. فلو أنه عبّر عن تشبّثه بالمجلس التأسيسي بهذه اللغة الشعبية لأصبح مطلبه مطلباً وطنياً، بل إن مجلس الأمن سيُحمل على تبني لائحة في هذا المنحى من أجل معالجة المشكلة الجزائرية جذرياًّ. أما بوتفليقة فلكونه ذا اهتمام كبير بالتقاليد، إذ هو الذي أعاد للزوايا مكانتها في المجتمع، ولكونه على أهبة الاستعدادللمساس بالدستور مُجددا، فيُفترض أن ينظر إلى الأشياء من هذه الزاوية. لا بُدّ من النظر في كيفية إزالة آثار هذا الشؤم، وهو وحده القادر على ذلك. ليس لأنه رجل ساحر، بل لأنّ مصير الدستور مُتعلّق به، نعم ! الدستور متعلّق به أكثر من تعلّقه هو بالدستور.

إن خبراء القانون الدّستوريّ الذين سيتولون مهمة صياغة الدستور الجديد سيكونون في أعلى درجات الكفاءة، لكن لا شيء يدلّ على أنهم سيحظون بنعمة وبركة شهداء ثورة نوفمبر.ومسؤوليتهم ستكون خفيفة، لكنها ستكون ثقيلة على أولئك الذين سيُقدمون توجيهاتهم ومحاور العمل للخبراء، وستكون أثقل على ذلك الذي يعتبره الدستور هو حارسه المقدس وحاميه، أي: رئيس الجمهورية. لكنه إذا كان منه إفراط في استعمال سلطته، وتعامل مع الدستور وكأنه حبر على ورق، أو حاول التذرّع بأنّ الدستور “ليس هو القرآن الكريم “، وهي العبارة التي يُحبّ الخُدّام والأتباع ترديدَها، أو نظر إلى الدستور من زاوية مصلحته الشخصية كما فعل سنة 2008، فإن الشؤم سيُسلّط عليه وحده هذه المرّة. ولا بد من التخلي عن الحجج الواهية من طراز: ” إن ما يقوم به رئيس يمكن لرئيس آخر أنْ يُلْغيه: فماذا يمنعني من تغيير الدستور ما دام هناك من سبقني إلى ذلك؟ ”

يجب أن نشرع في التفكير على الطريقة الأمريكية بخصوص دستورهم الذي يعود إلى أكثر من قرنيْن، وليس على طريقة بوكاسا في التعامل مع دستور بلده. فالمثال الجيد أحرى بالاتّباع. ولقد تغيّر العالم كثيرا منذ بضعة أشهر.

إن الشعب البسيط لا يتردّد في خرق قانون المرور مبتهجاً لفعله إذا لم يكن هناك شرطي أو دركي لمعاقبته بسحب رخصة السياقة منه، وما هذا إلاّ مأخذ بسيط من المآخذ التي تؤخذ عليه. أمّا الحُكّام فهم كذلك لا يتردّدون في خرق الدستور مبتهجين، وهذا منذ الاستقلال، غير أنه فيما يخُصّهم لا يوجد مَنْ باستطاعته أنْ يُعاقبهم ويمنعهم من القيادة. إنّ هذا ” الرقيب الافتراضي” هو ” الشعب الحُرّ و السيد” الذي تتكلّم عنه الدساتير الجزائريّة بدون استثناء. والحقيقة أن هذا الرقيب كان دوماً حاضراً، لكنّه نأى بوجهه، وتظاهر بأنه لم يرَ شيئا لأنه لم يكن يهتمّ بما يحدث، ولأنه يرى أنّ الدستور لا يضمن له قوت يومه، ولأنه كان مشغولاً بالجري وراء تلك اللقمة في أسواق الفلاّح. و” تلك أُمّةٌ قد سَلَفَتْ لها ما كسبتْ وعليها ما اكتسبتْ “. أمّا اليوم فما عليه إلاّ أنْ يُشغّل تلفازه لكي يرى ماذا تعني كلمة الشعب، وكلمة الوطن، وكلمة الدولة، ويعي العلاقة السببية الموجودة بين دستورٍ ديمقراطيٍّ وبين ” لقمة العيش “. وحتى لو كانت تلك اللقمة خبزا أسود فإن مذاقه يكون أحسن.

إنّ مفهوم “السلطة” عندنا يستلزم، مِنْ بين ما يستلزمه من الصلاحيات المُسْندة إلى الحاكم، أو إلى مالك السلطة وصاحبها إذا أردنا الدّقّة، الحق الطبيعي في الدوس على القوانين، مِنْ أبسط مُقَرّرٍ بلديٍّ إلى الدستور، كُلّما عَنَّ له ذلك. وهو إنْ لم يكُنْ بهذه العقلية فإنه سيظهر في مظهر الضعف. وإذا كانهذا الحاكم مُقيّداً بقانونٍ أو يخضع لرقابة أي جهاز أمنيّ، فهذا يعني أنه لا يتمتّع بأية سلطة. إنّ السلطة في لاوعينا الجماعي، سواء أكانت سياسية أم اقتصاديّةً ومادية، وسواء أكُنّا في موقع الحاكم أو المحكوم، ما هي إلاّ مُرادفٌ للتعالي فوق كلّ شيءٍ: فوق الأعراف، وفوق التمدن، وفوق الحس المدنيّ، وحقوق الغير، وكل الحواجز والقوانين، وفوق الدستور… ولا يكون ذلك التعالي بالتحدي الصارخ وروح الشّر والعنجهية ضرورةً، كلاَّ. إنّ الحالة هي كما هي بكل بساطة، والأمور تجري هكذا بعفوية، وكأنه عنصرٌ مُكوّن في ثقافتنا ومغروسٌ في رؤوسنا. إن كُلاًّ من الشعب والحُكّام يفهمون الأشياء بهذا الطبع وبهذه السّجيّة منذ ملوك البربر الأوائل، ومنذ “ألف ليلة وليلة “، ومنذ الاستقلال.

إنّ الأشياء يُنْظَرُ إليها عندنا بهذا المنظور بدءاً من رئيس الدولة وانتهاءً بحارس حظيرة السيارات. وليست الفروق بين حالة وحالة أخرى إلاّ بسبب الموقع الذي نحتلّه في السّلّم الاجتماعيّ. وإلاّ فإنّ الجميع يسلك هذا السلوك في بيته وفي عمله، وأمام شبابيك الإدارة، وفي دهاليز السلطة، وفي الشارع، راجلين كُنّا أو على متن سيارة. وقليلون هم الذين يؤمنون بالقانون والحق والقدوة الحسنة. وعلى نقيض ذلك فإنّ القدوة السيئة تُتّبع باحترام وتبجيل. إنّ أغلبيتنا لا تؤمن إلاّ بقوة العنف، وقوة السلاح، والقوة الجسدية، وقوة المرتبة الاجتماعية، وقوة المال، وقوة التّدليس… والقانون في يد الأقوياء مثل جهاز التحكّم عن بُعْد: إذْ يُضْغَطُ على زُرّ من أزراره باستخفاف للمكافأة أو العقاب، مادام الحاكم يتمتع بالقدرة على تجاوز كلّ شيءٍ.

وما أكثر القوانين والأوامر والمراسيم والمناشير التي تصدر، لكن الحرص على تطبيقها إلى أقصى درجة لا يكون إلاّ إذا كان المقصود هو إثراء شخصٍ أو تدميرُه، أو رفعه أو إسقاطه، أو إرضاء نزقِه أو الزج به في السّجن إذا ” دسّ أنفه فيما لا يعنيه “. أمّا القوانين، والنظام، والممنوعات، والترخيصات، وأكوام الوثائق الإدارية، والطوابير، فهي أشياء لا تخصّ إلاّ الخاضعين للسلطة. والهدف من ذلك هو ” إبقاؤهم في أماكنهم “، وشغلهم عن كل شيء آخر، والتحكم فيهم، والقضاء عليهم، وتركيعهم كما يُقال في التعبير الدارج. ذلك هو منبتُ الديكتاتورية عند الكبار وعند الصّغار. ولِحُسْنِ الحظّ أنَّ السلطة ليست في يد كلّ شخصٍ وطول الزمن.

إنّ القدر ليس هو الذي يُثقِلُ كاهلنا بهذا الشؤم كله، بل هي الأنانية، ونوازع الشّرّ، والجهل، وغياب الحس المدني، والميل إلى الخداع لدى جميع الناس الذين إذا اجتمعوا وتصادموا في الحياة اليومية كانت ثمرة لقائهم استبداداً و” حُقرة”، وحذراً مَرَضياًّ، وفوضى، وعنفاً، وهدراً للوقت والأملاك والطاقات، وما إلى ذلك من الشرور التي نعاني منها ونتشكى منها جميعاً. إنّ الشؤم المُسلّط علينا هو من حياكة أيدينا: إنّها آلاف المشاكل التي يخلقها بعضنا للبعض الآخر لا شعورياًّ، وإنّها آلاف الهموم الصغيرة التي يُسببها بعضنا للبعض الآخر بروحٍ سادية إجرامية، وإنّها آلاف تلك التفاهات التي يُنغِّصُ بعضُنا بها حياة البعض. إنها ليست إلاّ نتيجة مُتولّدة تُشير بفصاحة بالغة إلى أفعالنا السيئة، وواجباتنا غير المُنجزة، وعملنا الذي نُقدمه في أسوإ صورة، وكذا حيَلِنا التي نتعامل بها.

إنّ ثلاثة أنواع من الشؤم كانت دوماً تُطاردنا منذ الاستقلال: الدستور، والبترول  والإسلاموية. فما السبيل للبُرْءِ منها؟ لن يكون ذلك إلاّ بتتبع خطى هذا الشؤم من بدايته. وألخص ذلك في ثلاث عبارات: دستور ديمقراطي غير قابل للتعديل في أهمّ مبادئه، ودولة شرعية ذات كفاءة، واقتصاد خلاق للشغل والثروة بفضل إحياء بواعث العمل في المجتمع، وعند المستثمرين والشركاء الاقتصاديين الآخرين. إنّ الذين ستُسْنَدُ إليهم مهمة إعداد الدستور، مهما كانوا، باستطاعتهم أن يُخَصِّصوا مكانا في عقولهم لتلك ” الخرافات” دون أن يخشوا أي خطر مِنْ أن ينشغلوا بها عن مهمّتهم.

إنّ الشهداء الذي يتألّمون الآن وهم يرون عفاريت الاستبداد وقد سيطرت على حُكامنا قبل الاستقلال، لن تجد الراحةُ إلى نفوسهم سبيلاً إلاّ إذا جاء اليوم الذي تُتْحف جزائرنا بدستورٍ جديرٍ بالمُثُلِ العُلْيا التي استشهدوا من أجلها، دستور قارٍّ لقرنٍ من الزمن تكون فيه للسيادة وحقوق الشعب وواجباته مكانة، ولا يكون فيه مكان للمصالح الظرفيّة لشخص واحدٍ أو مجموعة أشخاصٍ أو طرف من الأطراف. إنّ في هذا حجة إضافية لصالح الديمقراطية، وهي ذات طبيعة روحية، نعم، لكنها قد تكون أكثر فاعليّةً مِن الحُجج العقلية في عقولنا الساذجة.

لوسوار دالجيري 24 أفريل 2011

 

 

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم