الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 لماذا التعامل مع تبون كما تعامل بنو إسرائيل مع موسى؟!

لماذا التعامل مع تبون كما تعامل بنو إسرائيل مع موسى؟!

د. محمد لعقاب

       من عجائب العمل السياسي والإعلامي في الجزائر، التشكيك في كل شيء، فعقب الإعذارات التي تم توجيهها من قبل الحكومة  لمجموعة من رجال المال والأعمال والشركات الوطنية والأجنبية، بمن فيهم رئيس منتدى المؤسسات علي حداد لإتمام المشاريع التي سلمت لهم وتحصلوا بموجب ذلك من الحكومة على تسبيقات مالية لإنجازها، بدأت بعض وسائل الإعلام وبعض السياسيين يشككون في مسعى الحكومة، بعد أن كانت كل مطالهم هي محاربة الفساد، الأمر الذي يجعل الشك يحوم حولهم وليس حول الحكومة.

ويمكن تشبيه موقف هؤلاء بموقف بني إسرائيل مع نبي الله موسى عليه السلام، فعندما قال لهم أن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة، ترددوا كثيرا، وقالوا له هل تستهزأ بنا في المرحلة الأولى، ثم قالوا قل لربك يبين لنا ما هي في المرحلة الثانية، ثم طلبوا منه توضيح لونها في المرحلة الثالثة، ثم قالوا له وضح لنا ما هي لأن البقر تشابه عليهم في المرحلة الرابعة.

لكن في النهاية ذبحوها، والفساد يجب ذبحه سواء على يد هذه الحكومة أو حكومة أخرى، لكن لماذا انتظار حكومة أخرى لمحاربة الفساد مادامت هذه الحكومة جاهزة ومستعدة لذلك.

إن الفساد نخر الدولة والمجتمع في صمت، ويرجع الفضل لحكومة عبد المجيد تبون في كشفه وفضحه لدى الرأي العام، فهو يشبه النمل الذي نخر عصى سليمان عليه السلام من الداخل حتى تآكلت وانهارات وانهار من كان متكأ عليها.

لقد أعلنت حكومة تبون النية في محاربة الفساد، وجاء ذلك في خطة عملها المصادق عليها من طرف البرلمان والمعبر عنها بعدة عبارات مثل فصل المال عن السياسة وأخلقة مناصب الوظيفة العامة وغيرها.

والمنطق يقول أنه بمجرد إعلان النية في محاربة الفساد، فإنه ينبغي أن تحظى الحكومة بدعم مطلق من قبل كل الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني والمواطنين والمؤسسات المنتخبة ووسائل الإعلام.

غير أن الحكومة لم تكتف بالنية، بل ترجمت النية إلى عمل، ما يعني أن الذين بقي لديهم بعض الشكوك حول صدق النية، عليهم أن يصفوا موقفهم. فالحكومة بحكم أنها مسؤولة أمام الشعب عن حمابة المال العام، ومسؤولة أمامه ايضا بخصوص تحقيق التنمية والنمو، بدأت تعالج الملفات الحساسة منذ الأسبوع الأول من تشكيلها، بل أن رئيس الحكومة قرر إلغاء عطلة الحكومة السنوية بهدف التحضير لانطلاقة قوية خلال الدخول الإجتماعي شهر سبتمبر القادم.

وخلال الشهرين الأولين من عمرها ضربت الحكومة بقوة، وكأنها قامت بحركة تأميم لأملاك الشعب، من خلال إلغاء الإستفادة من المزارع النموذجية، إعادة النظر في مشاريع تركيب السيارات، استرجاع نحو 200 منطقة توسع سياحي وزعت يمينا وشمالا، مراجعة قضية تصدير المواد الغذائية المصنعة بمواد مدعمة، تنظيم عملية الإستيراد وترشيدها، وغيرها من القضايا كدفع مستحقات المقاولين لإتمام المشاريع، ما يعني أن الحكومة تشتغل بالشكل الصحيح حتى الوقت الحالي.

       ومع ذلك قرأنا لبعض المحللين يتساءلون، هل تبون لديه نية صادقة؟ ما هي حدود حركته هل يواصل أو يتوقف عند حداد؟ لماذا بدأ بحداد ولم يبدأ بغيره؟ وتسائل آخرون: لماذا لم تتم معاقبة شخصيات أخرى خلال السنوات السابقة وذكروا في كتاباتهم شكيب خليل وعمر غول وآخرون؟ وهل النظام يريد استغلال هذا الملف استعداد للإنتخابات الرئاسية 2019 وما شابه ذلك.

       والذي يقرأ هكذا تساءلات وتحليلات يشعر وكأن أصحابها يريدون إبقاء الوضع القائم على الفساد، وحتى إن كانت كل التساؤلات مشروعة، بالنظر إلى كون حكومات سابقة وقفت عاجزة عن محاربة الفساد، بل اصبحت متهمة بإشاعة الفساد، فإن “العام يعرف في خريفه” كما يقول الموروث الشعبي الجزائري، فإذا نزل الغيث في فصل الخريف فما على الفلاحين سوى الحرث والبذر لأن الحصاد سيكون وفيرا. ولأن بداية الحكومة كانت موفقة، فإن دعمها أصبح “فرض عين”، وعلى الجميع مراقبتها وانتقادها ومعارضتها حين تحيد عن خطة عملها التي صادق عليها البرلمان.

بعض السياسيين تكلموا عن دعم مشروط للحكومة، ووصفوا علاقة الحكومة برجال المال والأعمال بأنه “صراع غير بريء” بمعنى أنهم يشككون في نبل القصد ومسعى الحكومة، ويريدون ما أسموه بـ “حرب عادلة مع الفساد” وكأن الفساد مظلوم ويجب التعامل معه برفق ولين، وأن تكون الحرب شفافة، وغيرها من التصريحات التي تعكس بؤس الطبقة السياسية والإعلامية، رغم أن الحكومة في بدايتها أبانت نية صادقة وشجاعة وإقدام.

قبل وصول تبون إلى رئاسة الوزراة الأولى، كانت هناك انتخابات تشريعية يوم 4 ماي 2017، وخلال الحملة الإنتخابية كانت كل الأحزاب تقريبا تطالب بمحاربة المال الفاسد وإبعاده عن صناعة البرلمان، وترفض تدخل “الشكارة الكحلة” في ترتيب القوائم، وغيرها.

وبعد الإنتخابات جاءت حكومة جديدة، وأهم نقطة في برنامجها تقوم على فصل المال خاصة الفاسد عن السياسة، وبدأت تجسد ذلك بالأعمال والأقوال فلماذا نتعامل معها مثلما تعامل بنو إسرائيل مع سيدنا موسى عليه السلام عندما قال لهم أن الله يأمرهم بذبح بقرة.

صحيح أن بعض الأحزاب أعلنت تأييدها الواضح والصريح للوزير الأول، لكن بعضها ما زال يناور، وإن كانت مناورته في حد ذاتها تطرح مجموعة من الإستفهامات. ومقابل ذلك، فإن نواب المجلس الشعبي الوطني أدركوا المهمة، فصوتوا لصالح خطة الحكومة بأغلبية 400 صوتا من أصل 462، وهو أكبر بكثير من عدد أصوات ما يسمى بـ “أحزاب الموالاة” بمعنى أن نواب كثيرين من المعارضة إلى جانب الأحرار، قد منحوا ثقتهم للوزير الأول.

كما أن الموقف الشعبي كان حازما، حيث فهم المواطنون رسالة الحكومة، والتفوا حولها، ويعتبر تبون أول رئيس حكومة ينشأ له مستخدمو شبكات التواصل الإجتماعي هاشتاغ بعنوان “كلنا تبون ضد الفساد”.

وعندما يلتف الشعب حول حكومته، فإن مواقف كثير من الأحزاب وتحليلات كثير من الإعلاميين ستذهب سدى، فلا يقف في وجه محاربة الفساد إلا فاسد.

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم