الرئيسية 5 الأخبار 5 ماذا ستقدم الدول المغاربية للأجيال القادمة؟

ماذا ستقدم الدول المغاربية للأجيال القادمة؟

عبد الوهاب بوكروح

يبدوا أن بلدان إتحاد المغرب العربي الخمسة، الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وموريتانيا، التي احتفلت في السابع عشر من شهر فبراير الجاري بالذكرى التاسعة والعشرون لتأسيس الاتحاد، وسط أجواء تخيم عليها غيوم مثقلة بآلام الخلافات التي أجلت أحلام الوحدة السياسية والاقتصادية والتنموية، لم تتمكن فعلا بعد 29 سنة من إعلان قيام الاتحاد، من إيجاد مخرج من الدوامة التي وضع فيها القادة المغاربة أنفسهم.

عندما وقف الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، والرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد وقائد الثورة الليبية العقيد معمر القدافي رحمهم الله، والرئيس التونسي زين العابدين بن علي اللاجئ إلى السعودية منذ ثورة “الياسمين”، والرئيس الموريتاني الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع، يوم 17 فبراير 1989، في ضيافة الملك الراحل الحسن الثاني بقصره بمراكش، في قمة تاريخية لإعلان ميلاد اتحاد المغربي العربي، ظهر يومها في نهاية نفق التنافر والخلافات بين قادة دول هذه الرقعة من العالم العربي، بصيص أمل لشعوب المنطقة التي عاشت على حلم الوحدة وحلم مغرب الشعوب، لا مغرب الخلافات.

في هذا اليوم التاريخي قبل 29 سنة، قرر قادة الاتحاد الجديد وضع هدف توحيد بلدان المغرب العربي على رأس أولوياتهم، ومن تم تشجيع حرية تنقل الأشخاص والبضائع، ورفع جميع الحواجز الجمركية والإدارية بهدف الوصول إلى وحدة سياسية واقتصادية كانت أكثر من حيوية لفضاء جغرافي موحد يمتد من بلاد شنقيط (موريتانيا) إلى غاية ليبيا، فضاء يتحدث لغة واحدة يُدين بدين واحد، عاداته وتقاليده واحدة نسبه لا يكاد يختلف في كل هذه البلدان إلى درجة أنك تجد العائلة الواحدة تتوزع بين بلدان المنطقة منذ الهجرات الحضرموتية والفينيقية ثم العربية مع الفتح الإسلامي نحو مناطق شمال إفريقيا.

ورغم حالة الموت الإكلينيكية التي دخلها الاتحاد منذ العام 1994 إلا أن قادة البلدان المغاربية يمنّون أنفسهم بأمل العودة إلى “جادة الصواب” يوما ما، ولهذا فهم لم يتنكروا يوما لذكرى لقاء مراكش قبل 29 سنة في حضرة صاحب الجلالة الراحل الحسن الثاني، وخاصة في زمن التكتلات والتجمعات الإقليمية المتعاظمة على الضفة الأخرى من المتوسط أو في مناطق أخرى من هذا العالم الذي بات فيه حلم الحفاظ على الذاتية والخصوصيات المحلية معادلة صعبة التحقيق من جراء الضغوط القياسية التي تتعرض لها شرائح واسعة من السكان وخاصة فئة الشباب التي تثمل 60 % من سكان المغرب العربي، وهو ما يمثل تحديا كبيرا للحكومات المغاربية التي تريد رفع التحدي الأكبر المتمثل في كيفيات الاستجابة لطموحات هؤلاء الشباب في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بما فيها تحديات التشغيل والتعليم والصحة وحل مسائل الهجرة ومسائل التكامل الاقتصادي بين دول الاتحاد التي أدارت ظهرها لبعضها البعض اقتصاديا بشكل شبه كامل منذ 1994، وولت شطر الاتحاد الأوروبي باتفاقات شراكة تم التفاوض بشأنها من قبل كل دولة مغاربية لوحدها في مواجهة تكتل أوروبي متماسك بمواقف موحدة وأهداف إستراتيجية معروفة سلفا، متفق عليها بالإجماع من طرف بروكسل سواء تعلق الأمر بأوروبا الخمسة عشر أو بأوروبا التي تمددت حدودها إلى غاية جمهوريات أوروبا الشرقية التي أنظمت مؤخرا للاتحاد لتصبح العائلة الأوروبية بـ27 فردا، في مواجهة 5 دول في الضفة الجنوبية للمتوسط أنهكتها الخلافات والتنافرات المعلنة وغير المعلنة لا سيما في الجوانب السياسية والاقتصادية، وأتت ثورات “الخراب” العربي على مال تبقى منها.

 

الاقتصاد الجزائر والليبي ولعنة النفط

بلغ الناتج الداخلي الخام للفرد الجزائري حسب تقديرات صندوق النقد الدولي 4041 دولار(8649 دولار معادل القدرة الشرائية)، فيما بلغ نصيب الفرد التونسي من الناتج الداخلي الخام 3759 دولار(7938 دولار معادل القدرة الشرائية) ولم يتعدى نصيب الفرد في المغرب 2720 دولار(4385 دولار معادل القدرة الشرائية)، وبدون محروقات فإن نصيب الفرد الجزائري لا يتعدى 2000 دولار وأقل من 4200 دولار معادل قدرة شرائية، وهو المستوى الأضعف بين بلدان المغرب العربي.

بالنسبة لـ ليبيا، فهي الدولة الإفريقية الوحيدة التي تضمنها التصنيف الخاص بمؤشر التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية الصادر يوم 4 أكتوبر 2009، والذي منحها المؤشر 0.83 بفضل مستوى المعيشة والقدرة الشرائية المعتبرة للفرد الليبي التي بلغت 14200 دولار، وكان هذا قبل الخراب الذي جلبه نيكولا ساركوزي والناتو للشعب الليبي قبل 7 سنوات، أما الجمهورية الإسلامية الموريتانية، فتعتبر الأقل حظا بين بلدان الاتحاد بمستوى دخل للفرد متواضع جدا لا يتعدى 1012 دولار.

ومن جهته سجل الناتج الداخلي الخام للجزائر تراجعا إلى  167 مليار دولار بالنسبة لمجموع سكان في حدود 41.4 مليون نسمة، ولكن المشكلة الحقيقية التي تعانيها الجزائر، هي أن حوالي 55 إلى 60 % من إجمالي الناتج الداخلي الخام ناتج عن قطاع واحد وهو المحروقات أي ما يعادل حوالي 95 مليار دولار مما سيشكل متاعب حقيقية للجزائر على المستوى المتوسط بعد فشل الحكومات المتعاقبة في تحقيق تنويع الاقتصاد الجزائر والوصول إلى تنويعه وخلق اقتصاد بديل خلال السنوات العشرين الماضية التي رافقتها طفرة في أسعار النفط مكنت البلاد من تحقيق مداخيل قياسية ناهزت 1000 مليار دولار، خاصة وأن مساهمة الاقتصاد الحقيقي حاليا لا تتعدى 20 % من الناتج الداخلي الخام والباقي أي حوالي 20 % الأخرى فهو ناتج عن النفط بشكل غير مباشر، وهو ما يجعل الاقتصاد الجزائري إلى جانب الاقتصادي الليبي الأقل تنوعا بين بلدان اتحاد المغرب، على اعتبار أن الناتج الداخلي للمغرب لا يقل عن 101.4 مليار دولار في 2016 لعدد سكان في حدود 36.2 مليون نسمة وبدون محروقات، مقابل 42.6 مليار دولار كناتج داخلي خام للجمهورية التونسية بعدد سكان في حدود 11.5 مليون نسمة، في حين بلغ الناتج الداخلي الخام الليبي 34.7 مليار دولار (إحصاءات 2011) وتعتبر ليبيا ثاني بلد منتج للنفط في إفريقيا بما يعادل 1.7 مليون برميل في اليوم (قبل الحرب)، ويبلغ في المقابل عدد سكان الجماهيرية 6.3 مليون نسمة، وتخطط ليبيا إلى رفع إنتاجها من النفط الخام إلى 3 ملايين برميل في اليوم في حال تحسنت الظروف الأمنية.

وفي الأخير كما هو معلوم تحل الجمهورية الإسلامية الموريتانية بناتج داخلي خام متواضع جدا لا يتعدى 3.5 مليار دولار بالنسبة لعدد سكان لا يتعدى 3.5 مليون نسمة.

وقدر صندوق النقد الدولي إجمالي النواتج الداخلية الخامة لبلدان اتحاد المغرب العربي مجتمعة بحوالي 310 مليار دولار ، وهو ما يعادل 32% من إجمالي الناتج المحلي للوطن العربي تقريبا.

ويشكل الناتج المحلي للجزائر ما نسبته  43 % من الناتج المحلي الإجمالي لدول الاتحاد، في حين لا يتعدى نصيب موريتانيا 1.3 %، ويصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في دول الاتحاد إلى 4465 دولارا.

ويعتبر الناتج الداخلي لبلدان اتحاد المغرب العربي، متواضع جدا بالنسبة للناتج الداخلي الخام لدولة صغيرة جدا لا تتعدى مساحتها 98 ألف كم2 وهي دوريا الجنوبية التي تجاوز ناتجها الداخلي الخام في نفس 1.41 تريليون دولار في 2016 ايضا، ولكنه لا يكاد يمثل شيئا مع الناتج الداخلي الخام للشركاء الرئيسيين لبلدان اتحاد المغرب العربي على الضفة الشمالية المتوسط أي بلدان الاتحاد الأوروبي الذي بلغ عند نفس السنة 16.28 تريليون دولار ولا حتى مع الصادرات الألمانية خلال سنة 2008 والتي تجاوزت 3.4 تريليون دولار.

 

صادرات الجزائر: لا شيء خارج المحروقات

تعتبر بلدان الاتحاد الأوروبي أهم شركاء بلدان المغرب العربي، حيث تصدر الجزائر نحو السوق الأوروبية 62% من صادراتها السنوية وتستورد ما يعادل 60 % من حاجاتها من السلع والخدمات سنويا من بلدان الاتحاد الأوروبي المرتبطة معها باتفاق شراكة دخل حيز التنفيذ في الفاتح سبتمبر 2005، فيما يصدر المغرب 60 % من صادراته إلى بلدان الاتحاد الأوروبي، وتصدر تونس 78 % إلى نفس الوجهة، ويستورد كل منهما 72% من حاجاته من نفس المنطقة.

وفي مقابل الارتباط الوثيق لإقتصادات بلدان اتحاد المغرب العربي باقتصاديات بلدان الاتحاد الأوروبي، لا يتعدي إجمالي المبادلات البينية بين بلدان اتحاد المغرب العربي 2%  في أحسن الحالات، مقابل 6% في إطار التبادل العربي العربي، ويسبب تأخر اندماج الاقتصاديات المغاربية، بلدان المنطقة خسارة هائلة تقدر بما يعادل 4 إلى 5 % من الناتج الداخلي الخام سنويا.

 

15 مليون وظيفة كلفة عدم الاندماج المغاربي 

قدر صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، كلفة عدم اندماج الاقتصاديات المغاربية بحوالي 15 مليون منصب شغل خسرتها البلدان المغاربية خلال السنوات الخمسة الأخيرة، كما خسرت البلدان المغاربية حوالي 30 مليار دولار خلال العشرية الأخيرة، من جراء عزوف الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تحجم عن القدوم إلى المنطقة بسبب محدودية أسواق دول المغرب العربي منفردة بالمقارنة مع حجم الإنفاق والاستهلاك في حال تكامل واندماج دول اتحاد المغاربي وتأسيس فضاء جمركي موحد.

وأكد الصندوق، أن تحقيق اندماج اقتصادي مغاربي في المدى المنظور يسمح لبلدان المنطقة مجتمعة من مضاعفة ناتجها الداخلي الخام إلى 720 مليار دولار في فترة قصيرة، كما ستقفز معدلات النمو المتوسطة في بلدان الاتحاد إلى 8 % سنويا بفضل توفر عاملين رئيسين هامين وهما الطاقة بأسعار تفضيلية جدا واحتياطات ضخمة من العملة الصعبة لدى كل من الجزائر وليبيا اللتان يبلغ إنتاجهما من النفط مجتمعتين 3.2 مليون برميل يوما وحوالي 120 مليار من الغاز الطبيعي، فضلا عن وجود احتياطات تفوق 150 مليار دولار من النقد الأجنبي، فضلا عن وجود طلب داخلي مهم بعدد سكان يفوق 100 مليون نسمة يعيشون على مساحة تقدر بـ 5.78 مليون كم2 وهو ما يعادل 42% من مساحة الوطن العربي، وتشكل مساحة الجزائر وحدها ما نسبته 41% من مساحة الاتحاد المغاربي، ويبلغ طول الشريط الساحلي للاتحاد المغربي حوالي 6505 كلم, أي 28% من سواحل الوطن العربي بأكمله، كما أن 78% من سكان الاتحاد يعيشون في المغرب والجزائر، بحوالي 35 مليون نسمة لكل منهما.

ودعا صندوق النقد الدولي مرات عديدة دول المغرب العربي إلى تخطي مشاكلها السياسية لتسريع تحقيق تكامل اقتصادي.

والمثير أن “الاتحاد الأوروبي تكّون من دول خاضت حروبا فيما بينها لفترة طويلة خصوصا فرنسا وألمانيا وتخطت خلافاتها السياسية لبناء اقتصادها الجماعي” في حين تعجز الجزائر والمغرب في تخطي مسألة النزاعات للتقدم في التكامل الاقتصادي.

 

37 اتفاقية خلال 29 سنة ولا حياة لمن تنادي !  

طيلة 29 سنة من عمر الاتحاد الذي يوجد اليوم في غرفة الإنعاش بسبب “الخلافات” الجزائرية المغربية حول الموقف من قضية الصحراء الغربية(وهي إقليم كان تحت الاحتلال الاسباني إلى غاية 1975)، تم اعتماد 37 اتفاقية، ولكنها بقيت معلقة بسبب عدم مصادقة مجلس رئاسة التحاد سوى على 6 منها فقط، بسبب عدم اجتماع المجلس هو الأخر منذ 1994، ولم ترى الاتفاقيات الأكثر جدية على غرار السوق الزراعية الموحدة وتنقل الأفراد ببطاقة الهوية بين البلدان الأعضاء وإزالة الحواجز الجمركية وإنشاء بنك مركزي مغاربي وسوق مالية مغاربية موحدة، على الرغم من المخاطر التي ستواجهها بلدان اتحاد المغرب العربي في حال عدم تمكنها من تنحية خلافاتها السياسية جانيا والمضي قدما نحو تحقيق اندماج اقتصادي وتفكيك الحواجز الجمركية وسوق مالية واحدة، قبل ابتلاع اقتصاديات هذه البلدان واحدة بعد الأخرى من طرف بلدان الاتحاد الأوروبي المجتمعة تحت مضلة واحدة.

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم