الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 مساهمة: الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والإصلاحات

مساهمة: الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والإصلاحات

عبد الرحمان مبتول*

* خبير اقتصادي دولي

شدد رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة، على ضرورة الارتقاء بالاقتصاد الوطني والمؤسسات والجامعات إلى معايير الامتياز والتنافسية العالمية، مؤكدا أنه “لا مناص لنا أن نتأقلـم مع التحولات و البقاء، في ذات الوقت على منهجنا من حيث السياسة الاجتماعية والتضامن الوطني”. و أشار رئيس الجمهورية إلى أنه أوعز للحكومة تقدير الرهانات لتحديد المحاور الكبرى لمسعى مهيكل على المدى الطويل، قصد تحديث النسيج الصناعي والارتقاء به إلى مستوى المقاييس الدولية في مجال التنافسية والامتياز التكنولوجي.

القول أن العولمة تقضي على تطور البلد والحريات هو جهل حقيقتها. بدون الاندماج الأورو- متوسطي، فإن الجزائر ستكون عرضة لمهب رياح الأسواق مع خطر التهميش المتنامي.

من هنا، فإن الإرساء التدريجي لاقتصاد السوق الإنساني والديمقراطية، والابتعاد عن الانشقاق والكسر الاجتماعي، سيسمح بالانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد يرتكز على العمل والإبداع الخلاق، واسترجاع ضمير مسؤولية الجزائريين الذين يصبحون نشطاء لمصيرهم الذاتي، وهذا هو الحل الوحيد.

 

_1_ مبدأ الفعالية الاقتصادية

يرتكز هذا المبدأ على أربعة نشاطات متكاملة هي:

_أ_ ضرورة سياسة اقتصادية جديدة يميزها الإبداع والابتعاد عن اقتصاد يقضي على العلاقات الاجتماعية حتى وإن كان ينتج الثروة، في عالم أين معظم هياكل التأطير (العائلات، الدين، النقابات ) ضعيفة، تسودها صرامة حقيقية تتميز بـ:

_عملة مستقرة.

_تقليص عجز النفقات العمومية.

_ب_ على السياسة الجديدة أن تأخذ في الحسبان الفضاء الأورو – متوسطي.

ستلعب الجزائر دورا محركا لهذا البناء لأنها بلد محوري. المفاوضات المستقبلية مع المنظمة العالمية للتجارة وإندماجها في منطقة التبادل الحر مع أوروبا تعبر عن المزايا المتبادلة لدول المغرب الغربي في مجموعها.

_ج _ستكون السياسة الجديدة متسمة بالملاءمة والتطابق مع عولمة اقتصاد السوق.

التجارة الدولية ليست لعبة بالقيم المنعدمة. من الممكن أن يكون الانفتاح مؤلما على المدى القصير، لكنه حتمية التحولات، وسيكون مرحبا على المدى المتوسط والطويل وحاملا للآمال.

_د_ السياسة الاقتصادية للفترة ما بين:  2018_2025_2030، لا بد أن تأخذ في الحسبان التحول الضروري للخدمات العمومية السوقية.

إن نظرة الماضي للتراكم القوي للقطاع العمومي بين المؤسسة العمومية والاحتكار والنشاط المحدود داخل التراب الوطني، عليها أن تترك مكانها لفعالية التسيير ومنافسة الخدمات الجماعية من خلال إدخال المقاييس السوقية لاختيار فعاليتها.

 

_ 2_ الدولة الضابط والمساواة( العدل )

كما تم التطرق له بكل قوة طوال تحاليلنا، هناك ضرورة الابتعاد وتجاوز التأثيرات السلبية للسوق. لهذا، فإن دور الضبط الذي تقوم به الدولة وخاصة تدعيم ديناميكية الجماعات المحلية، عليه أن يفضل المبادرات الجماعية ( الجمعيات ) والفردية دون الإحلال محلها والابتعاد عن الرؤية البيروقراطية.

لهذا، يتعلق الأمر بالتساؤل عن درجة العولمة التي ستمس الخدمة العامة المقدمة، وعن شرعية تعادل الأسعار المستعملة بين الزبائن والمساهمين في الضرائب بالموازاة مع إعادة نشر نشاط الدولة.

العلاقة إذا، بين الدولة والسوق، عليها أن ترتكز على طريقة معاملة براغماتية من خلال تحديد قواعد التحفيز.

لهذا، فإن الدولة الضابط، دون أن تحل محل السوق، عليها بإملاء قواعد اللعبة والعمل على احترامها من قبل النشطاء الاقتصاديين والاجتماعيين.

تفاديا لكل ديماغوجية ووعود خيالية، فإن المساواة تتطلب تغيير وتحول الخدمات الجماعية، على أساس تهيئة عقد اجتماعي الذي عليه أن يجمع ويقرب بين الفعالية الاقتصادية والمساواة.

صحيح، أن مجتمع السوق يدفع طبيعيا، نحو مجهودات أكثر وديناميكية وتضامن داخل المنافسة دون الإقصاء وإلا مآل هذا المجتمع، التقهقر. لهذا، وبحسب نظرنا، المساواة التي يمكن تفسيرها في كل الحالات بالعدالة، هي شرطا للفعالية الشاملة للاقتصاد. في محيط مثل هذا، من اللازم معرفة بؤر عدم المساواة والعمل على محاربتها ( التي ليست فعالة وغير عادلة ) وإيجاد المستوى المقبول لبعض عدم المساواة الضرورية لضمان ديناميكية الاقتصاد.

يفترض هذا، التفكير حول الحد الأمثل الذي يتمناه المجتمع وحول المعاملة بطريقة الحالة بحالة بحسب الميدان المدروس، ومن خلال الاعتراف المتبادل للديون الاجتماعية والمستحقات التي نتبادلها والتي يتم توزيعها من خلال معالجة عادلة للواجبات والحقوق.

إذا، مبادئ العدالة الاجتماعية داخل مجتمع مفتوح، عليها أن تكون موضوع التسيير اللامركزي الذي يبنى على الثقة والشراكة والحوار والعقد، إن أردنا أن يتجسد هذا، لا يعني ذلك أن المسألة بسيطة للحصول على خدمات ليس لها قيمة ولكن، الأمر يتعلق بتطبيق المساواة من خلال التمييز الإيجابي الذي يفضل تدعيم العلاقات المهنية، وإعادة بعث المشاورات الجماعية، فروع بفروع، من خلال الطرق الجديدة للعمل التي ترتكز على الإبداع المستمر.

يتعلق الأمر بتفضيل الهياكل الاجتماعية الجديدة للدفع بالتحول إلى الأمام وفي نفس الاتجاه بالتقاليد، التي هي أكثر تحفظية.

من جهة أخرى، إن إصلاح المنظومة الجبائية، هي في صميم العدل والمساواة، ولهذا، عليها أن تشكل الأولوية. ولكن، الضريبة التي يعبر تسديدها عن نشاط مواطني، يمكنها أن تقتل الضريبة في حد ذاتها، إذا حصل وأن قضت على النشاطات النافعة، وذلك منحا لتغيير عملية توزيع الموارد المحصل عليها، خاصة ما تعلق بعرض الرأسمال والعمل وطلب السلع والخدمات. هذا الإصلاح عليه أن يجد الحلول لاقتطاع الموارد دون الإخلال بالآليات التي تحقق الحد الاقتصادي الأمثل.

كما أن من اللازم إرساء جباية حسنة تتمحور حول الاقتطاعات الضعيفة التدريجية داخل أواني واسعة لا توثق بالضرورة خاصية إعادة توزيع الموارد.

لهذا، علينا بالجمع والمزج في هذا للإطار، المساواة الأفقية المبنية على مبدأ_لكل دخل مساوي تقابله ضريبة متساوية_ والمساواة العمومية التي تقود لدفع المعدل الحقيقي للضريبة كلما أرتفع الدخل. إن الهدف هو التقليص التدريجي للضريبة على الدخل دون المساس لخاصياته التي تتضمن إعادة توزيع المداخيل.

 

_3_ أولوية الأولويات: القضاء على البطالة والفقر:

لا يمكن لأمة أن توزع إلا ما تم إنتاجه في السابق، إذا أرادت أن تتفادى الانزلاق الاقتصادي والاجتماعي. أيضا، إذا كان الهدف هو القضاء على البطالة والفقر من خلال اعتماد سياسات فرعية في إطار المزايا العالمية المتبادلة، والتي حلّلناها سابقا، فإن،

النشاط الأساسي يتضمن إدخال المبادرة الاقتصادية للجميع وإبراز طاقات المقاولة التي تتميز بأخذ الأخطار الصناعية والاقتصادية لهدف تنمية القيمة المضافة ومن ثم التنمية الاقتصادية.

إن تشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، عليه أن يكون من الأولويات وذلك من خلال إعادة النظر في تمويل الضمان الاجتماعي الذي ما زال في غالبيته على الاشتراكات الاجتماعية وهضم الإنتاجية على حساب التشغيل والأجور المباشرة.

كما يجب التركيز على تخفيض الاشتراكات على المداخيل الضعيفة بهدف تقليص التكاليف النسبية للتشغيل غير المؤهل. لهذا، ومن خلال تخفيف الأعباء، من اللازم قياس سعر هذا المجهود لإعادة توزيع النشاطات المختارة للتضامن الوطني لتفادي عدم تشجيع النشاطات الاقتصادية.

 

_4_ ضرورة التحول الآلي المتكفلة به القوى الاجتماعية الجديدة

كل مشروع مجتمع هو بالضرورة بكفالة القوى الاجتماعية. إن التعريف الواضح لهذه العناصر، يرجعنا لتحليل الوجود القوي للأثقال الاجتماعية والثقافية وكل الإختلالات الممكن ملاحظتها داخل أجهزة الدولة.

 

يتطلب هذا التعريف:

_ الحصول على رؤية واضحة أو قراءة كبيرة لإستراتيجيات تفادي وتجاوز تدابير

الإخفاق المنتظرة.

_ العمل على توضيح الرؤية لمعرفة القوات الاجتماعية والسياسية التي تعمل على تحمل هذه الإستراتيجيات وتقوم بتنفيدها.

_ تقديم بعض الفرضيات التي تسمح بتفسير لماذا هؤلاء الذين يرتدون، بوقاحة وبدون خوف من العقاب، ثياب الحداثة، والذين يرجعون لخطاب مخادع ( سخرية ) حول التناوب، وحقوق الإنسان والحريات، ويدافعون على الإبقاء على الحال للبلد.

وتمكنوا منذ زمن بعيد، أن يعارضوا الإصلاحات التي تعتبر من قبل الجميع، أنها ضرورية ومفيدة.

_ في النهاية، تحضير إستراتيجية للمواجهة بأكثر فعالية. هذه الإستراتيجية ستكون قادرة على ضمان النجاح الكلي للإصلاحات الضرورية للبلد والتي تضع الجزائر في منصب يتلاءم بنجاح مع حتميات العولمة.

إن الاندماج في الاقتصاد العالمي كهدف إستراتيجي يتطلب عددا من الإجراءات جد ضرورية تسمح باستدراك التأخر المتراكم.

لقد طرحنا، كفريضة عمل، مسألة تسلسل الأولويات، فيما يتعلق بالترتيب الزمني للنشاطات الملتزم بها، في حالة ما إذا، القطاعات المهيكلة، أي الأكثر حساسية، تتطلب معالجة ذات أسبقية لسبب من الأسباب التالية:

_ حالة الاستعجال التي تتضمنها.

_ التداخل الموجود بين مختلف القطاعات وترابط قنوات المصالح التي تصّب فيها وتنشر إستراتيجيات مشتركة للمواجهة ( المقاومة ) والرد.

لهذا، فإن المعالجة المباشرة والصحيحة والمنسقة لنشاطات الإصلاحات المراد القيام بها تكون إستراتيجية لطريقة عمل مناسبة ومنتجة. أيضا، الإصلاحات المتبعة و/أو الملتزمة تنبع من جوانب جد حساسة، أو جد هامة، من تنظيم وتسيير البلد وعلاقاته مع المحيط الجهوي والدولي.

 

** على المستوى الداخلي، من اللازم الالتزام بإصلاحات سياسية، اقتصادية واجتماعية حقيقية، إصلاحات تمس حتميا:

_ النظام السياسي، المركز العصبي لمقاولة التحولات والانفتاح الاقتصادي.

_ إدماج المحيط غير الرسمي من خلال آليات شفافة، قاعدة بناء دولة القانون.

_ قطاع المحروقات، منبع الريع وموضوع كل الأطماع.

_ الزراعة والسياسة الجديدة، لتسيير الماء.

_ النظام الجمركي، الجبائي المالي والبنكي…  المركز الجديد لتوزيع الريع.

_ النظام التربوي، مركز تحضير ونشر الثقافة والإيديولوجية المناهضة لتحول وتحديث البلد.

_ السرعة في إعادة هيكلة الاقتصاد من خلال رفع الاحتكار وتدعيم الشراكة والخوصصة. هذه المبادئ هي متكاملة ولكن لا تعوّض بعضها البعض.

_ التسيير الجديد للإستراتيجيات الاجتماعية وإرساء آليات جديدة للضبط الاجتماعي من خلال إعادة النظر في صناديق التقاعد والضمان الاجتماعي، الإعانات الموجهة التي من اللازم رصدها في ميزانية الدولة ولا على مستوى المؤسسات.

_ الأخذ في الحسبان المحيط ونوعية المعيشة.

على المستوى الدولي، إن العولمة في شكلها الجديد أو المعاصر، ترجعنا لا سيما إلى التداخلات الدولية ذات الطابع الاقتصادي بل أيضا للتداخلات ذات الطابع الديني والثقافي والسياسي والإيديولوجي والعسكري.

لهذا، فإن كل إستراتيجية ملائمة، أو إجابة لهذه الظاهرة، عليها أن تشمل كل هذه المكونات وتفاعلها.

وفيما يخص العلاقات الاقتصادية الدولية، فإن نشاط بلدنا، عليه أن يندمج في الإطار الحتمي للسياسة المشتركة للدول الصناعية، بإتباع السياسة المبنية كإجابة للأزمات الاقتصادية والمالية التي عرفتها الدول المتطورة.

 

الخلاصة:

في ختام هذا التحليل الوجيز، يتبين لنا، وبكل وضوح، بأن المرحلة القادمة: 2018_2025_2030 ستعرف ظروفا ملائمة إذا ما تم تعميق الإصلاحات، لا سيما وأننا نعلم أن هناك تحديات ذات أهمية كبرى تنتظر بلادنا. إن التحولات التي حدثت والتي ستحدث في المستقبل، لا بد أن تجد تجسيدها في تعميق الحكم الراشد، الديمقراطية وممارسة اقتصاد السوق. لا بد من إنعاش الاقتصاد الوطني وتهيئة المحيط اللائق والملائم لممارسة الأعمال.

هذه التحديات كلها تنتظر بلادنا خلال الفترة: 2018_2025_2030.

ولهذا، فلا بد من بناء جبهة داخلية متينة ودائمة تخدم الإصلاحات التي أصبحت جد ضرورية للدفع باقتصادنا إلى الأمام لتطويره، والانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد السوق منعشا ومتفتحا.

إذن، فأنا أعتقد أن بلادنا بحاجة إلى أن ينظر إليها بعين إنتقادية بناءة وعادلة، هي بحاجة إلى النظر إلى وضعها الحالي، والإنجازات التي تمت، والتي ستتم مستقبلا.

وطننا بحاجة إلى استرجاع وجمع كل أبنائه حول مشروع واحد، وطموح واحد، وأمل واحد. وأملنا هو، أن تنعم الجزائر بالرقي والازدهار.

 

عاشت الجزائر ، حرة ، أبية !

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار !

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم