الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 معركة الموصل: الصور المتعاكسة

معركة الموصل: الصور المتعاكسة

خليفة ركيبي

khalifarekibi@gmail.com

السيطرة على الموصل  هو الحلقة المفصلية في ضرب تنظيم الدولة الاسلامية ، فلقد استقر “العرف العسكري” منذ بداية الحروب بين البشر أن المنطقة الجغرافية التي يوجد بها مركز القيادة  لاي تنظيم او حركة مسلحة او حتى دولة  هي  شريان الحياة و عصب الحركة و ديناميكية المواجهة او التحصن ، و  ان النصر  لن يتحقق على ارض الواقع ما لم تسقط هذه “الشوكة”   فسقوطها هو  ضربة ليست فقط عسكرية بل ذات وقع نفسي على معنويات “الخصم”  . لذلك فالموصل  كالرقة  [1]هو صورة ليست بالجديدة في ديناميكية  الحرب او منطق العنف[2] ، فهي امتداد لصورة “قندهار” في افغانستان عندما نجحت  فوات التحالف في ضرب المدينة “الروحية” لتنظيم طالبان و نقطة ارتكاز تنظيم القاعدة في 2001 [3] مما دفع بالملا عمر الى ترك المدينة المحصنة و الالتجاء الى الجبال تماما ما قالته بعض المصادر الاعلامية حول كبار قيادات تنظيم الدولة  قد تركوا مدينة الموصل ورحلوا مع عائلاتهم إلى سوريا وليبيا، فيما بقي القادة الصغار يديرون شؤون المدينة[4].  15 سنة تفصل بين المعركتين و لكن الصور المتعاكسة تبقى هي نفسها . فكلتا المدينتين تعرضتا لقصف جوي و مدفعي مكثف  لاسابيع ، مما  مكن من تدمير “البنية التحتية ” لتنظيم طالبان- القاعدة و تنظيم داعش . فالهدف في مثل هذه المعارك الفاصلة هو ليس بتحجيم قوة الخصم بقدر ما هو تدميهرا بشكل كلي حتى لا يتمكن من ان يسترجع انفاسه و يستطيع –ان امكن- من اعادة بناء قدراته العسكرية من جديد و هو ما لم يكن متوفرا لتنظيم طالبان و ربما لن يكون متوفرا لتنظيم داعش مع الفارق في البيئة الجغرافية و الجيواستراتجية للحالتين . لكن  بالرغم من الفارق الزمني و المكاني ، فان التنظيمين  اصرا على مبدأ “التحصن”  لمواجهة قوات التحالف و هذا التحصن يعني بدون اي شك الاستعداد النفسي و البشري و العملياتي للمواجهة و لكن على ارض الواقع ، فانه مع بداية “الحملة العسكرية” من ضربات جوية و برية ، فان  روح المقاومة –ان صح التعبير- تبدا تدريجيا  في التراجع ،  خاصة و ان اصبح الوضع الميداني عبارة عن حرب كر و فر و تحصن بين جدران المباني الخالية من السكان او في اسواء حالة ،”التمترس” بالمدنيين كما تقره أدبيات التنظيمات الجهادية [5]  المستلهمة من فتاوي ابن تيمية .

اما قلب “الصور المتعاكسة” اي كيف ان صورة كل طرف هي انعكاس للاخر ، هي في التركيبة البشرية  للقوى المسلحة  و في وحشية التعامل مع الاخر . فالقوات المشتركة التي تقود عملية تحرير الموصل و ما جاورها هي  خليط هجين من القوات العراقية النظامية ، ايا من الجيش و من قوات مكافحة الارهاب و هي خليط ايضا من السنة و الشيعة و الاكراد تحت قيادة حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي   بالاضافة الى وزيري الدفاع و الداخلية ، و من قوات الحشد الشيعي و هي قوات شيعية المذهب و القيادة و الولاء المزدوج ، ولاء شكلي للقيادة السياسية –الامنية العراقية ، و وولاء باطني مقدس للقيادات الدينية الشيعية العراقية التي هي بدورها تتبع القيادة الدينية و السياسية في ايران ، ثم قوات البشمرجة التي تتبع اقليم كردستان  مسلحة بدعم امريكي –اسرائيلي لكنها تركز على الولاء العرقي أي الانتماء للقضية الكردية و التي تتارجح بين خوف مرضي من العرب السنة و عدم ثقة في العرب الشيعة ، ثم اخيرا خليط اخر من قوات عسكرية سنية تشارك  هي الاخرى حتى لا  يوصم السنة بانهم  كانوا المسؤولين على  ظهور تنظيم الدولة الاسلامية و تخوف من ان يتم اقتلاع  الطائفة السنية من الموصل كما حدث في تكريت . اي اننا امام خليط من قوات عسكرية نظامية و غير نظامية ،جنبا الى جنب لمواجهة “معقل” تنظيم داعش . و الملفت للنتباه هو تواجد العنصر النسوي في كل هذه “الفصائل” المتناحرة عقائديا و عرقيا و لكنها متفقة ميدانيا و عمليا على محاربة التنظيم . هذا الاخير ، هو ايضا خليط هجين من 90 جنسية [6]، مقاتلين عرب و اجانب ، يختلفون في التنشئة و الثقافة و السن و حتى الولاء . فكل فصيل داخل تنظيم داعش يتخندق لوحده ليتميز عرقيا (او الجنسية ) عن الفصيل الاخر ، فهناك لواء خاص بالخليجيين ن و لواء بالمقاتلين من المغرب العربي و اخر من البوسنة  و لواء خاص بالشيشان…..الخ[7] . لكن الصور المتعاكسة لهذا “الهجين ” لا يتوقف عند البنية البشرية بل يمتد الى “الوحشية” في التعامل مع العدو . فكلا الطرفين استخدم – و ربما لا يزال – نفس الاساليب الوحشية   لانه ينظر الى الاخر على انه “نفي” له و ليس بمنطق “العداوة  في حرب” او الخصومة في قضية . نفي الاخر كما عودتنا كل الحروب عبر التاريخ ينتهي بتطبيق مبدأ “استئصال” الآخر من جذوره فكلا الطرفين استخدم  “القتل الجماعي” و “المجازر ، ثم القتل  على اساس “الهوية ” تارة و “الطائفية ” تارة أخرى إما بسم رايات الحسن أو باسم “دولة الخلافة” فحتى إن فكرة “الانغماسية” تأرجحت بين الحشد الشعبي و مقاتلي تنظيم الدولة في المواجهات السابقة على حدود نينوى و الرمادي [8] ضف الى ذلك ، اصرار كل طرف على أسطرة الوحشية –أي جعل العمل الوحشي اسطوريا –  فنجد شخصيات  يمجدها تنظيم الدولة لعنفها الوحشي كبلدوزر داعش الذي  يقال انه جلاد داعش في سوريا او العراق [9] و  الذباح جون المشهور بقطع رؤوس الرهائن الأجانب ، و في الجهة المقابلة ، عند  القوات العراقية ،نجد “أبو عزرائيل ” و هو قيادي بالحشد الشيعي يعرف بالدموية في  التعامل مع مقاتلي التنظيم ،  و لكن فكرة الاسطرة mytholigisation امتدت للنساء ،  حيث ظهرت “أم هنادي” التي سمّت كتيبتها على اسمها، تتفاخر بأنها تمثّل بجثث جنود تنظيم الدولة، وتطبخ رؤوسهم، وتحرق جثثهم[10].

ان الصور المتعاكسة لهي  اكبر دليل على قوانين و قواعد الحروب لم يعد لها اي معنى في ظل النزاعات الاهلية الداخلية ذات الطابع الهوياتي ، فالعنف الوحشي الذي يتجاوز كل الحدود الاخلاقية يصبح في حد ذاته الدافع الاقوى ليس للسيطرة بل كقضية وجودية لطل طرف ، و ما معركة تحرير الموصل الدائرة حاليا  ما هي الا تعبير واقعي عن “تاريخانية” هذه النزعة البشرية في استخدام العنف و تبريره تحت اي مسمى ، و من المؤكد ان تحرير الموصل ستفتح الباب واسعا  لإنتاج المزيد من الصور المتعاكسة .

 

 

[1]   هذا ما تؤمن به ادارة اوباما بان سقوط الموصل هو بداية لسقوط الرقة و نهاية تنظيم الدولة الاسلامية تماما كما كانت رؤية جورج بوش الابن من سقوط كابول ثم قندهار  كمعاقل لتنظيمي طالبن و القاعدة في افغانستان  مع الفارق في استارتجية اوباما المبينة على الاعتماد على القوات المحلية بعكس سلفه بوش الابن الذي اعتمد على القوة العسكرية الامريكية كقوة ضاربة و ليست مساعدة .انظر في ذلك

[2]

https://www.theguardian.com/world/2001/nov/17/afghanistan.terrorism10 [3][3]

[4] مصادر لـ”عربي21″: تنظيم الدولة يلمّح لمغادرة الموصل ويهدد http://www.tajdeediq.net/details/14729/

 التمترس او في لفظ اخر “التترس” هو مفهوم فقهي يرى أن وقوع بعض القتلى المسلمين غير المقصودين بالعمليات العسكرية لا يعتبر محرما، قياسا على بعض الآراء الفقهية القديمة التي تجيز ذلك اذا كان اعداء المسلمين قد تترسوا باسرى مسلمين في الحرب بحيث لا يستطيع المسلمون الوصول الى اعدائهم الا عن طريق قتل الاسرى المسلمين و و لكن المفهوم لم يشار اليه بقوة بقوة في كتاب “ادارة التوحش” و هو من الكتب المرجعية لتنظيم القاعدة ن من تاليف ابي بكر ناجي و هو اسم حركي على الاغلب ، انظر حول هذا المفهوم بشكل عام في http://archive.aawsat.com/details.asp?article=186051&issueno=9019#.WBpePcmT56c

كما يمكن الاطلاع على كتاب ادارة التوحش في https://pietervanostaeyen.files.wordpress.com/2015/02/idarat_al-tawahhush_-_abu_bakr_naji.pdf[5]

[6]  حسب تقديرات الاجهزة الاستخباراتية الغربية و تقدر عددهم باكثر من 30 الف  مقاتل ، انظر حول هذا الموضوع في تقرير http://soufangroup.com/wp-content/uploads/2015/12/TSG_ForeignFightersUpdate3.pdf

[7]  حيث يعتبر محمد حسن و  فيرا ميورونوفا في مقالهما بForeign affairs   ان المقالتلين الاجانب صبحوا يشكلوا عبئا على التنظيم لانهم غير قادرن على التواصل و العمل جنبا الى جنب مع المقاتليين المحليين للاختلاف في التوجه و الرؤية و حتى التجارب   العسكرية انظر Vera Mironova and Mohammed Hussein The Downfall of ISIS

Why Foreign Fighters Have Become a Liabilityhttps://www.foreignaffairs.com/articles/syria/2016-09-26/downfall-isis

[8]  انظر في تقرير الهيومن  رايتس واتش Human Rights watch  حول المجازر التي ارتكبتها قوات الحشد الشعبي في 2015  ، التقرير المعنون ب دمار بعد المعركة. انتهاكات الميليشيات العراقية بعد استعادة تكريت https://www.hrw.org/ar/report/2015/09/30/289150

[9]  http://www.alalam.ir/tag/123822

[10]   http://arabi21.com/story/950353من-هي-أم-هنادي-التي-تسير-على-خطى-أبو-عزرائيل-شاهد

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم