الرئيسية 5 الجزائر 5 منارة “جامع الجزائر” مشكلة من؟

منارة “جامع الجزائر” مشكلة من؟

عبد الوهاب بوكروح

نفى وزير السكن والعمران والمدينة عبد المجيد تبون، وجود أية مشاكل تقنية تعترض تنفيذ مشروع مسجد الجزائر بالصيغة النهائية التي وافق عليها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والتي تقوم الشركة الصينية المنجزة بإنجازه.

وقال تبون، إن ما يتم ترويجه إعلاميا حول وجود مشاكل تقنية تتعلق بالأرضية تهدد سلامة المشروع، عار من الصحة تماما، مضيفا أن الحديث عن عدم استجابة المشروع لمعايير السلامة والأمن تقف وراءها أطراف مغرضة لم يسمها الوزير.

ومنذ الإعلان الرسمي عن إطلاق المشروع في العام 2006 أعلنت العديد من الأطراف حربا شرسة ضد المشروع من أساسه تحت مبررات وذرائع عديدة منها الحديث عن عدم صلاحية الأرضية تارة، ومرة قربه من مصب وادي الحراش، وتارة أخرى الحديث عن الجدوى الاجتماعية والاقتصادية للمشروع الذي تفضل الأطراف المناوئة له أن تقام مكانه أو بالمبلغ المخصص لانجازه(حوالي 1.5 مليار دولار) مستشفيات أو جامعات.

وأعلن وزير السكن والعمران في مناسبات عديدة أنه حريص على تنفيذ المشروع في الوقت المحدد ووفق المخطط الذي صادق عليه الرئيس وتم تكليف الشركة الصينية “شاينا ستايت كونستراكشن” بإنجازه.

وأعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، أن بناء “جامع الجزائر” تقرر وفاء لتضحيات الشهداء الأبرار، وتخليد عهد الاستقلال واسترجاع الدولة الجزائرية.

صورة لـ جامع الجزائر خلال النهاروقال مصدر حكومي رفيع إن المشروع أكبر بكثير من كونه مجرد مسجد للصلاة، مشددا ـ المصدر ـ على أن المشروع تم تصميمه ليكون معلما حضاريا للتأكيد على الهوية الجزائرية المسلمة التي حاولت العقيدة الاستعمارية لمدة 132 سنة تحويلها إلى المسيحية.

وتم المزج في تصميم المشروع من طرف مجموعة  KSP Juergen Engel المعمارية، بين النمط التقليدي للعمارة الإسلامية في طابعها المغاربي والتقنية الحديثة مع مراعاة الجوانب العلمية والدينية والسياحية والاقتصادية.

وظهرت فكرة “جامع الجزائر” للوجود سنة 1963، وكانت تتمثل في بناء مسجد كبير يليق بـ15 قرنا من الإسلام في الجزائر، وهو الحلم الذي راود كل رؤساء الجزائر من احمد بن بلة إلى الرئيس هواري بومدين ثم الشاذلي بن جديد، لكن الظروف الاقتصادية التي مرت بها البلاد جعلت الرئيس بوتفليقة هو من يفوز بشرف بعث المشروع سنة 2004 بعد فوزه بولاية رئاسية ثانية.

ويعتقد المهندسان الألمانيان، يورغن إنغل وميكائيل تسيمرمان، الذين صمما مشروع المكتبة الوطنية الصينية وناطحات السحاب في كل من هامبورغ الألمانية ومدينة كولن وبرلين وفرانكفورت، أن “جامع الجزائر” هو مشروع بناء مثير وتحدي كبير، لأنه مشروع ضخم بكل المقاييس من حيث كونه من أعلى الأبنية الدينية في العالم الإسلامي، وواحدا من المشاريع الحضارية المدمجة التي تؤدي الوظيفة الدينية وكذا الوظائف الأكاديمية والاقتصادية في الآن ذاته.

 

المنارة التي تقض مضاجع المعارضين لـ”جامع الجزائر”؟!

خلال زيارة الوزير الأول عبد المالك سلال إلى ولاية البليدة يوم 9 نوفمبر، أثيرت مسالة “جامع الجزائر” مجددا وتم تركيز الأضواء نحو إمكانية وجود مشاكل تقنية في التصميم وهندسة المنارة التي يتم انجازها بحسب “علماء جزائريين” على أرض هشة ستؤدي لا محالة لانهيارها في وقت لاحق في حال لم يتم الإسراع في مراجعة ارتفاعها، الخوف ليس حبا في المشروع كما يتم الترويج له إلى درجة أن شركات التأمين ترفض تأمين المشروع بسبب مخاطره المرتفعة كما تعتقد الأطراف المناوئة، بل لأن “وراء الأكمة ما وراءها”.

وزير السكن والعمران عبد المجيد تبون، أجاب باختصار شديد مؤكدا أنه لا مشاكل تقنية وأن المنارة ستشيد وفق المعايير المتفق عليها عند إطلاق المشروع.

رسالة الوزير كانت مقتضبة ولكنها تحمل دلالة قوية لمن يهمه الأمر..فهي تعبر عن رسالة واحدة: إذا كان ارتفاع المنارة مشكلة فهذا يخفي عقدة استعمارية مكبوتة لا تحب أن ترى للهلال ارتفاعا يفوق ارتفاع بناية أعالي بولوغين(؟).

فموقع “جامع الجزائر” بحي المحمدية بالضاحية الشرقية للجزائر العاصمة في مركز خليج الجزائر الشهير “مشكلة في حد ذاته” في نظر المعارضين للمشروع، ليس لأنه مجمع حضاري وثقافي وديني واقتصادي ضخم يتكون من 12 عمارة تتربع على مساحة 20 هكتارا، منها قاعة الصلاة التي تسع 40 ألف مصل، ودار القرآن التي تتسع لـ 300 مقعد لفائدة طلاب دراسات الماجستير والدكتوراه، بقدر ما ترتعد فرائض بعض القوم من اختيار الموقع بالمحمدية التي كانت تدعى في سابق الأيام لا فيجري وهنا مربط الفرص.

“جامع الجزائر” ومنارته التي أصبحت تسبب حساسية عالية جدا لبعض الجزائريين، يتوفر أيضا علاوة على مركز ثقافي إسلامي ومكتبة تضم ألفي مقعد ومليون كتاب وقاعة محاضرات بـ500 مقعد، متحف للفن والتاريخ الإسلامي ومراكز بحث، أما المنارة التي تعد “هدفا يجب تقزيمه” فترتفع شامخة إلى 278م مكونة من 39 طابقا تضم مراكز أبحاث ومعارض وقاعات دراسات ومتحفا لتاريخ الإسلام يتوزع على 15 مستوى، حيث ستكون واحدة من بين أعلى المنارات في العالم الإسلامي بخصوصية فريدة وهي أنها ستكون مفتوحة للعموم ويوجد في نهايتها منصة للاستمتاع بروعة المشهد من ارتفاع يقارب 300 م فوق سطح الأرض على خليج الجزائر.

 

هندسة فريدة بنمط شمال إفريقي عريق

أولى الثنائي الألماني عناية فائقة لموضوع المواءمة بين الحداثة والتقاليد في الهندسة المعمارية المستعملة لبناء المساجد في شمال إفريقيا، لأنها تختلف اختلافا كبيرا عن الطريقة العثمانية في بناء المساجد بقبب كروية على عكس نمط شمال إفريقيا والجزائر تحديدا التي يسود فيها نظام الأعمدة، وهو المبدأ المعتمد في تصميم المشروع كي يتناسب مع التقاليد.

وقد أطلع إنغل، على طريقة بناء المساجد في إسبانيا، حيث بنيت العديد من المساجد بنفس الطريقة، وبالاعتماد على ذلك قام بتصميم قاعة الصلاة الرئيسة البالغ ارتفاعها 46 مترا، وهي قاعة تقوم على الأعمدة، ويعلو القاعة قبة يصل ارتفاعها إلى 75 مترا من الخارج.

يقول المهندس الألماني المشارك في التصميم، بأنه لم تكن هناك تحفظات على مهندسي المشروع الغربيين، غير المسلمين على مدار الأعوام الثلاثة التي استغرقتها الدراسات واختيار التصاميم المناسبة، حيث تم خلالها استشارة علماء من مختلف الاختصاصات الهندسية والتاريخية والشرعية من الجزائر والإمارات العربية المتحدة والعربية السعودية ومصر والأردن والمغرب وتونس.

 

 الجامع مكان أول كنيسة بعد احتلال الجزائر..مربط الفرص!

اختيار بوتفليقة، لمنطقة المحمدية لإنجاز المشروع لم يكن اعتباطيا، بل يعود أساسا إلى أن الأرضية التي يقام عليها حاليا الجامع تتجه مباشرة نحو قبلة المسلمين، ثم لكونها أول مركز في الجزائر وشمال إفريقيا لنشاط الكاردينال شارل مارسيال ألمان لافيجري الذي ولد يوم31 أكتوبر 1825 وتوفي في نوفمبر 1892.

ويعتبر الكاردينال لافيجري، أكبر مبشر مسيحي بالجزائر ومؤسس جمعية الآباء البيض المسيحية، قبل أن  يتوجه إلى سوريا لمساندة الحركة التبشيرية عن طريق التعليم ومنها ربط علاقات جيدة مع رجال الدين المسيحيين بالمشرق ودعاهم للقدوم إلى الجزائر لمساندته في حركته التبشيرية بعد انتقاله إلى الجزائر سنة 1867 بطلب من الحاكم العام للجزائر ماك ماهون، الذي عين لافيجري كبير أساقفة الجزائر.

وتفرغ الكاردينال لافيجري لتحويل الجزائريين عن دينهم الإسلامي، فأسس سنة 1868 جمعية المبشرين بالجزائر التي تعرف باسم الآباء البيض (Les Pères Blancs) دائعة الصيت وأسس في السنة الموالية جمعية الأخوات البيضاوات التي كان لها نشاطا تبشيريا كبيرا ركز على تحويل مسلمي الجزائر إلى الديانة المسيحية.

وحرص لافيجري على جعل الجزائر بابا لتنصير القارة الإفريقية عن بكرة أبيها، والتي أرسل إليها بالفعل عددا من البعثات التبشيرية، إلى غاية وفاته بالجزائر في شهر نوفمبر 1892 لينقل جثمانه إلى تونس ويدفن في كاتدرائية القديس لويس التي بناها بنفسه، وتخليدا لذكراه قامت السلطات الاستعمارية الفرنسية بإطلاق اسمه على المنطقة التي كان يقيم بها بالجزائر، أي لافيجري قبل أن يحوَل اسمها إلى المحمدية بعد الاستقلال سنة 1962، نسبة إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم