الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5   من حقّ فرنسا أن تقلق من الجزائر

  من حقّ فرنسا أن تقلق من الجزائر

زكرياء حبيبي

لم يكن عبثيا على الإطلاق كما توهمّ البعض أن يُعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن إنشاء مدارس لأشبال الأمة، تشكل إعادة انطلاقة حقيقية لاسترجاع موروث مدارس أشبال الثورة، منذ بضع سنوات، فالبعض رأى في ذلك محاولة يائسة لإعادة الجزائر إلى سكتها الصحيحة التي صنعها شهداء الجزائر ورسموا خطّها ومسارها بدمائهم الزكية الطاهرة، والحقيقة تُقال أن غالبية الجزائريين وصل بهم اليأس موصلا لا يُمكن تصوّره من تحقيق الجزائر لمرامي وأهداف رسالة شهدائنا الأبرار.

هنا يجب الاعتراف بأنّ هذا اليأس، اكتسب مصداقيته من كون جزائر ما قبل الاستقلال ليست هي جزائر ما بعده، وبخاصة أنه وخلال العشرية السوداء والحمراء، تمّ تقتيل الجزائريين وسفك دمائهم بذريعة أنهم خرجوا عن ملة الدين الإسلامي، بل إن خوارج ذاك الزمان شكّكوا حتى في شهادة عشرات الآلاف من الجزائريين، وكأنّنا بهم قد جُنّدوا خصيصا للنيل من استقلال الجزائر، والانتقام من تضحيات شهدائنا الأبرار، وهذه هي الحقيقة وللأسف الشديد، فإذاك أُشيع أن من استشهد في سبيل تحري بلاده ليس بشهيد، لأنّ الشهادة تكون في سبيل الله لا غير، فهؤلاء الخوارج عن الدين والوطنية، حاولوا عبثا أن يتَفّهوا شهادة أكثر من 9 ملايين ونصف المليون من الجزائريين منذ استعمار الجزائر وإلى غاية استقلالها،لأنّ كفاحهم وتضحياتهم لم تكن خالصة لله، وكأنّنا بهؤلاء يريدون إقناعنا بأن الاستعمار كان قضاء وقدرا من الله تعالى، وبالتالي فإن مكافحته تُعدّ كفرا بائنا.

شخصيا صادفت حالات عديدة كهذه إبّان العشرية السوداء حيث كان هؤلاء الخوارج المُصنّعين في مخابر الاستعمار الجديد، لا يُطلقون صفة الشهيد إلا على من قضى وهو يُحارب بلده وأبناء وطنه، وكنت إذّاك أغلي وأستشيط غضبا، لأنّني لم أكن أعي تمام الوعي بأن من بات يمنح وسام “الشهادة” هي المخابر التي أنشأها من استعمرنا ونكّل بأبناء الجزائر، فاليوم وللأسف الشديد بتنا شهداء على إطلاق صفة “الثوار” على من يُحاربون شعبهم وينكلّون بمقدّراته، ويعملون بكل طاقاتهم على إلحاقه بزريبة الخانعين والقابلين بالإستعمار الجديد الذي نجح في توظيف غُزاته من بين صفوفنا وللأسف الشديد، نحن اليوم في أماكن عدّة من وطننا العربي شُهداء على زمن إنقلبت فيه الموازين والمعايير، إذ بات من يُدافع عن سيادة واستقلال بلاده “خائنا” و”مواليا للنظام”، ومن يبيع نفسه وعرضه ويُقاول لعودة مُستعمر الأمس، ثائرا ومُناضلا في سبيل تحرّر الشعوب.

أمام هذه المُعادلة الغريبة التي تمّ صرفها باسم “الرّبيع العربي” رأينا كيف أن العديد من الأنظمة “العربية” باعت وقاوَلت وسمسرت في مصيرنا كعرب، للحفاظ على سيطرتها على شعوبها لا غير، ورأينا كيف أن أنظمة كسوريا والعراق واليمن نجحت في خلط أوراق المُتآمرين ودَحرت دواعشهم وقاعدتهم اللتان سلّطاها على شعوبهما لإركاعها وتوجيهها إلى السير صوب زريبة الاستعمار الجديد، وهنا أؤكّد أنّني لا أُحاول إقناع البيادق بأنهم أخطأوا عندما باعوا، بل أُحاول فقط تذكير من  صمدوا وواجهوا بأن مصيرهم هو النجاح والنجاح بامتياز على مؤامرات الإستعمار الجديد، وهذا ما بِتنا نعيش تفاصيله مع اندحار “الدواعش” في سوريا والعراق، لكن في الجزائر، يبدو أن الرئيس بوتفليقة الذي وقف سدّا منيعا في وجه محاولات اختراق أمنها ومناعتها، كان بحكامته يعرف من أين تُؤكل الكتف، ولذلك صبّ جام اهتمامه على استعادة ذاكرة الجزائريين، وهو اليوم في الذكرى الخامسة والخمسين للإستقلال، يُقرر إقامة احتفالات رسمية وشعبية لم يتم منذ 28 عام إقامتها، ما يعني أن الرئيس بوتفليقة وبعد أن رتّب البيت الداخلي في الجزائر، ونجح في استعادة الأمن والإستقرار الذي سعت فرنسا عبر “دواعشها” في زمن مضى إلى محوه والتنكيل به، لوأد نشوة انتصار الجزائريين عليها، يعي اليوم جيّدا، أي الرئيس بوتفليقة، أن فرنسا التي فشلت في مخططاتها التدميرية في ليبيا وسوريا وحتى في مالي، لا يُمكنها أن تحلُمَ بتحقيق النصر في الجزائر، ولذلك أعلن عن تنظيم احتفالات رسمية وشعبية لم تشهدها الجزائر كما قُلنا منذ 28 سنة، ليُعلن لفرنسا وقوى الاستعمار الجديد أن الجزائر المُسالمة غير عاجزة عن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء لاستحضار انتصاراتها، وإعادة ترسيمها من جديد في زمننا هذا الذي يحق فيه لفرنسا أن تقلق من الجزائر، كما يحق فيه لقوى الاستعمار الجديد أن تُعاود حساباتها حتى لا تتحطّم أحلامها ليس في الجزائر وحسب بل في كامل المنطقة وفي إفريقيا ككلّ.

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم