الرئيسية 5 ثقافة 5 من مايفار إلى مكّة
نشرت هذه الصورة لزاوية من زوايا المسجد الكبير بمكة المكرمة لأول مرة بالقاهرة عام 1925 من طرف "إبراهيم رفعت" ، و أعادت الليدي إفلين نشرها بكتابها "الحجّ الى مكة"

من مايفار إلى مكّة

بقلم : وليام فايسي

*مجلة سعودي أرامكو العالمية ، العدد : شهر سبتمبر / أكتوبر 2008

*ترجمته إلى العربية من الإنجليزية : البهجة استيت

“أنا أشاهد القطار يختفي عن الأنظار ، أشعر أنني عزلت نفسي بالفعل عن أصدقائي و جميع من أعرف . أنا أعشق مصر ، لكن الجزيرة العربية هي الآن من تناديني” –بورسعيد ، الثاني و العشرون من فبراير 1933 .

أخذت هذه الصورة لليدي إفلين بسنوات قليلة قبل زيارتها للعربية السعودية

دخلت “الليدي إفلين كوبولد” باب الشهرة بعمر الخامسة و الستين حين أصبحت أول امرأة مسلمة بريطانية الأصل تحجّ إلى البيت الحرام ، مكة المكرّمة عام 1933 . كانت أسكتنلدية الموطن وأرستقراطية المنشأ ، جدّة و سيدة مجتمع راقية بحي “مايفار” ، صيّادة أيائل ، صنّارة بحر و بستانية بارعة جدا ، كما كانت فريدة جدا من نوعها حيث جمعت بين كونها مسلمة و أنها تجيد العربية معا؛ ومع ذلك فقد تغاضى كثيرا عن سيرتها النابضة بالحيوية و حتى عن ما درسته و حول ما كانت حياتها  كمسلمة بمجتمع غربي ، كما و هو الحال بالنسبة لإسهامها في أدب النصوص بما يخص شعيرة الحج أيضا .

بالرغم أن الليدي إفلين لم تولد بعائلة مسلمة إلاّ أنها صرّحت على أنها كذلك ومنذ زمن باكر جدا حسب ما تتذكّر هي. لقد أنكرت أية لحظة في اعتناقها للدين، بالمقابل لم يسجل قط على عائلتها أي اعتناقا رسميا أمام إمام . كتبت تقول : ” أمضيت شهور الشتاء وأنا طفلة بفيلا موريسكية (*أي مغاربية) تقع بهضبة خارج الجزائر العاصمة …هناك تعلمت الحديث بالعربية ، كانت متعتي حين كنت أهرب من مربيّتي لزيارة المساجد مع أصدقائي الجزائريين وبدون أن أشعر كنت مسلمة فتية بالقلب … ثم مرّت بعض السنوات وحصل وأن تواجدت بروما بصحبة بعض الأصدقاء الإيطاليين ، عندها سألني مضيّفي هلا رغبت بزيارة البابا ، بالطبع ارتعبت كثيرا …عندما توجّه إليّ قداسته يسألني فجأة إن كنت كاثوليكية ، تراجعت إلى الوراء لبرهة ثم أجبته أنني مسلمة . لا أستطيع التظاهر بالقول ما الذي تملّكني لحظتها لأنني لم أكن أفكر في الإسلام منذ سنينا عديدة مضت . كان الأمر بمثابة عود ثقاب قد أضاء وكذلك كنت أنا ، فعزمنا كلينا على الاجتهاد و دراسة الدين” .

ولدت إفلين بإدنبورغ عام 1867 ، كانت أكبر أبناء “تشارل أدولفوس موراي” الإيرل السابع لدانمور و الليدي “غارترود كوك” ، إبنة الإيرل الثاني للايسستر . في كونه قليل المال على الدوام و مولعا بحبه للسفر بشكل كبير ، وجد اللورد دانمور أن الأمر سيكون مريحا ويسيرا معا باصطحاب عائلته إلى شمال إفريقيا عند كل فصل شتاء . و هكذا ترعرعت إفلين وأشقاؤها منذ وصولهم بصحبة مربّيات وموظفي الأسرة جزائريين ومصريين . كان التأثير على إفلين الصغيرة عميقا ، فقد أحسّت بالراحة التامة و الشعور بالانتماء للوطن بانغماسها في ثقافة و لغة الحياة اليومية للعالم العربي الإسلامي .

بالنسبة لأرستقراطية فقيرة نوعا ما ، تزوجت إفلين متأخرا بسن الرابعة والعشرين  بجون دوبوي كوبولد ، سليل عائلة ثرية تتاجر بالجعة بشرق إنجلترا . لقد التقيا بالقاهرة و تزوّجا هناك بأبريل عام 1891 . في بيتها الجديد بشرق انجليا ، واجهت مستقبل حياة منزلية ، حيث تعافت من كثرة الأسفار بداخل الوطن وخارجه كسائر أثرياء عصرها . رزقت بثلاثة أبناء ما بين 1893 و 1900 . لكنه كان من الواضح أن الليدي إفلين قد وجدت صعوبة في الاستقرار ، و الدلائل على عدم ارتياحها كانت لها علاقة بالإسلام و العالم العربي.

أثبتت أبياتا من الشعر كتبتها بدون عنوان – بالقاهرة عام 1889- حنينا روحيا لمعنى الحياة و الانجذاب نحو الإسلام ، حيث كتبت فيها :

…”تلك الأشواق الغامضة التي ملأت روحي ،

في تلك الصلاة التي سارعت بها إلى الأعلى ،

إليه ، الواحد الأحد ، جوهر كل الأشياء …

وذلك الإيقاع الغريب لبكاء الموحّدين قد دعا المؤمن في الاستعداد لليوم الذي أقترب …” .

برحلة حجّها عام 1933 ، أصبحت أول مسافرة أجنبية تشهد خدمة الباصات الجديدة بمكةالمكرمة

كانت الليدي إفلين بعام 1900 ترتحل دون رفقة زوجها . عادت لتزور شمال إفريقيا عام 1911 ، كما و كانت تجول بسن الثالثة والأربعين بمصر برفقة صديقة لها . يتضمّن كتابها ” عابرو السبيل بصحراء ليبيا” الذي نشر عام 1912 حول رحلتها ، مذكرات كاشفة و صريحة في إعجابه بالإسلام .

لقد أصبح الأمر جليا و متزايدا من ثمّ  على أنها كانت تعتبر نفسها مسلمة . كانت تقوم برحلات شتاء منتظمة إلى مصر، لا تزال مجموعات من الرسائل بالعربية موجودة من أصدقائها العرب هناك و من سوريا ، منذ سنة 1914 و 1915  . فقد خاطبها بعضهم “بالليدي زينب ، أختنا في الإسلام ” ، مستعملا لقبها المسلم الذي تبنته . كما و أنّ صداقتها منذ 1915 بالإنجليزي المسلم  “محمد مارمادوك بيكثال” الذي ترجم إلى الإنجليزية واحدة من أكثر تفسيرات القرآن الكريم تقديرا، لهي برهانا آخرا على ذلك .

سادت بالعشرينات شائعة مفادها أن تعلّق الليدي إفلين بالإسلام كانت نتيجة للجفاء الذي لاقته من عائلة كوبولد ، كما أنه تمّ انفصالها رسميا عن زوجها بعام 1922. لقد حظيت بتسوية مالية سخية بما فيها غابة الأيل غلينكارون بمرتفعات هايلاندس ، ممّا حقّ لها كامرأة فاحشة الثراء . ومع سنوات العشرينات ، انهمكت مع موكب من الأحفاد و بممارسة الرياضات الميدانية التي برعت بها . إلا أن زوجها توفي عام 1929 ، ليبدو الآن أنها بدأت جديا في التفكير بالحجّ إلى مكة المكرّمة .

أبلغت الليدي إفلين سفير العربية السعودية بلندن آنذاك “حفيظ وهبه” بنيّتها القيام بالحج و الذي كتب بدوره إلى الملك عبد العزيز بالرياض من أجل الحصول على إذن رسمي لها . لكن و كعادتها لم تطق الانتظار ، فاعتمدت بدل ذلك على علاقاتها الاجتماعية بلندن في إرسال خطاب تعرّف نفسها فيه إلى “هاري سانت جون ، أو عبد الله فيلبي” بجدّة .

الليدي إفلين بجدّة

أسلم “فيلبي” عام 1930 ، فلطالما استقبلا هو و زوجته “درّة” برحب وسعة ضيوفا غير مرغوب بهم . فقدّماها إلى جماعة المغتربين الصغيرة بمجتمع جدّة ، حتى أنهم دعوا الأمير فيصل (ولي العهد) لاحتساء الشاي و الالتقاء بالحاجّة القادمة . رتّب لها “فيلبي” في حين انتظار الإذن من الملك للذهاب إلى مكة ، رحلة بالسيارة إلى المدينة المنوّرة أين أمّن لها سكنا مع عائلة هناك . كتبت بمذكّراتها تقول :

الثامن و العشرون من فبراير 1933: ” إنّ الملك بعيدا بالرياض ، بعاصمته نجد ، و التي تبعد بستة عشر يوما من هنا ركوبا على ظهور الجمال ، لذلك أخشى أنه لن يتسلّم الرسالة التي بعثها إليه السفير بلندن منذ بعض الوقت…يجب أن أتحلى بالصبّر لحين تصل الرسالة إلى الملك ، كما و أنني أستمتع بوقتي في الاستحمام بمياه البحر الدافئة مع الشعّب المرجانية و الخوف من أسماك القرش ، أو بالجولات بالسيارة في الصحراء …”.

الثاني من مارس:” كم أحسد هؤلاء الحجّاج الذين نلتقيهم و هم بطريقهم إلى مكة ، بينما نعود إلى الحياة الاجتماعية بجدة ، و التي كانت ستكون ممتعة للغاية و إن لم يكن أحدا على بيّنة مسبقة بمدينة الإسلام الغامضة و المخفية بالتلالببعد أميال قليلة فقط من عندنا . لماذا نتوق دوما إلى المتعذّر نيله ، إلى ذلك العصفور الأزرق الذي يحوم بعيدا عن متناولنا؟”.

التاسع من مارس : “وصل الأمير فيصل في تمام الساعة الخامسة…كان من المدهش رؤية قامته الطويلة تلج إلى الممر، مرتديا بشمكا بنيّا مذهّبا فوق لباسا أبيضا فضفاض و غطاء رأس نجدي المزخرف ، كان يلبس قوفية بيضاء تعصب رأسه بحبال سوداء و ذهبية اللون تسمّى بالعقال …كان الأمير نحيلا و رشيقا جدا في حركاته ، وكأغلبية عرب نجد كان لديه جوّ من التميّز و التربية الحسنة” .

الخامس عشر من مارس : “أستغرق بنا الوقت لعبور الطريق من جدّة إلى المدينة المنوّرة خمسة عشرة ساعة بحوالي مائتين و خمسين ميلا أي أربعمائة كيلومترا ، خلعت قبعتي عند ركوبي لسيارة فورد الصغيرة التي حملتنا بإقدام بتلك المتاهات الرملية …التقينا إلى جانب الحجاج الراكبين على الجمال العديد منهم ماشين على الأقدام ، يكدحون ببطء في تلك الصحراء الحارقة حاملين قرب ماء بأيديهم ومرتدين لباس الإحرام (أو منشفتين) ، كما أن رؤوسهم عارية ، فالكثير منهم كانوا يحملون مظلاّت تقيهم حرّ الشمس . فالرحلة تستغرق عشرة أيام بين جدّة و المدينة المنوّرة على الجمال بالأوقات العادية و ثلاثة أسابيع أخرى للحاج يسيرها على الأقدام …” .

واجهت الليدي إفلين كونها زائرة مرموقة ، أوضاعا يسيرة لم تكن تقريبا صعبة كتلك بالنسبة إلى حاج عاديا . فلقد عاملها السعوديون بمجاملة كبيرة بما ناسب مكانتها . ما إن وصل الإذن بالدخول حتى سمح لها بالذهاب إلى مكة على حوالي خمسة و أربعين ميلا أو سبعون كيلومترا بعيدا بالسيارة . فقد وفّر لها “فيلبي” مرة أخرى سيارة مع دليل و سائق أيضا .

الثاني عشر من مارس : “اليوم جاءني الخبر بالسماح لي بالذهاب للحجّ إلى مكة و زيارة المدينة المنورة . لقد عشت طويلا في نوبات من الأمل و اليأس ، حيث أنني بالكاد أستطيع أن أقرّ بأن أعظم أمنياتي ستتحقّق في النهاية . كانت ترتيبات رحلتي بين يديّ مضيفي؛ بينما أقوم بإعداد نفسي … تطلّب لباس حجّي تنورة كريب سوداء طويلة جدا ، رداء و غطاء رأس بقطعة واحدة تلبس فوق الثوب العادي خلال زيارتي للمدينة المنوّرة . كذلك  كان حجابا أسودا بقماش الكريب يحجب ميزاتي بالكامل ؛ لكن يجب عليّ ارتداء اللون الأبيض كليا في مكة المكرمة ، فلا لونا مسموحا هناك بأي ثوب كان…” .

وصلت الليدي إفلين إلى الحجاز في منعطفا تاريخيا للعربية السعودية ، فقد أعلن عن قيام المملكة العربية السعودية فقط قبيل وصولها بسبتمبر عام 1933 ، لم يكن البترول مكتشفا وقتها بعد  ، كما كان الاقتصاد العالمي غارقا في فترة الكساد الكبير .

لم يكن هناك دخلا للبلاد باستثناء عائدات الحجّ . شهدت نسبة الحجاج القادمين من الخارج بحلول عام 1933 انخفاضا إلى أدنى مستوياته على الإطلاق بمعدل عشرون ألفا حاج – كان انخفاضا بحوالي مائة ألف بأواخر العشرينات . بيد أن الخلاص الاقتصادي أصبح بالمستقبل القريب ، فقد صادفت زيارة الليدي إفلين إلى جدّة حضور مفاوضين من شركة بترولية أمريكية و بريطانية ، ليوقّع الملك عبد العزيز آل سعود في مايو سنة 1933  عقد اتفاقية الامتياز مع الأمريكان و الذي بشّر بانتهاء الأوقات الصعبة التي عاشها الاقتصاد السعودي .


تمّ ترتيب الإذن بالدخول لليدي إفلين من طرف سفير العربية السعودية بلندن الشيخ “حفيظ وهبه” ، كما و هو موضّح هنا بإحدى زيارات صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن عيد العزيز لإنكلترا (على الأرجح بعام 1935). يقف وهبه بالقرب من يسار الأمير ؛ فوهبه من كتب المقدمة الأصلية لكتاب الليدي إفلين “الحجّ الى مكة”

الثاني من مارس : ” عدنا إلى جدّة أين نتناول وجبة العشاء بالفندق الجديد حيث يقيم الآن المهندسون الأمريكيون و الذين جاءوا محاولين الحصول على امتيازات البترول من الملك . ترحّب بنا زوجاتهم ؛ كل من السيدة “لويد ، هاملتون” و السيدة “كارل ، تويتشال” و تدعوننا إلى مأدبة عشاء فاخرة . كما تضمّ الحفلة السيد “ستيفان لونغريغ” و هو الممثل البريطاني لشركة بترول العراق الذي يتواجد هنا هو الآخر محاولا الحصول على الامتياز . لا يبدو التنافس أنه يفسد علاقات الصداقة التي تربط جميع الأطراف …”.

في الواقع أنه ولربما كون صهر الليدي إفلين رئيسا للبنك البريطاني هو من لعب دورا هاما أيضا في حصولها على إذن لرحلة حجّها الرائدة هذه . وفقا للسير “أندرو راين” الذي كان حينذاك وزير بريطانيا للعربية السعودية و الذي ألقى بنظرته الحاسدة بعض الشيء بخصوص زيارتها قائلا : “لقد كانت زيارة الليدي إفلين كوبولد أكثر نجاحا مما كان متوقّعا عليه” …” فسيفيض بالتأكيد كأس نعمتها لو أن الملك ابن سعود يستقبلها” . ما جرى أن الليدي إفلين لم تقابل الملك ، رغم أنها رأته يصل بالسيارة يوم وقفة عرفات ، الركيزة الأساسية في شعيرة الحجّ .

السادس و العشرون من مارس : ” أنا بمسجد مكة المكرمة ، فقد تهت لثواني من الذين يحيطون بي وذلك بالذهول الذي أصابني أمامه …نحن نسير فوق رخام أبيض عبر قبة كبيرة ، حيث يبلغ سقفها أكثر من خمسين قدما فوقنا ، ثم ندخل بأروقة ذات أعمدة تسند السقف المقوّس محاطة بباحة مربّعة …لم أتخيّل قط شيئا مذهلا كهذا … نحن نخطو نحو أقدس المقدسات ، بيت الله الحرام “الكعبة المشرّفة” ، إنها تشرق هناك في جلال متواضع . إن الأمر يتطلّب كاتبا عظيما ليصف هذا المشهد،  كاتب حاد التأثير ليصف الالتقاء العظيم للإنسانية أين كنت جزءا صغيرا منها ، لقد تهت بالكامل في تخومهم تلك بشغف الحماس الديني .. فقد أحسست ساعتها أنني عالقة بموجة عارمة من الانسجام الروحي …” .

يعدّ مؤلّفها “الحجّ إلى مكة” و الذي نشر عام 1934 شرحا مذهلا لليدي إفلين عن رحلتها إلى البقاع المقدّسة . و كما قد يعتبر تسجيلا لتجربة إيمان داخلية أو فيلما مألوفا يقصص رحلة . يعد هذا الكتاب بمنتهى الروعة في تعاطفه و حيويته ، يأخذ شكل مذكّرات تتخللّها إستطرادات مطوّلة كان القصد بها مساعدة قرّائها لفهم الإسلام ، أين استعرضت من خلالها مواضيعا مثل القرآن الكريم ، حياة الرسول ، التاريخ الإسلامي و العلوم ، مكانة المرأة ، إنجازات الملك “عبد العزيز آل سعود” و مبادئ الإسلام حول الحرب و التسامح .


بأرضها بغلينكارون بشمال غربي أسكتلندة ، هناك عرفت الليدي إفلين كأفضل صيّادة أيائل و قنّاصة معا

الواحد و العشرين من مارس : ” بعد حديثنا حول موضوع التسامح ، انتقلنا بالمناقشة حول الأزمة التي يواجهها العالم الآن و حقوق المرأة .يظهر الشيوخ متعتهم في الحديث ، يلينون ببعض من الإعجاب حول الطرق التي تنتهجها النساء في الغرب لإيجاد مكانة لهن تحت نور الشمس . كان تعاطفهم كلّه في صف السيدات، رغم أنني لمحت بعض الوميض من حين لآخر بعين سيد أحمد ، فغالبا ما كانا الشيخين يبتسمان كليهما ، لكنني لم أسمعهما قط يفسحان المجال للضحك الصاخب …” .

غير أن الأكثر إذهالا بكتابها هو أنها استطاعت و كإمرأة مسلمة وحيدة أن تشهد على شيء كان محجوبا على كل رحالة أجنبي من قبلها و هو : حياة النساء المنزلية في كلا من المدينتين المقدستين . كانت هذه الشهادة مع التزامها الديني هما ما سرد القصة بمعزل عن كل تلك الأوصاف باللغة الإنجليزية عن الحجاز و التي مرت من قبل .

السابع و العشرين من مارس : ” لقد أدخلتني مضيفتي بالفعل في أسرار الحريم و مضاجع النساء ؛ إنّه المخبز أين يعجن الخبز لسدّ رمق الجماعة الكبيرة التي تقطن البيت حاليا ؛ و هذا المطبخ الكبير أين هي ، أين تتعاون السيدات و الجواري جميعهن في طبخ وإعداد الطعام ؛ و هذه دار الغسيل أين أغلب الجواري منشغلات في الغسيل ، بينما تقوم ثلاث من النسيبات الجميلات بكي و طي الأقمشة المنزلية على جنب؛ إنها غرفة الأشغال أين يجلسن يحيكنّ و يثرثرن …” .

الأول من أبريل : ” بما أنني حظيت بشرف كبير عندما استقبلني سكان هذا البيت بحلولي ضيفة عندهم بمكة المكرمة ، أشعر أنه من واجبي الآن أن أدحض جميع تلك الانطباعات الخاطئة التي لا تزال موجودة عند الغرب عن الحريم . ليس فقط بهذا البيت ، لكن بكل بيت حريم زرته هنا بالجزيرة العربية فقد وجدت أن لدى مضيفي زوجة واحدة فقط . فبعيدا على أنها حياة منعمة بالراحة ، فهؤلاء السيدات هن مشغولات بواجباتهن المنزلية ؛ كما أنهن تعشن حياة سعيدة ، بل مرحة ، يتسلين فيها مع صديقاتهن كما و لديهن أوقات تسليتهن الخاصة بهن و مناسبات الأعياد أيضا” .

تمّ حمل الليدي إفلين بالحج ، و لأنها كانت منهكة تماما من أداء شعائره فقد تلقّت إعفاءا خاصا من الملك لإنهاء حجّها قبل التكبّد المعتاد في الأيام الثلاثة لعيد الأضحى . فهي لم تكن تنفر من الاستفادة من مكانتها الاجتماعية رغم أنها تمجّد مبدأ المساواة بالإسلام و الطريقة التي يجعل الحجّ فيها جميع الناس متساوين أمام الخالق . لقد وفّر لها مضيفها بمكة المكرمة و بسخاء كبير سقفا كاملا لبيته المستأجر بمنن بمكان نساء العائلة اللآتي كن لينمن بهواء الليل المنعش .

كما دعاها نفس مضيفها بوقفة عرفات لمشاركته مع ضيوفه الذكور الخيمة المطلّة على جبل الرحمة . قبلت دعوته دون تردّد ليس فقط لأجل برودة الخيمة و لكن لأن النساء كانت تودع بالخلف بخيم ساخنة على شكل جرس أين لم يكن بإمكانهن الرؤية و لا رؤيتهن .


أسرة في طريقها الى مكة المكرمة . يحمل الجمل الثالث بالصف هودجا مغطى يسمى بالشبرية ، حيث كتبت الليدي إفلين أنه كان يحمل ثلاثة أفراد من العائلة

جاء ردّها صارما أثناء الطريق إلى جبل عرفات ، حين تحدّاها واحد من المتدينين المارة في مسألة مطالعتها بالسيارة (كان كتاب “صحراء العربية” لشارل دوغتي) ، قائلة : “هذا كتاب إنجليزي ، و أنا إنجليزية مسلمة و أنا هنا لأداء فريضة الحجّ بإذن من الملك !” . لربما لم يكن ممكنا لبشر عادي أن يفلت من ذلك بسهولة .

عند عودتها من رحلتها عبر البحر ، جنّبها المسؤولون عذاب العزل الصحي الكامل ووفّروا لها مسكنا خاصا بميناء السودان كما سمحوا لها بالمغادرة بعد ثلاثة أيام فقط بدل الخمسة حسب ما ينص عليه القانون . لكنها كشفت عن جوهر صدقها أثناء انتظارها لمغادرة مكة المكرمة بالسابع من أبريل في عودتها النهائية عبر المدينة . لقد وجدت أنها و بعد كل هذا لم تكن لتستوعب “دوغتي” و ذلك بسبب عدم قدرته على فهم الإسلام . تناولت عوضا عن ذلك الكتاب الآخر الوحيد الذي جلبته معها، إنه مصحف القرآن بالعربية لتغمر سرعان في حبها لسورة جميلة من سوره هي”سورة النور” ، كما كتبت . لقد اكتشفت و بالأخير أن ذلك المار الغريب قد كان على حق فعلا .

جعلتها الصحف للوهلة الأولى من المشاهير و حتى قبل عودتها إلى لندن . كانت نظرة الصحافة العامة إلى حجّها كشيء يشبه ألف ليلة و ليلة  ، في حين حظّي كتابها “الطريق إلى مكة” باستقبال كبير لدى الصحف البارزة عام 1934 .

لكن أي نوع من المسلمين كانت الليدي إفلين عليه و كيف كانت لينظر إليها بأيامنا هذه؟ و مع ذلك ورغم أنها ثابتة بحزم في إيمانها ، لم يسجل لها بحياتها و في بيتها أي أداءا ملتزما للصلوات الخمس اليومية أو أعمال خيرية للفقراء و المحتاجين . فلا شك أنها نطقت بالشهادتين و في مناسبات عديدة كما و أنه هناك بعضا من الأدلة القولية على صومها أثناء شهر رمضان . يبقى أن فريضة الحج من بين الأعمدة الخمس لدين الإسلام  كانت هي الأكثر ما أحبّت أن تقوم به .

لبريطانيا تاريخ طويل لمعتنقي الإسلام قبل أيامها  ، بالعودة أقلها إلى وقت الحروب الصليبية.غير أن الليدي إفلين تنتمي إلى جيل لاحق تلك الأجيال من معتنقي الإسلام المثقفين ببريطانيا نفسها بأواخر القرن التاسع عشر ميلاي . فهي قد عاصرت قلة من المسلمين البارزين من هذه الفئة ، مثل : “عبد الله كيليام” ، “اللورد هادلي” ، “اللورد هوثفيلد” و “محمد مامادوك بيكثال” .

و بالرغم من أن الليدي إفلين قد وعظت كثيرا حول كتابها ببريطانيا إلاّ أنه لا يوجد ما يدل على أنها وجدت جمهورا لها أو أنها حظيت بتأثيرات على العامة . فهي إعتبرت الإسلام على ما يبدو على أنه مسألة قناعة شخصية و اعتنقته حسب إحساساتها الخاصة. بيد أنه  لاشك أن إيمانها العميق قد وصل إلى ذروته خلال سنوات حياتها الطويلة ، فقد عمّرت بحياتها ثلاثين سنة بعد قيامها بشعيرة الحج و توفيت بشهر يناير عام 1963 ، بواحد من أكثر الشهور برودة في ذاك العصر ببريطانيا . دفنتفي جو بارد قطبي هناك على التلال البعيدة بأرضها في “غلينكارون” ، لكن وفقا لمبادئ الإسلام  كما قد سبق و أن أوصت .

رمزت مراسيم دفنها الى عالمين : بزمّار القرية الذي كان يمشي بشق الأنفس من شدة البرد القارس ، يزمّر لوحده مؤديا مقطوعة “ماكرمونس لامنت” ، كما هو الحال بالنسبة للإمام الذي يرتعش بردا هو الآخر و الذي أتى من مسجد “ووكينغ” بلندن يرتل بالعربية سورة النور ، السورة التي تأثرت بها كثيرا بمكة المكرمة .حيث زيّنت  بآية من هذه السورة الكريمة  ، البلاطة المسطحة على قبرها ، والتي لا شك في أن أيلا يتجوّل عليها ، تماما كما كانت تتمنى.

 

للاطلاع على الموضوع الأصلي على الرابط:

http://archive.aramcoworld.com/issue/200805/mayfair.to.makkah.htm

 

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم