الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بين الفكر والسياسة 5  نهاية المُستبدّين المُخْزِية

 نهاية المُستبدّين المُخْزِية

بقلم:نور الدين بوكروح

ترجمة :عبد الحميد بن حسان

 

إنّ المصير الذي لقيه الرئيس المصريّ حسني مبارك قد غيّر نظرة العرب إلى المستبدّين الذين يحكمونهم، كما غيّر نظرة المستبدّين العرب إلى شعوبهم. لم يَعُدْ هناك مَنْ يؤمن بأن المستبدين الذين لا يزالون في مواقعهم يفكرون في أحسن طريقة لمغادرة السلطة أو حتى عالم الأحياء. وقد حاولْتُ في مقال (أجواء الثورة) أن أصف ما يمكن أن يحدث في نفسية الإنسان العادي في أجواء الثورة. وفي المقال الحالي سأحاول أن أصف ما يمكن أنْ يحدُث في نفسية المستبد لحظة انتقاله من مقام الألوهية إلى مقام البشر. ولا شك أن هذه التجربة خارقة للعادة. فبماذا يحسّ الفرعون عندما ينزل إلى مقام المصري البسيط نزولاً سريعاً؟ وبماذا يحس عندما ينتقل من مقام القاضي الأعلى إلى مرتبة المواطن الذي يُطبّق عليه القانون ككلّ الناس؟ وفيمَ كان يفكّرُ الرئيس المخلوع؟

 

إنّ الإنسان لا يولد طاغيةً، بل يصير كذلك بعد الميلاد. وهو يستغرق زمناً طويلاً في انتقاله من وضع إنسانيّ إلى وضع إلهي، من مرتبة إنسان مغمور الذكر إلى مرتبة إله الخَلق، وهو يقضي هذا الزمن الطويل في الاستعداد لمرتبة الألوهية والتكيف معها، وقولبة شخصه مع تلك المرتبة، وفي الإيمان والاقتناع بهذا التحوّل. أما الهبوط، فعلى نقيض ذلك، يكون بسرعة فائقة، ولا يترك للمستبد وقتاً كافياً للاستعداد ولا حتى لفهم ما يحدث. إنها سرعة قد يُصْعَق بإزائها الإنسان صعقة واحدة. وما أكثر أولئك الملوك، والأباطرة، والطغاة، والمستبدين، والرؤساء مدى الحياة الذين عرفوا هذه الطريقة غير المنتظرة لمغادرة السلطة: لويس السادس عشر ورأسه على المقصلة، ونبليون الذي نُفِي إلى جزيرة سانت هيلين، وشاه إيران الذي قضى آخر عمره هائماً على وجهه بحثا عن بلد يقبل باستقباله، ونورييجا في زنزانة من زنزانات أحد السجون الأمريكية، وشاوسيسكو الذي أعدم بأسرع من البرق، وابن علي الذي يرتعش لفكرة أن يُعاد إلى تونس لمحاكمته… وكم هم المستبدون المخلوعون الذين لم ينتبهوا لما يحدث إلاّ وقد قضى عليهم الموت؟ وأصاب نيوتن في قوله: كُلّما كان الصعود عاليا كان النزول صعباً.

لقد أصيب الرئيس المخلوع بنوبة قلبية عندما أرادُوا مُساءلته في شرم الشيخ حول القمع الذي مورس أيام الثورة وحول الثروة التي اكتسبها بصفة غير قانونية. لو كان مكانه شخص آخر لأصيب بنوبة قلبية أو بأي نوع آخر من موت الفجأة حتى ولو كان شاباًّ وبصحة جيّدة. فالرئيس المخلوع لا شك أنه كان يفكر في كل شيء وأنه كان يتوقع كل شيء، لكنه يُستبعد أنْ يخطر بباله أن يخلعه شعبُه المعروف بطيبته الساذجة. لقد كان مبارك متحكما في أوضاع بلاده التي كانت مستقرّة وتنعم في السلم والأمن منذ ثلاث عشريات. لقد قام بتنظيم الأمور في مختلف بنى السلطة، وقام بانتقاء حاشيته بعناية شديدة، وتعيين الأوفياء له على رأس المؤسسات الحساسة. كما حرص على اتخاذ كل الإجراءات لحماية نفسه من أي انقلاب، وأعطى للدستور صيغة تمنع أياًّ كان من منافسته على الحكم، وسدّ كلّ المنافذ التي قد تؤدّي إلى التداول على السلطة، ومنع الإخوان المسلمين الذين كان يخشاهم بشكلٍ خاصّ من النشاط السياسي، وحصر دور الوفديين والناصريين والليبراليين في التمثيل المناسباتي. عايش عدّة حروب، ونجا من انقلابيْن اثنيْن على الأقل (1981 و 1995)، وأفسد على الإسلاميين المُتشدّدين ألاعيبهم، وأحاط نفسه بصداقات خارجية موثوقة، وأكثر من ذلك فقد خرج منتصرا في معركته ضد المرض… فمِنْ أيْن يمكن أن يأتي التهديد؟ ومع ذلك فقد جاء ذلك التهديد، ومن الاتّجاه الذي لم يكن يتوقّعه، جاءه من سيدي بوزيد، من فيسبوك، من الشباب غير المُدجّن في الأحزاب السياسية، ومن ذلك الشعب المصري المُحبّ للطرب، والذي طالما غنّى “يا ليل !” حتى امتنع النهار عن الطلوع عليه، فراح يُردّد: “الشعب يريد النهار !”.

كان مبارك يتربع على رأس أقوى جيش عربيّ، أما شرطته السياسية فكانت الأقدم والأكثر عددا. كان تحت تصرفه مليونان من المناضلين الإداريين الذين كان يظن أنهم سائرون معه في غيّه إلى درجة أنه لم يكن يأبه أن يُقال إثر كل انتخاب رئاسي أو تشريعي أنّ نسبة المشاركة تُمثّل مسخرة. مبارك الذي كان نائبا لأنور السادات لم يرضَ أنْ يتّخذ لنفسه نائباً رغم أن الدستور والعرف المعمول به يفرضان عليه ذلك. لقد رأى بأم عينه أن رئيس الجمهورية في بلده، وفي بلدان أخرى كذلك، يمكن أن يحدث له كل شيء في أية لحظة، وأن مصالح الوطن تقتضي التخطيط لتفادي ذلك، لكنه مع هذا لم ينتبه لأنه لم يكن يفكّر إلاّ في عهدته هو، أمّا بعده فليكن الطوفان.

ذلك هو تفكير المستبدّين في أعماقهم: فهم لا يُفكّرون إلاّ في شخوصهم الصغيرة، أمّا مصلحة البلاد فلا تأتي إلاّ بعده هو، وبعد نرجسيته، ونزقه بكثير. إنّ نائب الرئيس قد يتحوّل إلى منافس للنرجسي، أو أن يقف ليمنع تنفيذ خطة لا يعرف خيوطها غير الرئيس، وهي خطة توريث الرئاسة لسلالته، وهي الفكرة التي يمكن أن تكون قد بزغت في ذهنه منذ الأشهر الأولى التي تولى فيها السلطة خلفاً للسادات. ولم يُعيّن نائبا له “عمر سليمان” إلاّ قبل استقالته بأيام قليلة. ولا فضل له في ذلك، لأنّ الشعب بثورته جعل ترشيحه لعهدة أخرى أمراً مستحيلا ولاغياً، كما دفن مشروع توريث الحكم لابنه. وعندما رضخ وقبل بالاستقالة على مضض، وهذا بعد عدّة تهديدات ومقاومة طويلة، كان يظنّ أنه سيُهدّىء الشعب وسيضع حداًّ للعداوة التي يحسّ بها إزاءه، أو أن يطفىء نار الغضب الشعبي التي اشتعلتْ في وجهه. كان يظنّ أن الشعب سيشعر بانه حقق ما يريد فيفترقان لا حقد لأحد على الآخر، كان يظن كل ذلك لأنه يرى انه تنازل عن كلّ شيء ولم يعد لديه ما يتنازل عنه، بل صار مظلوما سُلِبَ منه حقه.

كان في الثانية والثمانين، لكنه يبدو في الأربعينيات من عمره. لقد تمكّن من إيقاف مسار الشيخوخة في بدنه، وسجّل أهدافا ضدّ الطبيعة، وسخر عدة مرات من الموت، حتى كاد يظن نفسه خالداً. كان ينتظر بفارغ الصبر مجيء ذلك اليوم الذي لن يعود قادرا على القيادة فيمرر المشعل لابنه، لكي ينزوي بعد ذلك ويستعد للموت في هدوء تام، وتقام له جنازة رسمية مثل جنازة جمال عبد الناصر أو أم كلثوم، ثمّ يُدفن في ضريح. وسيتولى ابنه إعطاء اسمه لمكان من الأمكنة المشهورة في مصر أو لأحد الأهرامات. فالمستبدون عندما يشعرون بالموت يقترب تكون لديهم رغبات أخيرة تتمثل في ترك أسمائهم منحوتة في ذاكرة الأحياء عبر القرون، وأن يفرضوا أنفسهم على التاريخ. لكن، فجأة، وبعد أيام قليلة ينهار كل شيء، ويصطف الجميع ضدّه، بما في ذلك الشعب، ورفقاء السلاح، وأصدقاء الخارج، ووسائل الإعلام، وحتى الشيخوخة أخرجت براثينها في الأيام الأخيرة لتبدأ الشعرات البيض بالظهور والظهر يتقوّس تدريجيا.

لم يكن هذا الكابوس يخطر ببال الحاكم المستبد. ولا شكّ أنّه لما كان في أوج قوته ونفوذه كان يفكر أحيانا في يوم الحساب، وأنه كان يتساءل عما سيقوله لله إذا سأله عن أفعاله كرئيس دون الكلام عن تلك التي ارتكبها كنائب رئيس.. ولا شك كذلك أنه على ثقة من أن حكم الله سيكون في صالحه، لأن له الفضل في تسيير شؤون بلد مكتظ بالسّكّان ولا يملك من الموارد غير النيل. فكل شيء في مظهره يدل على تلك الثقة. لكن منذ إبعاده عن الحكم، فإنّه صار يعيش كل ثانية من عمره المتبقي وفي أعماقه إحساس دفين بالعار والمهانة، وكل ساعة وهو في انحطاط غير مُحتمل، وكل يوم وهو في عذاب يتجاوز طاقة البشر، وكل أسبوع كأنّه تعزير مسيحي…

كلّ رؤساء البلدان الغربية، وكل الأصدقاء القدامى تخلوا عنه فجأةً وأعطوا تعليمات بتجميد أمواله المودعة في بلدانهم. أما الرجال الذين كان يثق فيهم والمتعاطفون الذين وضعهم في المناصب الحساسة من الدولة والحزب فمعظمهم في السجن، وعمّا قليل سيتحوّلون إلى شهود عيانٍ ضدّه لأنهم حريصون على التخفيف من مسؤولياتهم على الأفعال الشنيعة التي ارتُكبتْ والنجاة برؤوسهم. أما جيشه الذي استلم منه السلطة، فإنه لا يملك أية حيلة لتخليصه من المأزق. إنّ الأوامر صارتْ تأتي الآن من ” ميدان التحرير “، والجيش يجد صعوبات جمّة في التحكّم في الوضع.

كان مبارك يُفكّر في كل هذا وهو في إقامته بشرم الشيخ عندما تحوّلتْ هذه الإقامة فجأة إلى إقامة محروسة وجبرية، ثُمّ إلى سجنٍ مؤقّت. كان في الماضي مُحاطاُ بحرسه الشخصي، فصار اليوم مُحاطا بحُراس السجون. مُنِعتْ عنهُ مُغادرة التراب الوطني وجُمِّدتْ حساباته البنكية. كان يمكن أن يموت جوعا لو لم تكُنْ معه نقودٌ أو لم تتكفّل به إدارة السجن. وهنا أدرك أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة نفْيِه من هذه الإقامة الرائعة كما أُخْرِجَ آدم من الجنة في بداية الخليقة.

وها هم أولاء سكان الناحية التي تقع فيها إقامته يتظاهرون مُطالبين بنفيه من هذا المكان. إلى أين سيذهب بعد هذا؟ وفي هذا الخضمّ يتلقى الرئيس، وكذا ابناه، أمراً بالمثول أمام محكمة القاهرة. وهُنا أدرك مبارك أن الوتيرة التي تسير بها الأحداث يمكن أن تؤدي إلى إدانته، ثُمّ تقييده، ثمّ يُرمى به في زنزانة، وسيكون عليه أن يدافع عن نفسه بخصوص مسؤوليته عمّا اتُّهِم به من جرائم قتل وتلاعب بالمال العام. وهو يتصوّر بوضوح ما سيكون الحكم الصادر في حقه على مرأى من ملايير المشاهدين المتابعين على التلفاز: سيُهان، وسيُحاصر من كل جانب، ولن يجد ما يفعل، ثُمّ سيُحكم عليه بالسّجن المؤبّد، أو بالموت رميا بالرصاص أو شنقا. كان كلّ هذا يدور في رأسه منذ شهريْن، وقد أرهق هذا التفكير الطويل ذهنه، وحطّم أعصابه. شهران كاملان من التعذيب، شهران في جحيم حقيقي، وفي تعذيب لا يُذكر، وبعدها فَقَد الرئيس قداسته وصورته الساحرة، وفقد حصانته، كما فقد أتباعه الكثيرين، وشرفه العسكريّ، وثروته، وكرامته، وها هو الآن يفقد حُرّيته بكل بساطة.

 

كان مبارك يعتبر نفسه بطلاً وطنياًّ، مثل محمد علي، أو أبا لأبناء وطنه، وها هو الآن لا يُذْكرُ في التلفاز والصحف وخُطب الجمعة إلاّ كمجرم سخيف، أو كعدوٍّ للوطن وعدو لله، أو كـ ” حرامي “. كان خائفا على زوجته بمقدار خوفه على نفسه لأنه يعرف أنها معنية بالتحقيقات الجارية. فهي أيضا يمكن أن تُحاكم وتُدان. أهكذا يُرمى بزوجته في السجن في آخر عمرها؟ إنّ هذه الحقيقة قد زلزلت كيانه. أما ولداه، فهو على يقين من أنهما لن ينْجُوا من أحكام قضائية قاسية. وماذا سيكون مصير أحفاده إذاً؟ مَن الذي سيتولّى أمرهم؟ أهي الحماية الاجتماعية؟ إنها لا تملك من الإمكانيات إلاّ القليل، واليتامى في مصر كثيرون. لقد فقد الرئيس، هذا الملاك المخلوع، كل شيء من امتيازاته كرئيس أو كزوج أو أب أو جد. لقد حطّم حياته وحياة زوجته، وحياة أبنائه وكل سلالته. صار اسمه مُلطّخاً وملعوناً وسيبقى كذلك إلى أبد الآبدين. أليس ذلك أكثر ممّا يستطيع أن يتحمّله إنسان واحد؟ أيمكن القول إنّ القوانين الجنائية البشرية تجهل أنّ في هذا كله عذاباً أليماً كفيلاً بإنهاء كل أنواع الجريمة؟ ألا يمكن أنْ تُقِرّ هذه القوانين بأنّ أقصى عقوبة تُسلط على المُدان هي الحبس والسجن والعقوبة القصوى؟ لكن، كيف نُسمّي ما يُعانيه مبارك منذ شهرين؟

ألا تفهم النيابة العامة والقضاة الذين عيّنتهم، والموظفون الذين كلّفتهم بتسيير المهام في وزارة العدل، أن هذه العقوبات غير مقبولة في حقّ رجلٍ كان هو مَلٍكهم؟ وهو يعرف أنّ رؤساء قبله قد مرّوا على نفس التجربة، حيث سبق له أنْ تعرّف على بعضهم شخصياًّ، مثل شاه إيران أو صدام حسين الذي لم يكن يُحبّه بسبب مبالغته في التّبجّح وبسبب اتهامه بالتسبب في تعكير الجوّ في الشرق الأوسط. صحيح أنّ رئيس دولة إسرائيل حُكِم عليه في الآونة الأخيرة بسبع سنواتٍ سجناً، لكنه لا يوجد أي وجه شبه بينه وبينهم. ها هو إذن مبارك فريسة للحظات الأخيرة التي يمرّ بها المحكوم عليه بالإعدام.

ولا شكّ أنّ مبارك الذي كان مستبداّ صار يُفكّر الآن في الله أكثر من السابق، وأنه يدعوه أن يكون  رحيمامعه ومع ذويه. لا شك أنه يفكر الآن في الدار الأبدية ويُصلّي داعياً ربّه أن يقيه جهنّم وبئس المصير. مبارك مثل صدام ـ الذي صرنا لا نراه بعد القبض عليه إلاّ والمصحف والتسبيحة في يده، بعد إذ كان لا يظهر إلاّ بالسيجار الكوبي والبندقية أو المسدس ـ لم يَعُدْ يجد قُرّة عينه إلاّ في القرآن الكريم. لقد قتل المستبدّ العراقي بيده رفقاء له، وقضى على آلاف المسؤولين الكبار ظهرت عليهم بعض الانحرافات الإيديولوجية أو الطموح الزائد، وأمر بسجن وتعذيب وقتل مئات من مواطنيه لسبب أو لآخر، وهاجم آلاف الأكراد بالغازات السامّة، وأودى بحياة آلاف الجنود في حرب جنونية ضدّ إيران… لكن، ماذا عن مبارك؟ إنه لم يفعل أي شيء من ذلك !

إنّ هناك حلقة في تاريخ الثورة الفرنسية ذكرها المؤرخ ميشلي (Michelet)  في كتاب “تاريخ الثورة الفرنسية” تستحق الذكر هنا. فقد ذكر أنّ رجلاً يسمى فويون (Fouillon) ، وهو المراقب العام للمالية لدى الملك، وكان معروفا منذ زمن طويل بقساوته تُجاه الشعب والفقراء. وكان يقول قبيل الثورة: « إذا كانوا جياعا فليأكلوا الحشائش! ” وعندما اندلعت الثورة نشر فويون دعاية مفادها أنه قد قضى نحبه وقام بإيهام الناس بجنازته. لكن الحيلة لم تنطلِ على الناس وتمّ القبض عليه. وكان الماركيس دولافاييت (Marquis de la Fayette) الذي عُرِف عنه السعي إلى إيجاد مصالحة بين النظام الملكي والثورة، هو الذي تولى الدفاع عن فويون وراح يحتجّ على التّسرّع في إصدار الأحكام، لكن أحد المواطنين أجابه قائلا: ” أتسخرون من العالم؟ هل نحن بحاجة إلى زمن طويل لكي نحكم على رجل محكوم عليه منذ ثلاثين سنة؟ “. وهكذا حوكم فويون وأُدِين ثمّ شُنِق. فيا لها من صدفة: ثلاثون سنة ! إنها المدّة التي قضاها مبارك على رأس السلطة في مصر. وهذه الحلقة تُذكّرنا كذلك بقصة قابيل التي ذكرها فيكتور هيجو في كتاب “الضمير”(La conscience). وهذا كله مفاده أنّ قضية المستبد خاسرة منذ المنطلق.

إنّ النظام في البلدان الديمقراطية يحمي الشعوب من الاستبداد، ويحمي المتحكمين في السلطة من مثل هذه الانقلابات في الأوضاع، وذلك بمنعهم من البقاء في السلطة أكثر من اللّزوم. وحتى في الديمقراطيات الجديدة فإن التّعفف صاربيّناً، فالرئيس الروسي بوتين، رغم ما عُرِف عنه من حب للسلطة، لم يتجرّأ على المساس بالدستور ليتيح لنفسه عهدة ثالثة ممنوعة دستوريا. ولو فعل، فكيف ستصير صورته في أعين أقرانه، وهو الذي كان يريد أنْ يُعيد لبلاده مكانتها المحترمة في العالم؟ إنه يعرف أنه لو امتدت يده إلى الدستور فسيُنظر إليه كمستبدّ من المستبدّين العرب أو الأفارقة، لأن التلاعب بالدستور هو من اختصاص البلدان العربية والإفريقية.

إنّ الشعوب العربية يتعلّم بعضُها من البعض الآخر، لكن المستبدين لا يتعلّمون شيئا. فالذين لا يزالون في الحكم منهم يُتابعون ما يحدث لكنهم يُحللون الأحداث بطريقتهم الخاصة، ويقولون لأنفسهم: لا ! إن الوضع يختلف عندنا، لا ! يكفي استعمال القوة لإيقاف الثورات التي ستموت بنفسها… وإنّهم يُعوِّلون كثيراً على قدرة علي عبد الله صالح والأسد والقذافي وملِك البحرين على المقاومة… إذا سقط هؤلاء فإن دورهم هم سيأتي، لكنهم يرون أن الأمور لم تصل إلى هذا الحدّ بعدُ. وحتى في البلدان التي لم يحدث فيها أيّ شيء لحد الآن فإن الشعوب قد انتصرتْ. في الجمهوريات لن يكون هناك توريث للحكم أبداً، ولن تكون هناك رئاسة مدى الحياة، ولا ترشيح أحادي. هذا في انتظار الأحسن. أما في المملكات، فإن السلطة المطلقة بدون مجالس نيابية منتخبة لم يعُدْ أمراً وارداً. والشعوب التي تريد الحريّة والديمقراطية تعرف أن للحرية والديمقراطية ثمناً.

 

لوسوار دالجيري 17 أفريل 2011

 

 

 

 

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم