الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بين الفكر والسياسة 5           هل حقيقة نريد الحقيقة ؟

          هل حقيقة نريد الحقيقة ؟

 “ألي فالقسط يخرج للوسط” (مثل شعبي)

 

بقلم: نور الدين بوكروح

وين راهي لافيريتي؟” هكذا كان يتساءل بعزيز في إحدى أغانيه سنة 1990. وإن أردنا البقاء في جو أغنيته، نرد عليه “جمان فو!“.

استرجعنا هذه الكلمات ونحن نعيش اليوم في مهب عاصفة هوجاء تعري أحداث التاريخ الواحد تلو الآخر بدأ من معركة الجزائر أثناء الثورة إلى التعذيب الذي مورس في أكتوبر 1988 واستقالة الشاذلي وانتهاء بأكبر قضايا الرشوة إلى الجنرال التوفيق الذي كان “يقشر البطاطا” قبل الاستقلال فأصبح “رب الدزاير” بعده إلى يوم غير بعيد. وعندما نعيد النظر في هذا كله تملأ قلوبنا بالاشمئزاز ونصرخ بكل قوانا :”لا يا بعزيز، لا ! لا نريد أن نعرف الحقيقة ولا نحتاجها، لأنها ليست حقيقة تضيئنا بل قذارة تقرفنا  !”

إلا أن هذه الحقيقة المزعومة تهطل علينا بشدة هذه الأيام، إنها تمطر علينا دون انقطاع و قد جفت أمطار سمائنا. إنها تحيط بنا حيث التفتنا، تنزل علينا من السماء و تصعد من الأرض وتخرج من غياهب النسيان وتعود من المنفى…. فأصبحت محل كل حديث في المقاهي و الدشور، وتتصدر أولى صفحات الصحف وتتقدم أخبار القنوات التلفزيونية وتدور في الشبكات الاجتماعية. تنبت وحدها مثل العشب الضار وتتكاثر مثل “الهندي”.

لم نكن نتوقع أننا سنعرف حقائق بعض ما عشناه وسمعناه. لكن ها هي الحقيقة تجري وراءنا وتريد اللحاق بنا وتحاصرنا من كل درب وصوب وتضطهدنا وكأنها على أحر من الجمر لتكشف لنا عن أسرارها، وتسابقنا لكي تعرفنا بنفسها قبل أن نبحث عنها، مثل “السكوب”   (scoop)الصحفي الذي يخرج قبل أن يعلن عنه رسميا.

طبعا، كنا نستفسر عن بعض الأحداث الهامة في تاريخنا ونود التعرف على خبايا بعض المواقف البطولية التي سكت عنها أصحابها ربما عن تواضع، وأردنا أن نعرف حدة الذكاء الذي دبر وخطط لبعض القرارات التي أثرت على حياتنا الوطنية في مراحل دقيقة.

لكن كان حظنا من الحقائق سيئا جدا حيث لم نر منها سوى الاتهامات المتبادلة بالخيانة والفضائح والخشونة والتفكير الطفولي… وصرنا نتساءل : ما أصاب هؤلاء الناس لكي يفضحوا كل شيء اليوم ولا يتوقفون عن الكلام المباح بعد أن قضوا حياتهم المهنية صامتين وكتومين؟ ألم يبلغوا من السن الكبر حيث تصبح عامة الناس أقل حديثا وثرثرة؟

كان نزار لمدة طويلة وحده في حلبة “السكوبات”، لكن ها هو اليوم بمعية ثلة من المنافسين اللذين يريدون الفوز وكأننا في مسرحية قراقوز “الموبيتشو” حيث التحق به الكولونيل بن عودة والجنرال بتشين والوزير الأول الأسبق عبد الحميد براهيمي الذي لم يمتلك نفسه وما إن وضع قدمه على أرض المطار إلا وتدفقت منه أخبار عاجلة فيعملنا أن نزار هو عميل المخابرات الفرنسية، والتوفيق، كان مساعد طباخ في قديم الزمان.

لا ندري ما جرى لتاريخنا إلا أنه يبدو أنه قرر أن يفتح علب أرشيفه المصنفة “سري جدا” ويجعلنا نشعر أنه لا يريد حرماننا من معرفة الحقيقة. فأخذ مكبر صوت وضغط على من بقى على قيد الحياة وأجبرهم على قول حقائقهم، فقالوا هم أكثر مما أردنا السماع نحن، حيث لم نر إلأ التجشؤ بما يعلمون عن بعضهم البعض من سوء الفعل.

يقول مثل جزائري :”صدور لحرار، قبور لسرار”، لكن هذه المقولة النبيلة كان لها وزن وأثر في زمن الأمير عبد القادر والشيخ المقراني وفاظمة نسومر وبوعمامة. لكنها أصبحت لا معنى لها ولا وقع في زمن الرذالة و”الحقارين” والأفعال الخسيسة والأرواح الدنيئة.

أنا أقولها لكم أيها الجنرالات المتقاعدين ورؤساء الحكومة والثوار القدامى، لا نريد أن نعرف حقائقكم الانتقامية ووشاياتكم المتأخرة وأحقادكم المخرفة، لأنكم قضيتم بهذا على القليل من الاحترام المتبقي لدى الشعب تجاهكم، مع أنه كان يعلم ما أنتم كنتم فاعلين. إلا أننا لا نريد سماع شيئ عنكم أو منكم.

كل ما فيكم يفضح حقيقتكم، مما رأيناه من شخصياتكم “المهرولة” وحديث الشارع الذي هو لغتكم. نحن نعلم أن كذبكم أكثر من حقيقتكم فيما تقولون، ومجاملاتكم الخبيثة في السابق لبعضكم البعض أمام الملأ لم تكن سوى مؤامرة وخرافة مشتركة اتفقتم عليها كلكم للحفاظ على سلطتكم. نحن نعلم أن الثورة قام بها من استشهدوا أكثر ممن بقوا، وأن الكثير ممن بقوا أسهموا في الإسراع باستشهاد الثوار الحقيقيين، بينما فضلوا هم البقاء في نعيم السلطة بدل نعيم الجنة الأبدية.

لكن، ونحن نفكر في الأمر مليا، يقودنا التفكير إلى التساؤل: ولما لا؟ لما لا نشجع هذه الرغبة الجامحة في الاعتراف والبوح، مع علمنا أن المقصود هو ليس “غسل عظامهم” وراحة ضمائرهم والشهادة الصادقة، بل ما يدفعهم هو الانتقام من بعضهم البعض، وكأن كل واحد منهم يفكر بنفس الطريقة: “اعمي لي عين“… حتى يفقد الآخر الاثنين.

وماذا لو كنا نحن المخطئين، ولم نفهم هذه العبقريات المتفجرة في آخر عقود أعمار هؤلاء، وربما كانت هناك نوايا حسنة وراء “خرجاتهم” المدوية كالألعاب النارية؟ ربما…

لم يبق منهم سوى السيد زروال. لما لا يطلعنا هو الآخر بنفسه عن ظروف تخليه عن السلطة بعد ثلاث سنوات فقط من توليه الرئاسة في أجواء مفعمة بالوطنية بقت راسخة في أذهاننا؟ لما لا يفعل بدل أن يترك هذه المهمة للتاريخ؟ وعلى عكس زروال، أعاد ياسف سعدي الكرة للمرة الألف، وعمره يناهز تسعين سنة في موقع إلكتروني إذ لم يكف الفيلم المشهور حول معركة الجزائر والكتب العديدة والحوارات مع الصحافة….

أيها الجزائريون البررة، الحقيقة أمام أعينكم: إنها الرداءة المفضوحة لحكامنا وخيانتهم لمبادئنا. أتدرون لماذا هم اليوم في سدة الحكم؟ تاريخنا هو السبب لأنه مليء بمن يشبههم ومليء بنفس ما هم يقومون به اليوم حيث عرف الكثير من الرداءة والخيانة بدل الشهامة والأنفة، فطرد الرعاع وعديمي التربية من هم “اولاد الفاميلية” وقمع الجاهلون رجال الفكر. إن مصيبتنا في المستوى الفكري والعلمي لقادتنا منذ 1926، أي منذ تأسيس نجم شمال إفريقيا، إلى يومنا هذا، في 2016. قرن من الجهل والعمى يختتم اليوم بآخر مراجعة لدستورنا المسكين، والجميع يغض البصر، ويكتم الحقيقة التي يعلمها جيدا في قرارة نفسه، أي أنهم سلموا الجزائر مكتفة لعهدة خامسة وسادسة لرجل فقد قواه ولم نعد نرى منه سوى طيفا قابعا في كرسيه من بعيد.

وإن كان “صانع الملوك” في الجزائر إلى وقت قريب “يقشر البطاطا والجزر” حسب مزاعم عبد الحميد “لاسيونس”، فإن زعيم الحركة الوطنية، مصالي حاج، كان يبيعها فوق عربة حسب مؤرخيه. وها نحن بعد قرن من الزمن، يحكم فينا رجل لا يستطيع تقشير أي شيء بل ولا يتحرك إلا بكرسي آلي. لكن، والمفارقة رهيبة، قادر على فعل ما لم يقدر عليه الأصحاء من قبله أي تركيع الجزائر ودهسها بكرسيه بكل ما تبقى لديه من طاقة وقوة.

وإن عدنا إلى حقائب غابرة من تاريخنا، أيها الجزائريون العظماء، نجد شخصيات كثيرة حكمت فينا : “ذو الحمار”، وميسرة، حمال الماء، وكم من جحا الماكر وأمثاله. وهي نفس الشخصيات، بأسماء أخرى، التي حكمت فينا منذ 1962، يجمعهم الجهل والمكر، ولا يثقون إلا فيمن يشبههم ولا يسلمون الوظائف إلا لمن هو أجهل منهم. وإن قبلوا بمن لديه معرفة تقنية، اختاروا من لديه أكبر استعداد “للرخس”. أما “الأعمال الخاصة” بالنظام ورجالاته، فلا يحظى بها سوى من أبلى بلاء حسنا في الرشوة والنهب.

وعندما نبحث عن البديل، وجدنا الفيس، والجماعات الإرهابية والمسلحة من جيا، و الأيس، و الجيا و أكمي… وكانوا مستعدين كلهم، لو فازوا في التسعينات، لإعادة نظام الخلافة والدولة الإسلامية والتربع على عرشها، والكثير من قاداتهم هم بائعي الدجاج، ومصلحي السيارات وأئمة الشارع. كانوا كلهم يحلمون بالثراء السريع الذي كانت ستضمنه إياهم السلطة مدى الحياة، وممارسة الاستبداد على الشعب لأنه نمط الحكم الوحيد الذي يعرفونه، ويسمعون به في تاريخ الإسلام القديم والحديث.

وإن لم يكفينا أدلة في الماضي البعيد، سهل علينا أن نأتيكم بها من البارحة. هل تتذكرون أحد المترشحين للانتخابات الرئاسية، وهو بائع خضر (يا لها من صدفة ها هي الخضر تعود من جديد)، ولم يكن أغربهم ؟ هل تتذكرون أن برنامج ذلك المترشح هو تسليم عهدته… لعلي بلحاج؟ وإن أردتم أدلة من المستقبل، يمكن تصورها إذ لن يتغير الأمر كثيرا : من سيفوز بانتخابات 2029 في رأيكم؟ من يشبه بلحمر أو بلحاج أم شبه نواري “السويسري”؟ أو حتى سنة 3029 أو 3979 إذا تتبعنا تارخنا الأمازيغي؟ أترككم تفكروا في القضية….

الحقيقة، أيها الشعب الجزائري العبقري، أن لا أحد منا يود معرفة الحقيقة كلها، الحقيقة الحقة، ربما قبل البعض منا معرفة البعض منها، وبعض الوقت وحقيقة البعض الآخر، لكن حقيقتنا كلنا، كأشخاص وكمجموعة، فلا… وألف لا…. لأننا نعلمها كلنا، هذه الحقيقة، ونعلم أن محاكم العالم لن تكفي لإدانتنا ولا القرن الآتي بأكمله ولا سجون العالم تسعنا، وحتى سيوف السعودية وأحجارها لن تكفي لقطع رؤوسنا ورجمنا لجرائمنا الخفية والتي لم نتب منها ولم ندفع من أجلها فلسا غرامة.

“وين راهي لافيريتي؟” من الأفضل ألا نعرفها. سيصيبنا الخجل ونطأطئ رؤوسنا ويندثر “نيفنا” المزعوم. إن الحقيقة أيها الجزائريون تشبه سارق سعيد مقبل في آخر مقال له  قبل اغتياله وهو يتسلل ليلا ليضع كيس قمامته أمام بيت جاره بدل بيتها هو، إنها السائق الذي يحسب أن لا أحد يراه فيرمي شيئا ما على الطريق من سيارته فاخرة كانت أم بسيطة.

إنها ذلك المستهلك الذي يسرق مع أولاده خيط الكهرباء من شركة سونلغاز أو من أنبوب الماء لشركة المياه، قبل أن يتوجه إلى المسجد لصلاة التراويح، إنها تتخفى في أناقة رجل الأعمال الذي يزوق أرقام أعماله لكي لا يدفع للضرائب حقها، إنها في كل بناء فوضوي وغير قانوني، إنها في انعدام المراحيض في كل مدن البلاد وفي عدم الاحترام الذي “نكنه” بعضنا البعض، وهي جملة متخفية في ثقافة “تخطي راسي” وفي اغتصاب الدستور المستمر.

وماذا نعلم أولادنا في المنازل؟ هل نعلمهم الكلام الطيب والبشاشة؟ هل نعلمهم أن يفسحوا الطريق لغيرهم؟ أن يساعدوا عجوزا أو شيخا على قطع الطريق وترك مقعدهم لهم في الحافلة، احتراما لسنهم؟ ألا يخدع الآخرين ولا يغشهم؟ نحن لا نعلم حتى معنى هذه المفاهيم ولا نتقبلها ما دامت لم ترسم بآية قرآنية ولم يؤكدها حديث “صحيح” أو يعاقب عليها القانون.

إن حياتنا اليومية مليئة بما نسميه “قفازة” و”شطارة”، فلا يعلم الأولياء أبناءهم سوى “طاق على من طاق” ، “اضربو يعرف مضربو”. ألا تعجبكم هذه الحقيقة؟ ربما… لكنها الحقيقة.

كلنا، من أعلى السلم الاجتماعي إلى أسفله، مجرمون، بدرجات متفاوتة، كل حسب مقدوره على الإيذاء وحسب قوة غريزته في ذلك، التي قد تسكنه طول الوقت وتدفعه لفعل السوء، وقد تستيقظ بين الحين والآخر فقط. كلنا نكذب ونسرق ونخترق القانون، كلنا راشون ومرتشون. المهم ألا يقبض علينا، وألا يرانا الآخرون. وإن تجاوز الخوف الذي قد ينتابه ويمنعنه بعض الشيء، فإن الشخص الجزائري مستعد للقيام بأعنف الأعمال وأشنعها، وممارسة الإرهاب الفكري والديني، واقتراف كل الخيانات السياسية والركون إلى الجبن الاجتماعي.

عندما تابعت في التلفزيون خيانة التصويت على الدستور، تساءلت كم من نائب وسيناتور كان سيصوت بنعم عليه لو كان التصويت سريا لأن الجزائريين قلما كانوا نفس الأشخاص في السر والعلانية.

إن حياتنا الوطنية تدفعنا دفعا نحو مثل هذه الممارسات بفعل عقلياتنا وتقاليدنا الموروثة. إننا غير قادرين على التخلي عنها وكأنها تملك قوة جاذبة تربطنا بموروثنا الجيني الذي نراه في الآخرين ونحسب أننا لا نملكه نحن أيضا، فنكرههم ونتذمر منهم، ونذمهم في غيابهم. وأكثر ما نكره فيهم كونهم “أخذوا” أكثر مما تمكنا نحن سلبه لأننا لا نملك “الجرأة” أو لم نجد الفرصة. يقول مثل جزائري آخر: “إلي يخاف، رزقو قليل“. ولهذا نجد عدد الفقراء أكثر من الأثرياء. وهناك أمثلة كثيرة عن عاداتنا العوجاء وعن الميل للسرية :”ألي يحبك، يستر عيبك“، أو “خلي البير بغطاه“.

نحن نظن أن ثقافة السر تعود إلى زمن الثورة فقط حيث كان من الضروري الاختفاء وكتم السر وخلط الأوراق للنجاة من قبضة المستعمر. وقد اضطر البعض ممن تم القبض عليهم في مهب المعركة أن “يبيعوا” إخوانهم بينما البعض الآخر ممن شاركوا فيها لأغراض لا نعلمها، فإنهم ممن يحفظون السر بإصرار أكثر من غيرهم حتى لا يسألهم أحد عن مسارهم و”مآثرهم” في الحرب.

لكن، عندما نعمق فكرنا وندخل في تفاصيل الأمر، نلاحظ أن الميل للتخفي والتهرب والتحايل و”الدريبلاج”   (dribblage)يغرس جذوره في لا وعينا الجماعي والأزلي، وإذا بحثنا أكثر، نجده متشابك أيضا بثقافتنا الدينية حيث نسلم أن ذنبا مخفي هو ذنب مغفور. فنقول أن “السترة مليحة” و”استر ما استر الله”، وبعض من المقولات الأخرى من نفس النوع، ونطبقها بطواعية أكثر إذا ما تماشت مع حساباتنا الآنية الضيقة.

عندما طرح مشروح الدستور علينا، فهمت كما فهم الجميع أن اللغة الأمازيغية قد أخذت نصيبها كاملا كلغة وطنية ورسمية، ولا يبقى سوى جعل استعمالها منسجما بين كل أطيافها، وهو الأمر الذي كان سيستوجب 15 سنة حسب أحمد أويحيى. وذلك أمر مفهوم ومقبول. لكن، ها نحن نقرأ في البنود الأخيرة وفي نفس الدستور أن اللغة الأمازيغية لغة رسمية لكن اللغة العربية تبقى اللغة الرسمية الوحيدة للدولة. وهكذا نرى كيف تسترجع اليد اليسرى ما أعطته اليد اليمنى.

فتساءلت : أين المشكلة؟ هل هي فيمن تصور التعديلات أم في الكلمات المستعملة؟ وبما أنه من الأسهل  أن ندخل في القاموس بدل الدخول في رأس محرر التعديلات، أخذت قاموسي وتأكدت من معنى كلمة “رسمي”، فوجدت ما يلي : “إنه كل ما يحمل صفة القانون إذا ما صدر عن الحكومة أو الإدارة”. لكني وجدت تعريف ثانيا :”كل ما لديه صفة الصحيح والقانوني مع أنه يوحي بوجود واقع آخر وراء الحقيقة المعترف بها”.

وهنا فهمت أن جحا ضرب ضربته مرة أخرى : إن اللغة الأمازيغية لغة رسمية لكن لن تستعملها الإدارة ولا الدولة. وهو نفس الأمر فيما يتعلق بكل نظامنا السياسي والاقتصادي والثقافي منذ 1999 حيث لا يعبر الشكل عن المضمون ولا الصورة عن المحتوى، ولا الكلمة عن الفعل ولا الخطاب ينم عن حقيقة، ولا الوعد يتفق مع ما ينجز…. كل شيء مغلوط ومزور، كله مظاهر وزوق، حيل وخداع… وتصورت لحظة الحديث عن القبائل : ماذا نعطيهم لكي نمتص غضبهم؟  فيجيب جحا بكل مكر : كلمة من غير حقيقة.

لا شيء يمكن فعله عندما تأتي أشنع الأمثلة من أعلى السلطة وترتكب الجرائم ضد الوحدة الوطنية والصالح العام والأخلاق العامة والقيم… ماذا ستأخذ الأجيال القادمة من سلوك “أسلافهم” الغادر والمشين والتحايل تجاههم وتجاه وطنهم؟ كيف ستفسر كون رئيسها يستقبل أي عابر سبيل أجنبي ويرفض أن يتفوه بكلمة واحدة لشعبه منذ سنوات؟ هل مثل هذا السلوك سيدفعها لاحترام الدولة و الحكام؟ هل في هذا ما سينمي في الأجيال حب بلدهم والإقتداء بأحسن المثل؟ وماذا نقول عن الفضائح المتتالية واليومية؟ وماذا نقول عن الانتهاك الدائم لسيادة الشعب وتغييب المؤسسات وما ترمز له؟

وبالنظر لكل ما قلناه، أيها الجزائريون الأبرياء، لم يعد لدينا الكثير من الأمل، لقد قضي الأمر… كيف بنا نعود بالشعب ليؤمن بالدستور، وبوعود حكامه، والثقة في السياسة، والتحلي بحسن الخلق المدني والروحي، واحترام القانون عن قناعة وليس عن خوف، كيف بنا نبني شعبا يؤمن بالنزاهة والتربية الحسنة والنظافة…. أين الحل ومن أين نبدأ؟

 

* ترجمة: علي جيدة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم