الرئيسية 5 اقتصاد وأعمال 5 بابا عمي: شركات تأمين عاجزة عن تعويض زبائنها بسبب الاغراق(فيديو)

بابا عمي: شركات تأمين عاجزة عن تعويض زبائنها بسبب الاغراق(فيديو)

يوسف محمدي

أعترف وزير المالية حاجي بابا عمي بلجوء بعض شركات التأمين العمومية والخاصة إلى ممارسة سياسات إغراق وكذا التزوير في تكوين المؤونات مما جعلها عاجزة عن تعويض زبائنها، موجها تحذيرات شديدة لبعض شركات التأمين على خلفية اللجوء إلى “ممارسات الإغراق وعدم تكوين مؤونات على أساس السعر المتوسط الحقيقي”.

وقال وزير المالية في تصريحات للصحافة على هامش إطلاق خدمة “جبايتك” الموجهة لكبريات المؤسسات، الأحد 18 ديسمبر بالجزائر، إن هناك فعلا هذا النوع من الممارسات غير الشرعية، وأن هذه الشركات ستكون عاجزة عن تعويض زبائنها، مؤكدا أن مصالحه قررت مراقبة الشركات العمومية والخاصة التي تقوم بهذه التجاوزات الخطيرة التي كانت سببا في ضرب الملاءة المالية للقطاع.

وأكد الوزير وجود شركات لا تحترم هذه القاعدة الإجبارية القائمة على تكوين مؤونات على أساس السعر المتوسط الحقيقي، مشيرا إلى أن هذه الشركات هي التي وقعت حاليا في مشاكل عدم القدرة على تعويض زبائنها، وستكون لها مشاكل أخرى في المستقبل.

وأضاف بابا عمي أن هذه الشركات تحت مراقبة سلطة الرقابة على التأمينات، مشيرا إلى تسوية هذه القضية، كما سنحرص على منع ممارسات الإغراق.

وحذر مختصون من قطاع التأمينات منذ مدة طويلية، من العواقب الخطيرة التي تهدد قطاع التأمينات الجزائري الذي يوجد على مشارف الإنهيار بأزيد من 5 ملايين ملف ينتظر التصفية منذ 2010 ولكن سلطة الإشراف على القطاع لم تحرك ساكنا مفضلة سياسة الهروب إلى الأمام إلى غاية إنهيار النظام برمته.

وكشف مصدر مطلع من القطاع، أن وزير المالية حاجي بابا عمي تم إبلاغه بالوضعية الحقيقة للقطاع عدة مرات منذ أن تم تعيينه على رأس القطاع، فضلا عن كونه واحد من أكبر العارفين بالقطاع كونه أشرف على المديرية العامة للخزينة لسنوات طويلة.

وللتغطية على الكارثة الحقيقية تقوم شركات التأمين العمومية والخاصة، بالتلاعب بالأرقام من خلال اللجوء لممارسات احتيالية خطيرة والإغراق لتزوير الحقيقة عن طريق فنيات تسمح بإبراز نتائج وهمية تغطي على عيوب الشركات العمومية والخاصة وتسمح للشركات الأجنبية بتحويل أرباح إلى الخارج على ظهر الزبون الجزائري الذي لن يحصل على أي تعويض.

وتم إبلاغ عدة وزارء مالية سبق لهم الإشراف على الملف ولكنهم لم يتفاعلوا مع خطورة الملف، كما لم يتحرك مجلس المنافسة لوضع حد لسياسات الإغراق الممارسة على نطاق واسع في قطاع التامين الجزائري على الرغم من تجريم فعل الإغراق.

وبحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن المجلس الوطني للتأمينات، فإن القطاع دخل مرحلة غيبوبة حقيقية قد تعجل بانهياره في حال استمرار المسؤولين في لجنة الضبط ومديرية التأمينات على مستوى وزارة المالية صم أذانهم حيال تحذيرات الاستغاثة.

وسجل القطاع نموا لم يتعدى 0.2 % عام 2015 بما يعادل 193 مليون دج فيما بلغ إجمالي تعويض الخسائر 2 مليار دج وهو ما يعادل 10 مرات معدل النمو، ما يجعل من الاستحالة بمكان قدرة شركات القطاع على الوفاء بالتزاماتها.

وفي حال إضافة مخزون الحوادث القديمة التي لم يتم تسديدها (بعضها يعود إلى 2010) والمقدر بـ66 مليار دج، فإن الإجمالي ينتقل إلى 25 مرة حصيلة القطاع، ما يمثل حالة شاذة على المستوى العالمي.

وتكشف المعطيات التي بحوزة “الجزائر اليوم” والخاصة بقطاع التأمينات الجزائري، عن إمكانية انهيار شامل للمنظومة في حال قررت الحكومة إلزام شركات التأمين بتعويض المؤمن لهم المتضررين والبالغ عددهم حوالي 5 ملايين في حوادث السيارات فقط، بدون حساب الحوادث الأخرى.

وتشير الأرقام الصادرة عن المجلس الوطني للتأمينات أن عملية التعويض متوقفة في سنة 2011 وهي طريقة متعمدة من الشركات لربح المزيد من الوقت في إطار سياسة الهروب إلى الأمام وغض الطرف المتعمدة التي تباركها بطريقة أو بأخرى مديرية التأمينات وسلطة ضبط القطاع التي تبقى في وضع المتفرج على ما يمكن أن يصبح ظاهرة مادوف(MADOFF) جديدة، نتيجة تبديد شركات التامين لعشرات ملايير الدينارات عن طريق سياسة الإغراق التي تلجأ إليها في بيع عقود التأمين بأسعار لا تسمح للشركات العمومية والخاصة بتكوين احتياطات تسمح بتعويض الزبائن في حال تسجيل الحوادث.

وبحسب الأرقام التي كشفت عنها “الجزائر اليوم” في موضوع سابق(لهذه الأسباب شركات التأمينات لن تعوض 5 ملايين حادث سيارة!)، فإن تعويض حوالي 5 مليون حادث قيد الانتظار بعضها يعود إلى العام 2008 يقدر بـ200 مليار دج (حوالي 2 مليار أورو)، إلا أن سلطة الضبط لم تتحرك لوضع حد لعمليات الغش والتزوير التي تقوم بها الشركات التي تلجأ إلى حيل تقنية لإخفاء مستوى الخسائر الحقيقية وترحيلها من سنة إلى أخرى، بعيدا عن أي مراقبة من سلطة الضبط والإشراف، في حين يتم خرق قانون التأمينات المعدل في العام 2006 والذي يلزم الشركات بتعويض زبائنهم المتضررين خلال 60 يوما.

 

الأزمة الاقتصادية الحالية لا تسمح بتكوين احتياطات جديدة

فوتت شركات التأمين العمومية والخاصة فرصة ذهبية على الجزائر خلال الفترة 2006 -2014 بفعل ممارسات غير قانونية، ففي الوقت الذي كانت الجزائر تعيش مرحلة ذهبية بفعل مداخيل المحروقات القياسية وانفجار فاتورة الواردات، حيث بلغ عدد السيارات المستوردة إلى أزيد من 450 ألف سيارة سنويا في المتوسط، لجأت شركات التامين إلى تخفيض أقساط التأمين بمستويات غير مسبوقة عالميا (- 90 %) في بعض الحالات مما دمر الاحتياطات التي تمكن من تعويض الزبائن في حال الحوادث.

المثير للانتباه بحسب المختصين، هو تجاهل سلطات الضبط لهذه الممارسات لحوالي 10 سنوات، تاركين (السلطات الرقابية) الحبل على الغارب، ليجد الجميع أنفسهم في مواجهة أزمة مالية خانقة لا أمل معها في تحقيق نسب نمو في قطاع التأمينات يسمح بإعادة بناء احتياطات تمكن من تعويض الزبائن الذين طال انتظارهم، ويظهر من خلال الحقائق السابق ذكرها أن الانتظار سيطول كثير وربما إلى الأبد، وخاصة مع ارتفاع تكاليف التعويض (تراجع قيمة الدينار، وارتفاع أسعار قطع الغيار المستوردة 100% من الخارج، ارتفاع الأجر الوطني الأدنى المضمون منذ 2008 وغيره).

ويشير أكثر من مختص في قطاع التأمينات إلى استحالة إعادة تشكيل احتياطات كافية للتعويض خلال العشر سنوات القادمة على الأقل، بمعدلات النمو الحالية في القطاع وفي الاقتصاد الجزائري بشكل عام.

 

ماهو مصير المؤمن لهم؟

في ظل الظروف الحالية للاقتصاد الوطني، يستحيل تماما تدخل الخزينة العمومية لتعويض المؤمن لهم والبالغ عددهم قرابة الـ5 ملايين حادث بقيمة تناهز 200 مليار دج أو حوالي 2 مليار أورو(قيمة تعادل واردات الجزائر من الأدوية سنة 2015)، يضاف لهذا المبلغ الضخم مجمل الديون المستحقة للدفع لدى الشركات (98% عمومية) والمقدرة بحوالي 200 مليار دج أخرى، وهو ما يستوجب تدخل الحكومة مباشرة لمنع بيع أقساط التأمين بأقل من سعرها الحقيقي لمنع حصول الكارثة من جراء تراجع ملاءة شركات التأمين العمومية والخاصة وعدم قدرتها على تعويض المتضررين، وخاصة أن سلطة الضبط أصبحت عاجزة تماما عن مراقبة تكوين الاحتياطات الحقيقية لشركات التأمين العمومية باعتبارها طرفا وخصما في العملية لكونها عضوا في مجالس إدارتها أيضا.

“نحن أمام وضعية خطيرة للغاية”، يقول أحد الفاعلين في القطاع، “فمن جهة سلطة الضبط هي المخولة بحماية مصالح المؤمن لهم، ومن ناحية ثانية هي عضو مجلس إدارة شركات التأمين العمومية، وبالتالي انتفاء أي إمكانية لفضح تلك الممارسات الخاطئة، والتي سيكون ضحيتها ملايين المؤمن لهم، عند إعلان شركات التأمين رسميا أنها لن تدفع حقوق المتضررين بسبب عدم ملاءتها المالية”.

ومن المثير للسخرية أن سلطة الضبط تسمح سنويا بترحيل مئات ألاف الملفات التي لم تتم تصفيتها من سنة إلى أخرى بعد إغفالها نهاية كل سنة مالية بغرض تخفيض الأعباء ورفع الحصيلة السنوية بطريقة وهمية(صورية) قبل إعادة فتحها في العام الجديد(N+1) وهي الممارسات المستمرة منذ قرابة 10 سنوات حتى أصبح القطاع في حالة توقف تام عن الدفع.

 

شركات تمنح تخفيضات وهمية بـ80%

أصل المشكلة يمكن في لجوء شركات التأمين إلى سياسات الإغراق من خلال منح تخفيضات تجاوزت 80% لسنوات طويلة للعديد من الهيئات على غرار الوزارات والشركات الكبيرة التي تتوفر على عدد كبير من المركبات ومنها سوناطراك وسونلغاز وكوسيدار ووزارة الدفاع ووزارة المالية وزارة الداخلية والجماعات المحلية، والعديد من الوزارات الأخرى، في إطار المنافسة غير الشرعية من الشركات التي أدت إلى بيع الأقساط بأسعار غير حقيقية دمرت الاحتياطات على حساب احترام القانون الساري المفعول، حتى وصل القطاع إلى عجز تام عن التعويض، وهي الوضعية التي تمنع سلطة الإشراف والضبط من التدخل مثلا لفرض قرار تعويض الملفات قيد الانتظار لسنوات ما قبل 2015.

وتشير الأرقام التي بحوزة “الجزائر اليوم” إلى أنه في حال فرض مثلا مهلة 6 أشهر أو سنة لتسوية كل الملفات، ستكون الكارثة الكبرى لأن الفصيحة التي تم التستر عليها منذ 2010 على الأقل ستظهر إلى الرأي العام وربما سينجر عنها هروب الشركات الأجنبية العاملة بالجزائر والأخطر من ذلك أن شركات عمومية ستنهار تماما في حال لم تتدخل الخزينة العمومية لشراء مجمل ديونها، مما يعني ضخ ما لا يقل عن 5 مليار دولار كحد أدنى لتطهير القطاع ومنع إفلاسه، وهو الإفلاس الذي يتحمل مسؤوليته كاملة سلطة الضبط التي قبلت أن تكون حكما وخصما في نفس الوقت.

والأغرب في كل ذلك أن لجنة الإشراف ومديرية التأمينات بوزارة المالية، تتفرج منذ 2006 وتمتنع عن التدخل لفرض القانون بشكل يحمي ملاءة الشركات ويعطيها القدرة الكافية لتعويض الأضرار في حال حدوثها بمنتجات النشاط وليس انتظار الخزينة العمومية للتدخل لتغطية العجز بعد سنوات من النمو الكاذب والوهمي وبعد سنوات من تحويل عشرات ملايين الدولارات إلى الخارج في شكل أرباح، في حين لم يجد ملايين المؤمن لهم من يدافع عنهم ويرغم الشركات عن دفع التعويضات لأصحابها.

ومعروف أن مدير التأمينات بوزارة المالية ونواب المدير، هم أعضاء في لجنة الإشراف، وفي مجالس إدارة الشركات التأمين العمومية، والمفترض فيهم الحياد التام من أجل فرص القانون على الجميع، وهي الوضعية التي لا تسمح لهم بالحياد في نظر القانون وفي نظر الفاعلين وفي نظر الزبائن المؤمن لهم المتضررين والذين هم في حالة انتظار منذ سنوات والمرشحة للاستمرار، ثم لماذا لا يتم تعويضهم بإطارات محايدة؟

 

هل تشكيلة هيئات الإشراف والرقابة قانونية؟

تتكون اللجنة فضلا عن مدير التأمينات ونواب المدير، من قضاة (2) أعضاء المحكمة العليا وخبير تأمينات مستقل.

منذ 2011 قدم الخبير جفافلة عمر، استقالته، إلا أن المفارقة تمكن في عدم تعويضه منذ ذلك التاريخ إلى اليوم، في حين أصبح قضاة المحكمة العليا يمثلون أقلية في اللجنة من جراء وجود ممثلين لمديرية التأمينات والمديرية العامة للخزينة وصوت الرئيس الذي يعتبر فاصل فضلا عن وجود دائم وغير رسمي لـ 3 نواب مديرين من مديرية التأمينات؟ ولكن اللجنة تواصل عملها بدون أي اعتبار لهذا الخرق القانوني الخطير، على الرغم من تعاقب ثلاث وزراء مالية على القطاع، فهل تتوفر الحكومة على القدرات المالية لتعويض المتضررين في حال تسارع انهيار القطاع؟ الجواب لدى بناية بن عكنون! وخاصة بعد شروع العديد من الشركات الخاصة الأجنبية في التفكير الجدي مغادرة الجزائر وترك ألاف الزبائن يواجهون مصيرهم لوحدهم.

 

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم